شرح حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان (2)
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين
ولا تستغرب أن العالم يرجع عن قوله؛ لأن الحق يجب أن يتَّبع، فمتى تبيَّن للإنسان الحق وجب عليه اتباعه، فالإمام أحمد رحمه الله أحيانا يروى عنه في المسألة الواحدة أكثر من أربعة أقوال أو خمسة إلى سبعة أقوال في مسألة واحدة، وهو رجل واحد، أحيانا يصرِّح بأنه رجع وأحيانًا لا يصرِّح، إن صرَّح بأنه رجع عن قوله الأول فإنه لا يجوز أن يُنسب إليه القول الذي رجع عنه، ولا يجوز أن ينسب له إلا مقيَّدا، فيقال: قال به أوَّلًا ثم رجع، أما إذا لم يصرح بالرجوع فإنه يجب أن تُحسب الأقوال كلها عنه، فيقال: له قولان، أو له ثلاث أقوال، أو أربعة أقوال.
والإمام أحمد تكثر الرواية عنه؛ لأنه أثري يأخذ بالآثار، والذي يأخذ بالآثار ليس تأتيه الآثار دفعة واحدة حتى يحيط بها مرة واحدة ويستقر على قول منها، لكن الآثار تتجدد، يُنقل له حديث اليوم، ويُنقل له حديث في اليوم الثاني، وهكذا.
واعلم أن الإنسان إذا تمت المدة وهو على طهارة فإنه لا تنتقض طهارته، لكن لو انتقضت فلا بدَّ من خلع الخفين وغسل القدمين، لكن مجرد تمام المدة لا ينقص الوضوء.
كذلك أيضًا إذا خلعها بعد المسح وهو على طهارة، فإنها لا تنتقض طهارته، بل يبقى على طهارته، فإذا أراد أن يتوضأ فلابد من أن يغسل قدميه بعد أن نزع.
والقاعدة في هذا حتى لا تشتبه: أنه متى نُزع الممسوح فإنه لا يعاد ليمسح، بل لابد من غسل الرجل ثم إعادته إذا أراد الوضوء.
الشرط الثالث: استقبال القبلة: فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به؛ لأن الله تعالى أمر به وكرر الأمر به؛ قال تعالى: ï´؟ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ï´¾ [البقرة: 150]؛ أي: جهته.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام أول ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس، فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قِبَلَ وجهه، ولكن بعد ذلك ترقَّب أن الله سبحانه وتعالى يشرع له خلاف ذلك، فجعل يقلِّب وجهه في السماء ينتظر متى ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال بيت الله الحرام، كما قال الله تعالى: ï´؟ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلينَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ï´¾ [البقرة:144]؛ فأمره الله عز وجل أن يستقبل المسجد الحرام؛ أي: جهته.
إلا أنه يُستثنى من ذلك ثلاث مسائل:
المسالة الأولى: إذا كان عاجزًا كمريض وجهه إلى غير القبلة، ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال؛ لقوله تعالى: ï´؟ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ï´¾ [التغابن: 16]، وقوله تعالى: ï´؟ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ï´¾ [البقرة: 286]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».
المسألة الثانية: إذا كان في شدة الخوف، كإنسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من نار، أو هارب من واد يغرقه! المهم أنه في شدة خوف، فهنا يصلي حيث كان وجهه؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ï´؟ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 239]، فإن قوله: ï´؟ فَإِنْ خِفْتُمْ ï´¾ عام يشمل أي خوف، وقوله: ï´؟ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ï´¾ على أنَّ أي ذكر تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه، ومن ذلك استقبال القبلة.
ويدل عليه أيضًا: ماسبق من الآيتين الكريمتين والحديث النبوي في أن الوجوب معلَّق بالاستطاعة.
المسألة الثالثة: في النافلة في السفر، سواء كان على طائرة، أو على سيارة، أو على بعير، فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل، مثل الوتر وصلاة الليل والضحى وما أشبه ذلك.
والمسافر ينبغي له أن يتنفَّل بجميع النوافل كالمقيم سواءً إلا في الرواتب، كراتبة الظهر والمغرب والعشاء، فالسنة تركها، وماعدا ذلك من النوافل فإنه باقٍ على مشروعيته للمسافر، كما هو مشروع للمقيم.
