الموضوع: لكل طفل كتاب
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-02-2020, 12:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,370
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لكل طفل كتاب

لكل طفل كتاب


شريف عبدالمجيد



فمن فوائد القراءة للطفل أنها
:


تزيد من الحصيلة اللغوية: فعندما يقرأ القارئ للطفل موجّهاً أصبعه إلى الكلمات المقروءة فإنّ الطفل يتعلم الكلمات مع كيفية استخدامها في الحياة اليومية.

تنمّي مدارك الطفل وخياله: فمن خلال الاستماع ومتابعة القارئ يتعرف الطفل على عالم لم تكن له دراية كافية به، ومن خلال القراءة يتعرف الطفل على تجارب الآخرين في حلّ المشكلات مما يعطي الطفل مجالاً للتفكير بصورة أوسع، كما أن القراءة للطفل تدربه على مهارة الانتباه؛ فالأطفال الذين يقرؤون أو يُقرأ لهم تكون فترة الانتباه والتركيز لديهم أطول من أقرانهم.

تعزز من ثقة الطفل بنفسه وقدراته، وحب الآخرين له، فبكثرة الاستماع تزداد الحصيلة العلمية واللغوية للطفل، ويعزز شعوره بالحب والأمان من قبل الأم القارئة، ويتعلم بعض المهارات السلوكية والأدائية، وكل ذلك يعمل متضافراً على تعزيز ثقة الطفل بنفسه وقدراته.

تعلم الطفل مهارات الإلقاء والتمثيل: فعندما يقرأ القارئ للطفل بصوت مسموع، فإن هذا يتعلم أن صوت البطل الشرير يختلف عن صوت العصفور المسكين في القصة، ويتعلم بالاستماع أن اختلاف نبرات الصوت معبرة عن الحالات النفسية المختلفة، فيكتسب الطفل من خلال ذلك الكم من التنويعات مهارات تمثيلية تساعده في الإلقاء.

تنمي العلاقة بين القارئ والطفل: فالقراءة ليست مجرد سردٍ لما هو مكتوب في النص، بل إنها تتجاوز ذلك إلى نقل الكلمات إلى الحياة بطريقة شائقة، فعندما تضع الأم الطفل في حضنها وتبدأ القراءة يحسّ الطفل بمتعة القراءة ومتعة الحنان والاقتراب من الأم، وكل ذلك يساهم في تقوية العلاقة بين القارئ (الأم) والطفل، وتأكيد شعور الأخير بالحب والأمان، مرتبطاً بحب العلم والقراءة.

توجه الطفل نحو القراءة بدلاً من التلفاز: فإن ذلك من العادات الحسنة التي يتعلمها الطفل منذ الصغر، لأنّ توجه إلى التلفاز لشغل وقته أو لانشغال الوالدين عنه، سيستمر في قتل وقته بالتلفاز طوال حياته، ولا مجال هنا لذكر أخطار التلفاز وآثاره السلبية على التنشئة.

تعلّم الطفل احترام الكتاب والعلم: فإذا شعر الطفل أن الكتاب له قيمة علمية وفائدة ومتعة، ورأى طريقة معاملة القارئ (الأب أو الأم) واحترامهم للكتاب، فإنه سيتعلم تلقائياً أن الكتاب ليس مجرد أوراق مرصوصة لتوضع على الرّفّ؛ بل يحتوى كنوزاً تنتظر مَنْ يكشف خباياها ويستفيد منها.

وأخيراً فإن القراءة للطفل وتعويده عليها ليست ترفاً أو نشاطاً يُستخدم لقتل الوقت، بل هي وسيلة تربوية لغرس مبادئ وقيم ديننا الحنيف، وتنشئته على حب العلم والكتاب، وهي أساس لتقدم علمي وذهني للطفل يتفوق به على أقرانه، وفرصة ثرية لزيادة حصيلته اللغوية وإخصاب خياله، وفرصة ثرية لتقوية علاقة القارئ (الأم أو المعلم) بالمستمع (الطفل)، والإجابة بصدر رحب عن جميع تساؤلاته التي ستقيه في المستقبل، وتعدّه لمواجهة مشكلات الحياة.

هذا وقد أثبتت الباحثة الأميركية "برنيس كلنيان" أن القراءة تعمل على:
زيادة رحابة عالم الطفل.
تنمي استقلاليته.
تثري خياله.
تؤسس لديه عادة القراءة طوال حياته.
تطور مفرداته اللغوية
تنمي عنده المقدرة على فهم الآخرين.
تزيد من الألفة العاطفية بين أفراد الأسرة.

