عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-02-2020, 10:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الاجتهاد في فقه الدنيا

الاجتهاد في فقه الدنيا

أ. د. عبدالحليم عويس


• ومِن أشهر مَن قاموا بالترجمة مِن العربية إلى اللاتينية من العلماء الإسبان:
جون (يوحنا) الإشبيلي حوالي 1151م، وإبراهام بارهيبا 1150م، ومارك الطليطلي 1200م، ويهودا بن طبون 1180م، واسطفن السرقسطي 1230م، وبينز كاليكو 1230 وساليو البادوي 1240م، وابن حسداي ت 1240م، هو مائيل بن طبون حوالي 1200م[3].

ومن العلماء الإنجليز: "إيديلاداوف باث" 1142م، ودوبرت الجستري 1150م، وألفريد السارشيلي حوالي 1200م، وروبرت الإنجليزي حوالي 1270م.

ومن العلماء الإيطاليين: أرنولد الفيلانوفي حوالي 1260م، وجيوفاني كامبانوس حوالي 1260م، ويوحنا البريسجي حوالي 1263م، وأفلاطون التيفولي 1150م، واصطفن الإنطاكي 1128م، وليم اللونسي حوالي 1230م.

ومن الإسبان والفرنسيين مَن تخصَّصوا في الترجمة من العربية إلى العِبرية، ومن أشهرهم: سليمان بن أيوب، وشطوب بن إسحاق، وزراحيا كرشيان، وموسى بن طوبون (1240 - 1283 فرنسي)، ويعقوب بن ماهر بن طبون (فرنسي)، فالويبموس بن ثالو نيموس (فرنسي)، وصموئيل يهودا المارسيلي، وتدرس التادرسي (فرنسي) وسليمان بن باطر (قشتالي) وإسحاق بن ناثان القرطبي (إسباني).

ومِن الإيطاليين قام ناثان هاميتي أيضًا بالترجمة من العربية إلى العِبرية، والسموءل بن يعقوب الكابوي، وسليمان يونابراك، والسموءل بن سليمان هاميتي[4]، وغيرهم.



وقد بقي المسلمون يَفتحون العالم بالدِّين والعلم معًا، وما شعروا قطُّ بأن هناك انفصالاً بين الجانبَين، كما أنه لا انفصال بين الروح والعقل والجسد، وكان المسجد يُعلِّم المسلمين علوم الدين والدنيا معًا، وكان العالم المسلم يجمع بين الطبِّ والفقه، ويَبرز في التفسير والتاريخ والفلسفة، ويكتب موسوعات في تفسير القرآن وتاريخ الإسلام ومقارنة الأديان، وقد يكون أديبًا وشاعرًا وفيلسوفًا، وهو في كل ذلك مؤمن بأن اجتهاده في أمور الدنيا واجبٌ يدعم الاجتهادَ في أمور الدين ويُقوِّيه ولا يُناقضه، فلما مضَت عشرة قرون تقريبًا، وهي مدة هيمنة الحضارة الإسلامية على العالم، بدأ المسلمون يَنامون، وظهَرت بينهم مفاهيم مغلوطة تدعوهم إلى ترك الدنيا والاعتناء بها، وترك علوم الدنيا للآخَرين، يُسخِّرون الكون، ويُفلسِفون الفِكر، وأصبحَت كثير مِن العلوم التي قادَت المسلمين إلى النهضة هي - بعينها - علومًا تقود إلى تبديد الطاقات، وتعطيل الملَكات، واجترار الخلافات، فأصبح علم "العقيدة" الجميلة الصافية "علم كلام"، تدور الحروب فيه بين فِرَق، كلٌّ منها يزعم أنه الفِرقة الإسلامية الناجية، وأصبح "الفقه" ترفًا وتعصُّبًا للمذهبية، وتعطيلاً للعقل والاجتهاد، وفقَد "تفسير القرآن" طعمه، وأصبَح معاركَ لغويَّة، وصراعاتٍ مذهبية، كلٌّ يُحاول أن يَلوي النصوص ليَنصر مذهبه ورأيه، وغلبَت الجزئية والفرعية على العقل المسلم، وفقَدت الفلسفة مجالها الصحيح، وهو مجال الكون والعلوم (الفيزيقا)، واشتغلت (بالميتافيزيقا) والجدال حول صفات الله، والمناطِق الغيبيَّة التي يجب أن تُترك للوحي وحده؛ لأنها فوق العقل، بينما أُهملت فلسفة علوم الكون والحياة والإنسان مع أنها الفلسفة المطلوبة، بل بدونها لا يتقدَّم العلم؛ إذْ هي الوصول بالعلم إلى مرحلة الفَرضيات والقوانين والتعميم، فثمَّة - بالتالي - فلسفة للطبيعة، وأخرى للطب، وثالثة للاجتماع، ورابعة للتاريخ، وعن طريق الفلسفة الكونية والاجتماعية تقدَّمت أوربا، وعن طريق الجزئية والحرفية والفَرعية الذريَّة تأخَّر العالم الإسلامي.

