عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 10-02-2020, 09:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,463
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان


شرح حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان (3)
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين




ثانيًا: ومن التأليف أن نعطي شخصًا للتخلص من شره، حتى يزول ما في قلبه من الحقد على المسلمين والعداوة.

واختلف العلماء: هل يشترط في المؤلفة قلوبهم أن يكون لهم سيادة وشرف في قومهم أو لا يشترط؟
والصحيح أنه لا يشترط، حتى لو أعطيت فردًا من الناس لتؤلِّفه على الإسلام كفى.

أما إذا أعطيت فردًا من الناس من أجل أن تدفع شره فهذا لا يجوز؛ لأن الواحد من الناس ترفعه إلى ولاة الأمور ويأخذون حقك منه.

الخامس: ï´؟ وَفِي الرِّقَابِ ï´¾: ذكر العلماء إنها تشمل ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن تشتري عبدًا فتعتقه.
النوع الثاني: أن تساعد مكاتبًا في مكاتبته، والمكاتب هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده.

الثالث: أن تفك بها أسيرًا مسلمًا عند الكفار أو عند غيرهم، حتى لو اختطف مسلم عند أناس ظلمة ولم يفكوه إلا بفداء من الزكاة فلا بأس.

السادس: قوله: ï´؟ وَالْغَارِمِينَ ï´¾: والغارم: هو الذي يكون في ذمته دين لا يستطيع وفاءه، أو يكون في ذمته دين لمصلحة عامة وإن كان يستطيع وفاءه.

ولهذا قال العلماء: إن الغُرم نوعان:
النوع الأول: الغارم لغيره.
والثاني: الغارم لنفسه.

الغارم لغيره: هو الذي يغرم مالًا لإصلاح ذات البين؛ مثل: أن يكون بين قبيلتين نزاع ومشاجرة ومخاصمة ومعاداة وبغضاء، فيقوم رجل من أهل الخير فيصلح بين القبيلتين على مال يلتزم به في ذمته، فهنا يكون غارمًا لكن ليس لنفسه، بل لمصلحة عامة، وهي الإصلاح بين هاتين القبيلتين.

قال العلماء: فيُعطى هذا الرجل ما يوَفِّي به من العزم وإن كان غنيًّا؛ لأن هذا ليس لنفسه، بل لمصلحة الغير.

فلو قُدر أن رجلًا عنده مائة ألف فأصلح بين قبيلتين بعشرة آلاف ريال يستطيع أن يوفيها من ماله، لكن نقول لا يلزمه، بل نعطيه من الزكاة ما يدفع به هذا الغُرم؛ لأن ذلك لمصلحة الغير، ولأن هذا يفتح باب الإصلاح للناس؛ لأننا لو لم نُعن هذا الرجل ونعطه ما غرم، لتكاسل الناس عن الإصلاح بين الفئات المتناحرة أو المتعادية، فإذا أعطينا من غرم صار في هذا تنشيط له.

أما النوع الثاني: فهو الغارم لنفسه؛ مثل: رجل استأجر بيتًا بخمسة آلاف ريال وليس عنده ما يدفع به الإجار، هو نفسه في أكله وشربه ولباسه ليس محتاجًا، لكن يحتاج إلى وفاء الدين الذي لزمه بالاستئجار للبيت، فنعطي هذا الرجل أجرة البيت من الزكاة؛ لأنه من الغارمين.

كذلك إنسان أُصيب بجائحة اجتاحت ماله؛ مثل: الحريق أو الغرق أو ما أشبه ذلك، وقد لحقه في هذا دين، فنعطيه ما يسدد دينه؛ لأنه غير قادر على الوفاء.

هذا النوع من الغرم يشترط فيه أن يكون الغارم عاجزًا عن وفاء الدين، فإن كان قادرًا، فإنه لا يعطى.

ولكن هل يجوز أن يذهب الإنسان لمن له الدَّين ويقول له: هذا الطلب الذي لك على فلان خذه، وينويه من الزكاة؟
الجواب: نعم يجوز، وليس بشرط أن تعطي الغارم ليعطي الدائن، بل لو ذهبت للطالب منذ أول الأمر وقلت له: يا فلان بلغني أنك تطلب من فلان عشرة آلاف ريال، قال نعم، وأثبت ذلك، فتعطيه إياها، ولا حاجة لإخبار المدين؛ وذلك لأن المقصود هنا إبراء الذمة، وهو حاصل سواء أخبرته أم لم تخبره.

وتأمل التعبير في الآية: ï´؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ï´¾؛ كل هذه الثلاث معطوفة على قوله: ï´؟ لِلْفُقَرَاءِ ï´¾؛ باللام، ï´؟ وَفِي الرِّقَابِ ï´¾، ولم يقل: «وللرقاب»، بل قال: «في» الدالة على الظرفية؛ يعني: أنك إذا صرفت الزكاة في هذه الجهات يجوز وإن لم تعط صاحبها.