للتلميذ الجديد معلم قدير:
من المُسَلّم به أنّ للمدرسة دورها في غرس حبّ القراءة وتثقيف وتربية الطفل، وهذا الدور يبدأ مع أوّل التحاق للطفل بالمدرسة ولا يستطيع أحد أن ينكر مثل هذا الدور، غير أنه ينبغي تصحيح اعتقاد البعض أنه بمجرد التحاق الطفل بالمدرسة فقد انتهى دور البيت في التربية والتثقيف، فكل منها يكمل الآخر، فالمدرسة تشارك المنزل في تكوين قارئ ناضج ينهض بمجتمعه ويلاحق التطورات الحديثة.

ولذا فإنّ دور المدرسة جدّ عظيم في تعليم الأطفال القراءة إلى جانب إثارة اهتمامهم وشغفهم بها، ويقرر المشتغلون بالقراءة -علماً وعملاً- أن نواحي الاهتمام التي تُنَمَّى في هذه المرحلة تتحكم إلى حد كبير في ألوان القراءة التي يقوم بها التلميذ بعد ذلك، ولذا ينبغي أن تتخذ من الخطوات ما يكفل وضع أساس سليم يقوم عليه الشغف الدائم بقراءة الكتب والمجلات التي تناسب التلاميذ.

ولتنمية الشغف نحو القراءة تتنوع الأدوار في المدرسة نحو تحقيق هذا الهدف؛ فمنها ما يرتبط بالمنهج المدرسي وشكل الكتاب ومحتوياته، ومنها ما هو مرتبط بالمعلّم، وأيضا المكتبة والنشاط المدرسي، كل ذلك له دوره في تعليم أطفالنا وتثقيفهم، وتنمية الميول والشغف نحو القراءة لديهم.

والحقيقة أنّ لكل عنصر من هذه العناصر دوره المهم في تنمية الميول القرائية لدى التلاميذ، لكننا سنكتفي بذكر العنصر الأساس من هذه العناصر وهو المعلّم، الذي يضطلع بأنبل المهام، حتى قال فيه أمير الشعراء شوقي:
قمْ للمعلم؛ وفِّهِ التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا

أعلمت أنبل أو أجلّ من الذي
يبني وينشئ أنفسا وعقولا؟!


ويتحمل أثقل الأمانات، حتى قال "جان جاك روسو": (إنني أشعر كثيرا بعظم واجبات المربيّ، ولن أجسر يوما على تحمل مسؤولية كمسؤوليته !)[14].

وبعد: فإنّ المعلم هو الموجّه الأول والأساس في تنمية قدرات ومواهب تلاميذه، ونظرا لثقل الأمانة الذي يضطلع بها، فإني أذكّر البعض من أولئك المربّين الذين يرمي إليهم الآباء والأمهات بفلذات أكبادهم، بأنه على الرغم مما يبدو لنا عندما نتحدث عن النشاط المدرسي والتعليمي من أنّ فعل القراءة هو نشاط محسومة ممارسته سلفا، بمعنى أنّ أبناءنا يُقبِلون على القراءة بكل تلقائية وعفوية، فإنّ العكس هو الصحيح، حيث نلاحظ أن أبناء المدارس يبدون نفورا من الكتب ومن القراءة، ويحاولون جهد الإمكان الابتعاد عن هذا النشاط التثقيفي الأساسي والجوهري.

إن القراءة التي نتحدث عنها هنا هي القراءة بمعناها الواسع الذي لا يقتصر على المقررات والمناهج، بل يتعدى ذلك إلى استهلاك كل أنواع المقروء المفيد في تكوين أطفالنا.

وعليه فإن القراءة-في الحقيقة- هي ولعٌ فعّالٌ ونشاط مثابرٌ وموهبة ساميةٌ، وهي كذلك مهارة تجعل الطفل القارئ يعمل على إدراك محتوى نص مكتوب، بناء على عمليتي الفهم والتأويل.

وبعدما يتعلم الطفل القراءة، يستوعب العملية تماما، لدرجة أن الكلمات- في الكتب - تبدو وكأنها اكتسبت وجودا يماثل -تقريبا-الأشياء أو الأفعال التي تمثلها أو ترمز إليها؛ ولذلك نجد المفكر والمربي السويسري "جان بياجيه" يتحدث عن مرحلة من حياة الطفل تسمى: (مرحلة الواقعية الاسمية)حيث يعتقد -خلالها-بأنه يستطيع امتلاك الأشياء عندما يصل إلى تعلم الكلمات والعلامات الدالـّة عليها.