فإذا أراد أن يتنفل وهو مسافر على طائرته، أو على بعيره، أو على حماره، فليتنفَّلْ حيث كان وجهه؛ لأن ذلك هو الثابت في «الصحيحين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة.
أما الجاهل فيجب عليه أن يستقبل القبلة، لكن إذا اجتهد وتحرَّى ثم تبيَّن له الخطأ بعد الاجتهاد، فإنه لا إعاده عليه، ولا نقول: إنه يسقط عنه الاستقبال، بل يجب عليه الاستقبال، ويتحرَّى بقدر استطاعته، فإذا تحرى بقدر استطاعته ثم تبيَّن له الخطأ، فإنه لا يعيد صلاته؛ ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة، كانوا يُصلُّون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء، فجاءهم رجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أُنزل عليه قرآن وأُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، فاستداروا، بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم، فاستداروا وبقوا في صلاتهم، وهذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن إنكار له، فيكون ذلك مشروعًا.
فإذا أخطأ الإنسان في القبلة جاهلًا فإنه ليس عليه إعادة، ولكن إذا تبيَّن ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقيم إلى القبلة.
فلو فُرِض أن إنسانًا شرع يصلي إلى غير القبلة يظن أنها القبلة، فجاءه إنسان وقال له: القبلة عن يمينك أو يسارك، وجب عليه أن يستدير على اليمين أو على اليسار دون أن يستأنف الصلاة؛ لأنه في الأول كان عن اجتهاد وعن وجه شرعي فلا يبطل.
فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، إلا في المواضع الثلاثة التي ذكرناها، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري.
وهنا مسألة: يجب على من نزل على شخص ضيفًا و أراد أن يتنفَّل أن يسأل صاحب البيت عن القبلة، فإذا أخبره اتجه إليها؛ لأن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم، ويمنعه الحياء - وهو حياء في غير محله - عن السؤال عن القبلة.
فبعض الناس يستحي من السؤال حتى لا يقول الناس لا يعرف! لا يضر، فليقولوا ما يقولونه، بل اسأل عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت.
وأحيانًا بعض الناس تأخذه العزة بالإثم أو الحياء، ويتجه بناءً على ظنه إلى جهة ما يتبيَّن له أنها ليست القبلة، وفي هذه الحال وجب عليه أن يعيد الصلاة؛ لأنه استند إلى غير مستند شرعي، والمستند إلى غير مستند شرعي لا تُقبل عبادته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
الشرط الرابع: النيَّة: فإن الصلاة لا تصح إلا بنيَّة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» الحديث.
وقد دلَّت الآيات الكريمة على اعتبار النية في العبادات؛ مثل قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ï´؟ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ï´¾ [الفتح: 29]، وقال تعالى:ï´؟ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه ï´¾ [البقرة: 272]، والآيات في هذا كثيرة، وقال: ï´؟ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ï´¾ [النساء: 100]،
فالنية شرط من شروط صحة الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وهي في الحقيقة ليست بالأمر الصعب، كل إنسان عاقل مختار يفعل فعلًا فإنه قد نواه، فلا تحتاج إلى تعب ولا على نُطقٍ؛ محلُّها القلب: «إنما الأعمال بالنيات».
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق بالنية، ولا أمر أمته بالنطق بها، ولا فعلها أحد من أصحابه فأقرَّه على ذلك، فالنطق بالنية بدعة، هذا هو القول الراجح؛ لأنك كأنما تشاهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه يصلون ليس فيهم أحد نطق قال: اللهم إني نويت أن أصلي.
وما أظرف قصة ذكرها لي بعض الناس عليه رحمة الله، قال لي: إن شخصًا في المسجد الحرام قديمًا أراد أن يصلي، فأقيمت الصلاة، فقال: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات لله تعالى خلف إمام المسجد الحرام، لَمَّا أراد أن يكبر، قال له الرجل إلى جواره: اصبر بقي عليك! قال: ما الباقي؟ قال له: قل: في اليوم الفلاني وفي التاريخ الفلاني من الشهر والسنة حتى لا تضيع، هذه وثيقة، فتعجب الرجل!
والحقيقة أنه محل التعجب، هل أنت تُعْلِمُ الله عز وجل بما تريد؟ الله يعلم ما توسوس به نفسك، هل نعلم الله بعدد الركعات والأوقات؟ لا داعي له، الله يعلم هذا.