أما الفلسفة المرفوضة، فهي التفلسُف في ذات الله، وهي منطقة سمعيَّة لا يقوى العقل على التفلسُف فيها، وهي لم تأخذ المجال الكبير عند فلاسفة الإسلام - بصفة عامة - بل إن أكثرهم دافع عن ذات الله بأدلة الاختراع والإبداع، بل ونقَض المناهج اليونانية أفلاطونية أو أرسطية.

صحيح أننا كنا نتمنى ألا يَنبهِر بعض فلاسفة الإسلام بأرسطو وأفلاطون، وأن يَنطلِقوا من "الفلسفة القرآنية"؛ ككتاب وحي صحيح وحيد، و"الفلسفة الكونية"؛ كمجال إبداع ونواميس إلهية مؤكِّدة لكتاب الوحي.

لكن منهج الإدانة بالجملة - كما يشيع بعض المسلمين اليوم للأشخاص وليس للأفكار، وبأسلوب التكفير والتأثيم، وليس بأسلوب النقد العلمي والمنهجي الهادئ - هو المنهج الذي نرفضه ونحاربه، ولم لا يكون لهؤلاء الفلاسفة بعض العُذْر؟!

أليس مِن المُحتمَل أن يكون "المخطئ الأكبر" في هذه القضية هو الخليفة العباسي "المأمون"؛ لأنه فتح باب ترجمة الفلسفات إلى العربية، ولم يقم بجهْد موازٍ لفتح باب الترجمة مِن العربية إلى اللغات الأخرى لتقديم العقائد الإسلامية بطريقة إسلامية للبشرية المنكوبة بالفلسفة الإغريقية المركَّبة تارة، والساذجة تارة أخرى.

وقد وجد الفلاسفةُ المسلمون أنفسهم أمام واقعٍ فرضه هذا الخطأُ الذي ارتكبه الخليفة المأمون، ولم يكن أمامهم إلا أن يفهموا الخصْم، وأن يُترجِموا فِكرَه، ويشرحوه ويُحلِّلوه، ويُبيِّنوا عواره، ويردُّوا عليه، ويُقدِّموا البديل الإسلامي بطريقة عقلية "فلسفية" ملائمة للمناهج الزاحفة.

أجل؛ هذه هي الحقيقة، وهذا هو عذرهم، وقد أصابوا وأخطؤوا، لكن كما يُصيب ويُخطئ كل الباحثين والفلاسفة.

ومعظم المسلمين - فلاسفة وعامة - قد يتكلمون كُفْرًا عن غير وعي في كل يوم، ثم تأتي الصلوات، أو الاستغفار فيمسَح الكفر؛ ï´؟ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ï´¾ [يوسف: 106]، فهكذا جمع القرآن بين الإيمان والشرك، وقد قال الرسول - عليه الصلاة والسلام - لأبي ذرٍّ - رضي الله عنه -: ((إنك امرؤ فيك جاهلية))[5]، ولم يكن أبو ذرٍّ - رضي الله عنه - في أيِّ يوم كافرًا.

ولماذا يتشبَّث هؤلاء بتكفير أو تأثيم هؤلاء الفلاسفة ما دام في الأمر مندوحة لالتماس عذر، أو التحقُّق مِن وجود نسبة إيمانية تمنع الكفر؟!

ولماذا لا ننظر ابتداء بعين التبرئة بدل الإصرار على التجريم، تكفيرًا وتأثيمًا؟!



لقد أُعْجِبْتُ أشدَّ الإعجاب بهذا المنحى الفِكريِّ الذي انتهجه الفقيه والداعية العظيم الشيخ (نديم الجسر، مفتي طرابلس، لبنان الأسبق - رحمه الله) وهو يعالج من خلال كتابه العظيم "قصَّة الإيمان" رحلة العقل إلى الإيمان بالله مِن خلال الفلسفة والعلم، ثم القرآن.