ويظهر جليًّا أنه عندما نعوّد الأطفال القراءة فإننا نكون قد جعلناهم يحققون ألفة وحميمية تدفعهم إلى تصور امتلاك كل ما هم بصدد قراءته.

والأمر الذي يجب التأكيد عليه هو أنّ الطفل عندما يتعود القراءة فإنه سوف يكون مساعدا لنا ولنفسه على تيسير عملية تربيته، لأنّ التربية في عمقها هي مجموع المعارف والمعلومات والإرشادات المكتسبة.

ولن يتأتى للقراءة أن تكون ذات أثر ايجابي وفعّال إلا إذا كانت قراءة واعية، والوعي -هنا- ينصرف مباشرة إلى الإدراك، بمعنى أن يتبلّغَ الطفلُ- بتوجيه من الأسرة والمدرسة والمجتمع - بأنّ فعل القراءة يدعو بإلحاح إلى التغيير والتطوير، وعليه أن يقيم علاقة تفاعلية بينه وبين النص المقروء، حتى يصبح منتجا للنص-من جديد- من خلال تبنّي معطياته وأطروحاته.

وهنا تكمن أهمية توجيه المعلم المربي للطفل في أنشطة القراءة التي يمارسها -هذا الأخير- حتى تكون النصوص المقروءة منسجمة مع سنّ الأطفال ومداركهم وقدراتهم العقلية وطاقاتهم المعرفية.

ومن الطبيعي أن يؤكد الدارسون- فيما يشبه الإجماع- أنه على كلّ ما يتصّدى لهذه الرسالة النبيلة أن يسأل نفسه:
هل لديه الاستعداد والتضحية والإخلاص لتحمل هذه الأمانة؟
هل يشعر بميلٍ نحو الطفولة وحبٍّ أكيدٍ لها دون النظر لأية اعتبارات أخرى؟

وبالإضافة إلى هذا فإن المعلم الذي يدرك المعاني السالفة الذكر لابد له -حتى يُكتَبَ لعمله النجاح- من دعامتين هما:
أ) الموهبة الطبيعية.
ب) مكتسبات الإطلاع والمران [15]
فأما الموهبة الطبيعية فَتُلتمَسُ في أمور شتّى؛ كالعودة الاختيارية والإرادية إلى الطفولة، والقدرة الهائلة على التبسيط والتوضيح والتوصيل، بالإضافة إلى قوة الشخصية، التي نقصد بها براعة المعلم في استهواء الطفل القارئ وامتلاكه لانتباهه واستدراجه كي يقبل عليه[16].

وأما مكتسبات الإطلاع والمران فهي الإطلاع الدائم على المادة الصادرة في باب الأطفال سواء كانت كتبا مدرسية أو قصصّا هادفة أو أناشيد تربوية أو مسرحّا موجّها للأطفال، حتى يكون إلمامه واسعا ومتجدّدّا ومّتفتّحا، وحتى يتهيأ له النجاح في رسالته النبيلة.

فبدلا عن اعتماد أسلوب التلقين المملّ-الذي سقط فيه أغلب المعلمين-والذي يصرف الطفل عن متابعة القراءة، على المعلم اختيار الطريقة المناسبة لتقديم الكتب للأطفال، كأن يشير في دروسه–بطريقة غير مباشرة- إلى الكتب ويتكلم عنها وعن شخصياتها، ويقتطف مقاطعاً منها ويقرأها على تلاميذه، حتى يستلب إعجابهم، وليترك بعضاً من نسخ الكتاب بأيديهم حتى يتمكنوا من إكمالها بأنفسهم، ثم يشيرُ إلى أن نسخاً من هذا الكتاب أو هذه القصة هما في متناول اليد وتحت الطلب للاستعارة من مكتبة المدرسة.‏

كما أنه لا مانع أن يُخصّص المعلم الدقائق الأولى من حصَّة القراءة ليقرأَ لطلاَّبه شيئًا جديدًا، أو ليستمع منهم أجملَ ما قرؤوا خلال الأسبوع الماضي، فلقدْ أثبتتِ البُحوث والدِّراسات أنَّ الصَّفَّ الذي يلزم المعلم فيه القراءة الجهريَّة يُظهِرُ حبًّا أكثر للقراءة، وتتحسَّن مهارة القراءة لديه.