ï´؟ وَالْغَارِمِينَ ï´¾ معطوفة على ï´؟ وَفِي الرِّقَابِ ï´¾؛ فيه من مدخول في؛ أي: وفي الغارمين، فلا حاجة لأن تملك الغارم ليعطي الدائن، بل يكفي أن تذهب وتعطي الدائن ليبرئ المدين.

فإذا قال قائل: هل الأحسن أن أذهب إلى الدائن وأُوَفِّيَه، أو أُعطي الغريم لكي يوفي بنفسه؟
نقول: في هذا تفصيل: إذا كنت تخشى أنك لو أعطيت الغريم لم يوف، بل أكل الدراهم وترك الدَّين على ما هو عليه فهنا لا تعط الغريم، بل أعط الدائن؛ لأنك لو أعطيت الغارم سينفق الأموال في أمور غير مهمة وتَرَك الدَّين، وبعض الناس لا يهتمون بالدين الذي عليهم، فإذا كنت تعلم أن المدين (الغارم) لو أعطيته لأفسد المال وبقيت ذمته مشغولة، فلا تعطه وأعط الدائن، أما إذا كان الغريم صاحب عقل ودين، ولا يمكن أن يرضى ببقاء ذمته مشغولة، ويغلب على ظني كثيرًا أنني إذا أعطيته سوف يذهب فورًا إلى الدائن ويقضي من دينه، فهنا نعطي الغريم، نقول: خذ هذه الدراهم أوف بها عن نفسك؛ لأن هذا أستر له وأحسن.

ولكن يجب علينا إذا كنا نوزِّع الزكاة أن نحذر من حيلة بعض الناس؛ بعض الناس يقدم لك كشفًا بالدين الذي عليه، وتوفي ما شاء الله أن توفي، وبعد سنة يقدم لك نفس الكشف ولا يخصم الذي أوفى عنه، فانتبه لهذا؛ لأن بعض الناس- والعياذ بالله - لا يهمه حلال ولا حرام، المهم اكتساب المال، فيأتي بالقائمة الأولى التي قد قضى نصفها ويعرضها عليك، فانتبه لذلك.

وقد قُدِّمَ لنا من هذا النوع أشياء، وذهبنا نسلِّمُ الدائن بناء على الكشف الذي قدَّم، فقال الدائن: إنه قد أوفاني، وهذه مشكلة، لكن الإنسان يتحرز، وهو إذا اتقى الله ما استطاع، ثم تبيَّن فيما بعد أن الذي أخذ الزكاة ليس أهلًا لها فإن ذمته تبرأ، وهذه من نعمة الله.

يعني: لو أعطيت زكاتك شخصًا ثم تبيَّن لك أنه ليس من أهل الزكاة رغم أنك اجتهدت فلا شيء عليك، وزكاتك مقبولة.

السابع قوله: ï´؟ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ï´¾: والجهاد في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هكذا حدده النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»؛ وهذه كلمة جامعة مانعة، وقد تقدَّم الكلام على هذا.

تنبيه: يجوز قتل المسلم الظالم في الحرب وإن كان مسلمًا.
فإذا قال قائل: وإن كان مكرهًا؟
الجواب: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إذا قاتل المسلمون مع التتار فإنهم يقاتَلون وإن كانوا مسلمين، ولو كانوا مكرهين، فإن كانوا صادقين بأنهم مكرهون فإن لهم أجر الشهيد؛ لأنهم قتلوا ظلمًا من الذي أكرههم؛ لأن الظلم على الذي أكرههم، وإن كانوا غير صادقين، بل هم مختارون طائعون، فهذا ما أصابهم وهم الذين جرُّوه على أنفسهم.

وقد قال رحمه الله في تعليل ذلك: إنه لا يعلم المكره من غير المكره؛ لأن ذلك محله القلب، فالاختيار والكراهة محلها القلب، فلا يعلم المكره من غيره، فيقتل المكره دفاعًا عن الحق وحسابه على الله.

نعم، لو فرض أنه أُسر وهو مسلم حقيقة فإنه لا يجوز قتله، أما في ميدان القتال فإنه يُقتل، وقد ذكرها رحمه الله في «الفتاوى» في كتاب الجهاد ج (28) ص(544-553).

وقوله سبحانه وتعالى: ï´؟ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ï´¾ يشمل إعطاء الزكاة للمجاهدين أنفسهم، وشراء الأسلحة لهم، فشراء الأسلحة من الزكاة جائز من أجل الجهاد في سبيل الله.

قال أهل العلم: ومن ذلك: أن يتفرغ شخص لطلب العلم وهو قادر على التكسب، لكنه تفرغ من أجل أن يطلب العلم، فإنه يعطى من الزكاة مقدار حاجته؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله.

أما مَن تفرغ للعبادة فلا يعطى من الزكاة، بل يقال اكتسب.

وبهذا عرفنا شرف العلم على العبادة، فلو جاء رجلان أحدهما دَيِّنٌ طيب ويقول: أنا أستطيع أن أتكسَّب لكن أحب أن أتفرغ للعبادة من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن فأعطوني من الزكاة واكفوني العمل!

نقول: لا نعطيك بل اكتسب.