وكيف تطابقت الفلسفة الحقة والعلم الصحيح مع كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، وكان الكتاب مُنقذًا لعقلي وضميري في مواجهة موجات الحقد التي تَنهال على موكب المُفكِّرين والفلاسفة المسلمين دون تقدير لظروفهم والتحديات التي واجَهوها، وأنا لا أقصد مِن ذلك أن نُحابي على حساب الحقيقة الإسلامية وألا نُصوِّب الخطأ بالحكمة والعلم والكلمة الرقيقة الودود، حتى ولو كان اختلافنا مع هؤلاء الفلاسفة منهجيًّا؛ فلا محاباة ولا خلاف في التصويب والحوار؛ وإنما الخلاف في الأسلوب الجارح، وفي منهج التكفير والإدانة الكاملة التي تَكشِف عن حقد مُسبَق وكراهية عمياء.

كان الشيخ الجسر - رحمه الله - طيلة كتابه يبحث عن زهور الإيمان، فيُعلي مِن قدرها ويُشيع عِطرها، ويَقتلع أشواك الكفر، ويَكشف انحرافها، حتى لدى الفلاسفة غير المسلمين، فقضية الإيمان قضية الإنسانية عامة.

والدكتور مصطفى الشكعة، ففي كتابه العظيم: "معالم الحضارة الإسلامية" يُنصِف عددًا كبيرًا من الشخصيات الإسلامية، ويرصد حسناتها التي تعمَّد الكثيرون إغفالها وتجاهُلها، والتركيز فقط على بعض الأخطاء والسلبيات التي وقعوا فيها بحكم بشريتهم؛ يقول الدكتور "الشكعة" عن الفيلسوف الفارابي:
إن أبي أصيبعة يُصنِّف الفارابي مع طبقة الأطباء المشهورين في الشام، وهو مُخطئ في ذلك فالفارابي يمثل طبقة واحدة على مساحة الفكر الإسلامي والأرض الإسلامية طولاً وعرضًا، ولكنه يَصدُق كل الصدق حين يُصوِّر شخصية المُفكِّر الفيلسوف الكبير فيقول عنه: كان - رحمه الله - فيلسوفًا كاملاً، وإمامًا فاضلاً، قد أتقَن العلوم الحكيمة، وبرع في العلوم الرياضية، ذكيَّ النفس، قويَّ الذكاء، مُتجنِّبًا عن الدنيا، مُقتنعًا منها بما يقوم بها أَوَده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدِّمين، وكانت له قوة في صناعة الطب وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يُباشِر أعمالها ولا حاول جزئياتها.

والحق أنه لم يُفتَتن مؤرِّخو العقلية الإسلامية بعالم أو فيلسوف افتتانهم به؛ فالقفطي يُلقِّبه بفيلسوف المسلمين دون مُدافِع، والبيهقي يُلقِّبه بالمعلم الثاني، ويقول: الحكماء أربعة: اثنان قبل الإسلام، هما: أرسطو وأبقراط، واثنان بعد الإسلام، هما: أبو نصر وأبو علي؛ يقصد: الفارابي وابن سينا، وصاعد الأندلسي يُلقِّبه بفيلسوف المسلمين بالحقيقة، وابن خلكان يُلقبه بأكبر فلاسفة المسلمين، ويَذكر أنه لم يكن فيهم مَن بلغ مرتبته في فنونه.

ويقول الدكتور الشكعة - أيضًا - عن فلسفة أبي نصر الفارابي ومميزاتها:
هذا، والصفة الإسلامية لا تتخلى عن فكْر الفارابي، ولا تنفصل عنه فيلسوفًا، وهو يحذر تعاطي الفلسفة إلا لمَن كانت له معرفة دينيَّة، وإيمان إسلاميٌّ عميق، ومَن لا تكون هذه حالته يكون عرضة للتِّيه والضلال.

ويتابع الدكتور الشكعة رؤيته الوضيئة، فيقول عن أبي حيان التوحيدي:
اختلف المؤرِّخون في شأنه، فمنهم مَن وصمه بالزَّيغ والإلحاد، وفي مقدِّمة مَن رماه بذلك أبو علي الفارسي، والذهبي، وابن الجوزي، وابنُ الجوزي أكثرُ تحاملاً عليه؛ لأنه يقول: "زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، والتوحيدي، وأبو العلاء المعري، ثم يَستطرد قائلاً: وشرُّهم التوحيدي؛ لأنهما صرَّحا، ولم يُصرِّح.