ولا بأس من أن ينظّم لطلابه جلسات للحوار فقد ذكرتْ بعضُ الدِّراسات أنَّ الإنسان لا يتذكَّر بعد شهرٍ سوى 13% من المعلومات التي حصل عليْها عن طريق السمع، في حين أنه يتذكَّر بعد شهر 70% من المعلومات التي حصل عليْها عن طريق البصر، أمَّا المعلومات التي حصل عليها عن طريق الحوار والنِّقاش والمشاركة فإنَّه يتذكَّر بعد شهر 95% منها.

وإذا أردنا أن نضرب مثلا، لمن يريد أن يتعرَّف على الطُّرُق السَّليمة للقِراءة القصصيّة، الموجّهة للأطفال، فليحرص أنْ:
يبدأ الكتاب أو القصَّة بِحوارٍ مع الأطفال، وأن يجعلْهم يستنبطون المعلوماتِ المختلفة.

يحاول إحضار أية أدوات أو أشياء ذُكرت في القصّة؛ من أجل ربْط القصَّة بالواقع.

ينفعل بحوادث القصّة، ويتقمَّص الشخصية عند الإلقاء، فعلى سبيل المثال: تغيُّرات الوجه ونبرات الصوت يجعلها تعبِّر عن مواقف الفرح والحزن، وكذلك أحداث القوَّة والشجاعة والتعاون تظهرها إشارات اليد.

يستخدم عند تقديم القصّة للأطفال لغة مناسبة، لا هي بالعربية الفصحى التي لا يستطيع فهمَها، ولا هي بالمبتذلة الدارجة، فلُغتنا العربية يسْرٌ لا عسرٌ، وبها الكثير من الألفاظ السهلة التي يُمكن أن يُعبَّر بها.

لا يقدِّم الهدف أو الموعظة من القصَّة بصورة مباشرة؛ بل يكمل سرد القصَّة، ثم يناقشهم ويستخرج معهم ما ينفعهم من القيم.

ينوِّع في أسلوب القراءة وان يجعلها نوعًا من المتعة، ويتعمَّد لفظ بعض الكلمات بطريقة خاطِئة حتى يصوِّبه الأطفال، ويستعمل أصواتًا مختلفة، ويجعل وقت القراءة وقت مرح وفرح وسعادة.

يكون الهدف الأخير جعل الأطفال يقرؤون بأنفسهم[17].

ولعل ارتفاع أسعار الكتب المناسبة أن يقف عائقا دون تمكن البعض من شرائها، وهكذا يُحرَم الأطفال من اقتنائها، وهذا أمر خطير يجب تداركه.

وهنا يأتي دور المعلم، فيأخذ الأطفال إلى قاعة مكتبة المدرسة ويعطيهم كتاباً ذا مظهر جذاب، فالإحصائيات تقول إنّ معظم الأطفال يختارون الكتب الجذابة، فعلى المعلم أن يستفيد من هذه النقطة، بأن يعطيهم-مثلا- كتاباً فيه قصص عن الحيوانات مليئة بالصور الملونة، وبعد أن يختار الطفل الكتاب الجذاب، يجب على المدرسة أن توفر له المكان الجذاب أيضاً، فالمكتبة كما يقول تقرير "كارنيجي" أعظم من مجرد مجموعة من الكتب، فيجب أن يتوفر في المكتبة الهدوء والسعة والأفراد والجمال، والمكتبة المدرسية يجب أن يكون جوّها منزلياً مريحا، وأن تكون معدّة خير إعداد.

التوظيف الإيجابي للرّسم:
بغضّ النظر عن المحتوى الكتاب المقدّم للطفل، والذي يجبُ أن يتوفّر على الكلمة الحلوة الجذّابة والأسلوب الواضح المؤثّر، بما يؤدّي إلى تهذيب الأخلاق وتقويم السّلوك، وإذاعة الآداب الراقية، ونشر الحكم الصالحة؛ فإنّه من الواجب على القادرين على التمام[18] أن يحسنوا الاستفادة من كل ما من شأنه أن يشكّل إضافةً للكتاب على العموم، وللقصة على الخصوص، وإسهاما في إقبال الطفل على قراءة هذه القصة بشغف ومحبة.