وجاء رجل آخر قال: أنا أريد أن أتفرَّغ لطلب العلم وأنا قادر على التكسب، لكن إن ذهبت أتكسب لم أطلب العلم فأعطوني ما يكفيني من أجل أن أتفرغ لطلب العلم، قلنا: نعطيك ما يكفيك لطلب العلم، وهذا دليل على شرف العلم وطلبه.

الثامن: ï´؟ ابْنِ السَّبِيل ï´¾: وهو الصنف الثامن من أصناف أهل الزكاة.

وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته، فلم يكن معه ما يوصله إلى بلده، وليس هذا من باب الفقراء والمساكين؛ لأنه غني في بلده، لكن قصرت به النفقة في أثناء السفر، فيعطى ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيًّا.

وسمي ابن سبيل لمصاحبته للسفر، كما يقال ابن الماء في طير الماء الذي يألف الماء فيقع عليه.

هؤلاء ثمانية أصناف لا يجوز صرف الزكاة في غيرهم، فلا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المدارس، ولا غيرها من طرق الخير؛ لأن الله ذكر هذه الأصناف بصيغة محصورة فقال: ï´؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ... ï´¾ [التوبة: 60]، وï´؟ إِنَّمَا ï´¾ تفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه.

ولو قلنا بجواز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير لفاتت فائدة الحصر، ولكن بناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء المدارس وما أشبهها تفعل من طرق أخرى، من طرق البِر والصدقات والتبرعات.

هذا هو الركن الثالث من أركان الإسلام الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام في حديثه الطويل!

أما الرابع فقد قال: «وصوم رمضان»: ورمضان شهر بين شعبان وشوال، وسمي رمضان بهذا الاسم؛ قيل: لأنه عند أول تسمية الشهور صادف أنه كان في شدة الرمضاء والحر فسمي رمضان.
وقيل: لأنه تُطفأ به حرارة الذنوب؛ لأن الذنوب حارة: و«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

والمهم أن هذا الشهر معلوم للمسلمين، ذكره الله سبحانه وتعالى باسمه في كتابه فقال: ï´؟ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ï´¾ [البقرة: 185]، ولم يذكر الله اسمًا لشهر من الشهور سوى هذا الشهر.

وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به، ولكنه لا يجب إلا على من تمت فيه الشروط الآتية: أن يكون مسلمًا، وأن يكون بالغًا، وعاقلًا، قادرًا، مقيمًا، سالمًا من الموانع.

هذه ستة شروط؛ فإن كان صغيرًا لم يجب عليه الصوم، إن كان مجنونًا لم يجب عليه الصوم، إن كان كافرًا لم يجب عليه الصوم، إن كان عاجزًا فعلى قسمين:
أ‌- إن كان عجزه يرجى زواله؛ كالمرض الطارئ أفطر، ثم قضى أيامًا بعدد ما أفطر.

ب‌- وإن كان عجزًا لا يرجى زواله؛ كالكبر والأمراض التي لا يرجى برؤها فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا.

و«مقيمًا»؛ ضده المسافر، فالمسافر ليس عليه صوم، ولكنه يقضي من أيام أُخر.

«سالمًا من الموانع»؛ احترازًا من الحائض والنفساء، فإنهما لا يجب عليهما الصوم، بل ولا يجوز أن تصوما، ولكنهما تقضيان.

وصوم رمضان يكون بعدد أيامه، إما تسعة وعشرين، وإما ثلاثين حسب رؤية الهلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».

عدة شعبان إن كان في أول الشهر، وعدة رمضان إن كان في آخر الشهر.

الركن الخامس: «حج البيت»؛ وهو بيت الله سبحانه وتعالى؛ أي: قَصْدُه لأداء المناسك التي بيَّنها الله سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

فحج البيت أحد أركان الإسلام، ومِن حجِّ البيت: العمرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماها حجًّا أصغر، ولكن له شروط؛ منها البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والاستطاعة؛ خمسة شروط؛ فإذا اختلَّ شرط واحد منها فإنه لا يجب.

ولكن العجز عن الحج إن كان بالمال فإنه لا يجب عليه، لا بنفسه ولا بنائبه.

وإن كان بالبدن: فإن كان عجزًا يرجى زواله انتظر حتى يعافيه الله ويزول المانع، وإن كان لا يرجى زواله كالكبر، فإنه يلزمه أن ينيب عنه من يأتي بالحج؛ لأن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده شيخًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم».

فأقرَّها النبي صلى الله عليه وسلم، على أنها سمَّت هذا فريضة مع أنه لا يستطيع، لكنه قادر بماله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حجِّي عنه».

هذه خمسة أركان هي أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجُّ بيت الله الحرام، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره بذلك، قال له: صَدَقْتَ، قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه؛ لأن الذي يصدق الشخص بقوله يعني أن عنده علمًا من ذلك، فعجبنا كيف يسأله ثم يقول صدقت.

والسائل إذا أجيب يقول: فهمت، لا يقول صدقت، لكن جبريل عليه الصلاة والسلام عنده علم من هذا؛ ولهذا قال: صدقت.

المصدر: «شرح رياض الصالحين» (1 /411 - 432).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.01 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.19%)]