أما ياقوت، فيصف التوحيدي بأنَّه صوفي السمت والهيئة، يتعبَّد ويتنسَّك، والناس على ثِقة مِن دينه، وأما رميُه بالزندقة، فأمر يَصعب تصديقُه، وليس بين أيدينا مِن كتبه الكثيرة إلا ما يُثبِت عمق تديُّنه وتسبيحه لله بعبادات بلغَت مِن الرصانة حدًّا كبيرًا.



وأنا أتساءل: ماذا نستفيد عندما نكثر مِن أعداد الملاحدة والخبثاء في تاريخنا؟

وماذا نستفيد عندما نُحوِّل فلاسفة الإسلام مِن مدافعين عن الإسلام ضدَّ الغزو الإلحادي إلى جنود لهذا الغزو؟

وكيف لنا أن نَحكم على قلوب هؤلاء ونواياهم وأهدافهم لمجرَّد أن بعضهم أخطأ في فهم بعض معالم المنهج الإسلامي، أو في بعض طرائق الاستِدلال؟

لقد سُئل الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن عقيدة الخوارج الذين يُحاربونه: أهم كفار؟

فأجاب: هم مِن الكفر فرُّوا، مع أن هؤلاء الخوارج - في عصر الإمام علي - كانوا أسرع الناس إلى التكفير، لكن حاشا لأمير المؤمنين العظيم علي بن أبي طالب أن يَنزل إلى مستوى "الظلم" لخصومه الذين لم يجدوا وسيلة لحربه إلا حاربوه بها حتى قتلوه.

وما قيل عن فلاسفة الإسلام في القديم، وشكَّل تيارًا باقيًا يتشبَّثُ به أصحابه، يقال - أيضًا - عن كثير مِن دعاة النهضة الإسلامية المعاصرة، وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا.

إن تيارًا جارفًا يَتشبَّث بالطعن في هؤلاء، ورميهم بشتى التُّهم، وعدم الْتِماس أيِّ عذر لهم، وكأنه مِن المفروض أن يكونوا معصومين في فِكرهم ودعوتهم وحركتهم، فلا يُخطئون في اجتهاد، ولا يرتكبون أيَّ شيء مما يرتكبه البشر، ولا يَقومون بعمل - ولو واحدًا - يُحسب عليهم، وهم إن فعلوا شيئًا مِن ذلك - ولا بدَّ أن يفعلوا - فالوَيل لهم ولن يَغفر لهم الحقَدةُ مِن البشر - مُتعصبين كانوا أو مُلحِدين - فالله - سبحانه وتعالى - يَغفر الذنوب والأخطاء، لكن هؤلاء الملاحدة والمتعصِّبين لا يغفرون.

لقد آن للمسلمين أن يَكفُّوا عن هذا المِنهاج القائم على الترصُّد، كما أنه يجب عليهم بعد هذه التجارِب التي مرَّتْ بهم أن يفسحوا عقولهم ونفوسهم للاجتهاد في أمور الدنيا والدين، واعِينَ بالمنهج الإسلامي الرشيد، مُلتمِسين الأعذار لعثَرات العقول والأقلام.

وسواء كان بحثهم في علوم الدين أو علوم الدنيا، فالنيَّة والغاية يجب أن يتَّجهَا إلى عبادة الله وخدمة الإنسان، وعليهم أن يَلتزموا بالمعيارية الإسلامية المؤمنة بعالَمي الغيب والشهادة، وبالعقلانية الإسلامية التي توجب ألا يكون هناك تناقض بين النقل الصحيح والعقل الصحيح، ولا بين شريعة الله الإلهية وحكمة الإنسان المعبِّرة عن جهاده في سبيل الحقيقة، وفهم السنن الكونية والاجتماعية.


[1] عباس العقاد أثر العرب في الحضارة الأوروبية ص 70 ط4 دار المعارف مصر

[2] عباس العقاد أثر العرب في الحضارة الأوروبية ص60- 61

[3] انظر مايرز: يوجين، ترجمة كاظم سعد الدين، الفكر العربي والعالم الغربي، ص 95- 114.


[4] مايرز: الفكر العربي والعالم الغربي 114 - 118.

[5] رواه البخاري في كتابي الإيمان والأدب.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.20 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.26%)]