ولعل التفعيل الإيجابي لرسومات كتب وقصص الأطفال، بما تضفيه من مسحة جمالية -مع كل ما يلحقها- من الأهمية التي لا تقل عن أهمية النص.

ولتوضيح ذلك نعرض لجملة من النقاط المفيدة:
أهمية الرؤية عند الطفل: يقرّر علم النفس أنّ حاسّة البصر عند الطفل تأخذ تدريجيّا في النموّ والتطوّر تبعا لتطوّر الطفل ونموّه حتى تصبح الحاسّة الأولى التي يعتمد عليها في اكتسابه للمعرفة والخبرات، والرباط الذي يربط الطفل وعالمه الداخلي بالعالم الخارجي.

فالعين هي نافذته على الحياة الخارجيّة ذات المنطق الخاصّ، وهي أيضا نافذة هذا الخارج إلى بصيرة الطفل وعالمه الدّاخلي من العواطف والأحاسيس.

والرّسم فنّ بصريّ يخاطب العين عندما يحوّل الصّورة الواقعيّة المشدودة بمنطق الواقع إلى صورة بصريّة يكتسب وجودها من منطق آخر؛ هو منطق الخطوط والألوان والعواطف، النابع من الإحساس بالجمال واكتشافه ثمّ الاستمتاع به، والتعبير عنه.

والطفل عندما يستجيب لهذه الصورة البصريّة التعبيريّة فإنه يستجيب لتلك الحقائق التعبيريّة التي تقترب من منطق خياله الجامح وعواطفه المتدفقة.

كما يقرّر علم النفس أنه في مرحلة ما قبل المدرسة يتشكل ما يمثل 50% من التنمية الذهنية للطفل، لذلك فمن أهم خصائص الطفل في هذه السنّ حبّه للاستطلاع والمعرفة، وكثرة أسئلته عن كلّ ما يحيط به؛ بما يستوجب الاهتمام بكل ما يُقدَّم له من معارف ومفاهيم، من خلال وسائل الاتصال المختلفة حتى تثير اهتما ته وتجيب عن تساؤلاته، وتشبع نهم الاستطلاع لديه.

ومن هنا يمكن القول أنّ أطفال هذه المرحلة ليسوا أقل حاجة إلى الكتب الجيدة من أطفال بقية المراحل؛ ولعل أهم السمات البارزة في الكتب التي تتجه إلى هؤلاء الأطفال، الاعتماد على الرّسم والتصوير والألوان والطباعة الفاخرة التي تستهوي الصغار، فضلا على أنه يتفق مع خصائص الأطفال الذين لا يستطيعون عادة القراءة في هذه المرحلة من العمر، مما يجعل التعبير بالصور أحد البدائل الأساسية في هذا المجال؛ ولعلنا لا نبالغ عندما نقول أن تأثير الصورة قد يتجاوز تأثير الكلمة في هذه المرحلة.

فعندما يقول طفل الثالثة "أنه يقرأ"، فمعنى ذلك "أنه يتأمل صورة في كتاب"، ويعتبر عملية التطلع إلى الصورة قراءة، عندما يردد أسماء الأشياء المرسومة؛ وما ذلك إلاّ لأن حصيلته اللغوية لا تمكنه من قراءة الموضوعات التي تقدمها إليه الكلمات، في حين ينتقل المعنى-بشكل أيسر-من خلال الصور والرسوم.

وخلال هذه السنّ يميل الأطفال إلى الرسوم المبسّطة في الشكل واللون والفكرة، ويستمتعون بمشاهدة صور واضحة لأشياء يألفونها؛ تكثر فيها الحركة وتوحي بالحياة.

وابتداء من سن الرابعة تصدر عن الطفل تعليقات تنمّ عن المشاركة الوجدانية لما في هذه الصور من معنى، كما يتخذ من الصور أصدقاء يستمدّهم من الشخصيات المرسومة في الكتب التي قد لا تتضمن أية كلمات أو قد تحتوي النَزْرَ منها.

وعندما يبلغ الطفل سنّ المدرسة تأخذ الكلمات القليلة المكتوبة -بحروف كبيرة- حيّزًا صغيرا بجانب الصور، يقرأها الكبير للصغير، أو يتعلم الصغير قراءتها على شكل رسوم وصور تساعده على قراءة النصوص المطبوعة وفهمها، وذلك لأن الطفل عند تعامله مع الكتاب في سنواته الأولى من عمره يعتمد على الاتصال البصري بالدرجة الأولى.