فالنية محلها القلب.
ولكن كما نعلم أن الصلوات تنقسم إلى أقسام: نفل مطلق، ونفل معين، وفريضة.
الفرائض خمس: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
إذا جئت إلى المسجد في وقت الفجر، فماذا تريد أن تصلي؟ أتريد أن تصلي المغرب؟! لا، بل الفجر.
جئت وكبرت وأنت ناوٍ الصلاة، لكن غاب عن ذهنك أنها الفجر.
وهناك مسألة: إذا جئت وكبرت، وغاب عن ذهنك أي صلاة هي، وهذا يقع كثيرًا، لا سيما إذا جاء بسرعة يخشى أن تفوته الركعة؛ فمثلًا جئت وحضرت وكبرت ولكنك لم تستحضر أنك تريد الفجر؛ فهنا لا حاجة، ووقوع هذه الصلاة في وقتها دليل على أنه إنما أردت هذه الصلاة؛ ولهذا لو سألك أي واحد: هل أردت الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء؟ لقال: أبدًا، ما أردت إلا الفجر.
إذاً لا حاجة إلى أن أنوي أنها الفجر، صحيح أنني إن نويتها الفجر أكمل، لكن أحيانًا يغيب عن الذهن التعيين، فنقول: يعينها الوقت.
إذًا الفرائض يكون تعيينها على وجهين:
الوجه الأول: أن يعينها بعينها بقلبه أنه نوى الظهر مثلًا، وهذا واضح.
الوجه الثاني: الوقت؛ فما دمت تصلي الصلاة في هذا الوقت فهي هي الصلاة.
هذا الوجه الثاني إنما يكون في الصلاة المؤداة في وقتها، أما لو فُرض أن على إنسان صلوات مقضية؛ كما لو نام يومًا كاملًا عن الظهر والعصر والمغرب، فهنا إذا أراد أن يقضي لابد أن يعينها بعينها؛ لأنه لا وقت لها.
النوافل المعينة؛ مثل الوتر وركعتي الضحى والرواتب للصلوات الخمس، فهذه لابد أن تعينها بالاسم، لكن بالقلب لا باللسان، فإذا أردت أن تصلي الوتر مثلًا وكبَّرت ولكن ما نويت الوتر، وفي أثناء الصلاة نويتها الوتر، فهذا لا يصح؛ لأن الوتر نفل معين، والنوافل المعينة لابد أن تعيَّن بعينها.
أما النوافل المطلقة فلا تحتاج إلى نية إلا نية الصلاة؛ فإنه لا بد منها, مثل إنسان في الضحى توضأ وأراد أن يصلي ما شاء الله، نقول: تكفي نية الصلاة؛ وذلك لأنها صلاة غير معينة.
إذا أراد الإنسان أن ينتقل في أثناء الصلاة من نية إلى نية، هل هذا ممكن؟ ننظر، الانتقال من معين إلى معين، أو من مطلق إلى معين لا يصح.
مثال المطلق: إنسان قام يصلي صلاة نافلة مطلقة، وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يصلِّ راتبة الفجر، فنواها لراتبة الفجر؛ نقول: لا تصح لراتبة الفجر؛ لأنه انتقال من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن تنويه من أوله، فراتبة الفجر من التكبير إلى التسليم.
ومثال معين إلى معين: رجل قام يصلي العصر، وفي أثناء صلاته ذكر أنه لم يصل الظهر، أو أنه صلاها بغير وضوء، فقال: الآن نويتها للظهر، فهل تصح للظهر أم لا؟ هنا لا تصح للظهر؛ لأنه من معين إلى معين، ولا تصح أيضًا صلاة العصر التي ابتدأ؛ لأنه قطعها بانتقاله إلى الظهر.
إذًا لا تصح ظهرًا ولا عصرًا؛ فهي لا تصح عصرًا لأنه قطعها، ولا ظهرًا لأنه لم يبتدئها ظهرًا، وصلاة الظهر من تكبيرة الإحرام إلى السلام.
أما الانتقال من معين إلى مطلق فانه يصح ولا بأس؛ مثل إنسان شرع في صلاة الفريضة، ثم لما شرع ذكر أنه على ميعاد لا يمكنه أن يتأخر فيه، فنواها نفلًا، فإنها تصح إذا كان الوقت متسعًا ولم يفوِّت الجماعة.
هذان شرطان: الشرط الأول: إذا كان الوقت متسعًا، والثاني: إذا لم يفوِّت الجماعة.
فمثلًا إذا كان في صلاة جماعة فلا يمكن أن يحولها إلى نفل مطلق؛ لأن هذا يستلزم أن يدع صلاة الجماعة.
إذا كان الوقت ضيقًا فلا يصح أن يحولها إلى نفل مطلق؛ لأن صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها لا يتحمل الوقت سواها، لكن الوقت في سعة والجماعة قد فاتته، نقول: لا بأس أن تحولها إلى نفل مطلق وتسلم من ركعتين وتذهب إلى وعدك، ثم بعد ذلك تعود إلى فريضتك.
فصار الانتقال ثلاثًا:
1- من مُطلقٍ إلى معيَّن: لا يصح المعين ويبقى المطلق صحيحًا.
2- من مُعيَّن إلى معيَّن: يبطل الأول ولا ينعقد الثاني.
3- من مُعيَّن إلى مُطلق: يصح ويبقى المعين عليه.
نيَّةُ الإمامة والائتمام:
الجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم، وأقلها اثنان: إمام ومأموم؛ وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله، ولابد من نية المأموم والإتمام، وهذا شيء متفق عليه، يعني إذا دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الائتمام بإمامك الذي دخلت معه، ولكن كما قلنا: النية لا تحتاج إلى كبير عمل؛ لأن من أتى إلى المسجد فإنه قد نوى أن يأتم.
أما الإمام فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن ينوي أن يكون أو لا يجب؟!
فقال بعض أهل العلم: لابد أن ينوي أنه الإمام؛ وعلى هذا لو جاء رجلان ووجدا رجلًا يصلي ونويا أن يكون الرجل إمامًا لهما، فصفَّا خلفه وهو لا يدري بهما، لكن هم نويا أنه إمام لهما وصارا يتابعانه، فمن قال: إنه لابد للإمام أن ينوي الإمامة قال: إن صلاة الرجلين لا تصح؛ وذلك لأن الإمام لم ينو الإمامة.
ومن قال: إنه لا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة، قال: إن صلاة هذين الرجلين صحيحة؛ لأنهما ائتما به.
فالأول: هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
والثاني: هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في رمضان وحده، فدخل أناس المسجد فصلوا خلفه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما دخل الصلاة لم ينو أن يكون إمامًا.
واستدلوا كذلك بأن ابن عباس رضي الله عنهما بات عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل قام يصلي وحده، فقام ابن عباس فتوضأ و دخل معه في الصلاة.
ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس فيه دلالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نوى الإمامة، لكن نواها في أثناء الصلاة، ولا بأس بأن ينويها في أثناء الصلاة.
وعلى كل حال الاحتياط في هذه المسألة أن نقول: إنه إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه على أنه إمام لهما، فإن سكت فقد أقرَّهما، وإن رفض وأشار بيده أن لا تصليا خلفي فلا يصليا خلفه، هذا هو الأحوط والأولى.
ثانيًا: هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعية؟ بمعنى: هل يصح أن يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة، أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة؟
ننظر في هذا: أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي فريضة فلا بأس بهذا؛ لأن السنة قد دلت على ذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف بمنى، فوجد رجلين لم يصليا، فقال: ما منعكما أن تصليا في القوم؟ قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا - يحتمل أنهما صليا في رحالهما لظنهما أنهما لا يدركان صلاة الجماعة، أو لغير ذلك من الأسباب - فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة».
«فإنها» أي: الثانية؛ لأن الأولى حصلت بها الفريضة وانتهت وبرئت الذمة. إذًا إذا كان المأموم هو الذي يصلي النافلة والأمام هو الذي يصلي الفريضة فلا باس بذلك، كما دلت عليه هذه السنة.
أما العكس: إذا كان الإمام يصلي النافلة والمأموم يصلي الفريضة، وأقرب مثال لذلك في أيام رمضان، إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون صلاة التراويح، فهل يدخل معهم بنية العشاء أو يصلي الفريضة وحده ثم يصلي التراويح؟
هذا محل خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة؛ لأن الفريضة أعلى، ولا يمكن أن تكون صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام.
يتبع