الاستعداد الفنّي لدى الطفل: يضاف إلى ذلك، ملكة التعبير الفني لدى الطفل، والتعبير الفنّي سلوك فطريّ ولغة "تعبيريّة"رمزية يعّبر بها الطفل عن نفسه ليشبع رغباته وحاجاته، وكلّنا يعرف أن التعبير يسبق تعلّم اللّغة والكتابة.

فإذا كان الرّاشد يستخدم لغة الكلام-كلغة أولى-يستطيع التعبير من خلالها؛ فإنّ الطفل لا يستطيع أن يطوّع الكلمات وفق مقصده، وما يكتنفه من أحاسيس ومشاعر ورغبات؛ ومن ثَمَّ كان من الواجب البحث عن مدخل آخر لإقامة الحوار وتحقيق التواصل مع الطفل من خلال لغة بديلة يفصح من خلالها الطفل عن مكنوناته ألا وهي لغة الرسم.

فالطفل له نفسية تفوق نفسية الراشد في الحساسية والشعور، ويعبر عنها بشكل إرادي أو لا إرادي، وأهم وسيلة يعبر بها عن شعوره هي الرّسم.

ولا ريب أنّ الطفل حين يرسم إنما يعيد صياغة الأشياء وفقا لأحاسيسه ورؤاه، فيقوم-هذا الفنان الصغير-بتشكيل عوالمه الخاصة التي يراها بشكل مغاير لرؤية الراشدين، ويحاول بناء الأشكال وفقا لمقتضى تصوّره وخياله المتّقد الذي يتجاوز حدود خيال الكبار.

وهنا لا بد لنا من وقفة مع الأستاذ " تشيزك" الذي ولد في إحدى مدن النمسا سنة 1865 م، والتحق بـ"كليّة الفنون الجميلة "بفيينا.

لقد أتاح هذا الرّجل الفرصة للأطفال ليعبّروا عن أنفسهم بانطلاق وحريّة، حينما نادى باحترام تعبير الأطفال برسومهم.

ومن أقواله المشهورة: (أنا أرفع الغطاء عن فنّ الطفل).

كما قال: (إنّ للأطفال قوانينهم الخاصّة في رسومهم)[19]، وترك الحريّة للأطفال ليحقّقوا المعاني التي يريدون في رسومهم.

وبالفعل فقد اهتم الكثير من الدارسين بأعماله، وألقت هذه التجارب-التلقائيّة -للأطفال الأضواء للباحثين والفنانين حتى يستخرجوا أبعادا جديرة بالمراقبة والدراسة والبحث وراء الرمز الذي يرسمه الطفل.

وهكذا أصبحت رسومات الأطفال في العصر الحالي تلاقي اهتماما متزايدا من قبل المربين والفنانين فحين يتاح للطفل أن يرسم، فهو يعيد صياغة الأشياء وتشكيل عوالمه الخاصة التي يراها بشكل مغاير لرؤية الراشدين، ويحاول بناء الأشكال وفقا لمقتضى تصوره وخياله المتقد الذي يتجاوز حدود خيال الكبار.

كما أولت عديد المؤسسات التربوية في العالم الغربي أهمية خاصة للرسم، بل وأوجدت مؤسسات متخصصة في هذا المجال؛ مثل " المؤسسة العالمية لفن الطفل"، ومدرسة" تشارلوت ماسون" لتقييم الفن.

و لا ريب أن مثل هذه المؤسسات تتيح للأطفال فرصة المحاولة ومتعة التجريب، كي يكتشفوا هذا العالم المفعم بالإغراء والمترع بالنشوة والمليء بالغرائبية والدهشة.

هذا وقد رأى الباحثون أن ملامسة حياة الأطفال، والعناية بتوجهاتهم الإبداعية-الفنية لا تعزز نموهم الإبداعي وحسب؛ ولكنها -أيضا- تدفع بنموهم العاطفي والذهني والشخصي إلى الأمام.

وقد وصل الأمر يبعضهم إلى القول: (إن العلوم نفسها -رغم ما لها من أهمية- لا يمكن أن تقود إلى النفع إلا إذا تحولت إلى فنون، أي إلى تطبيق نتائج العلوم بأساليب فنية).

ونظرا لما في هذا الكلام من الصحة، فقد دأب العديد من فنّاني العصر الحديث على تذوّق فنون الأطفال لجمالها وصدق تعبيرها، فضلا عن الاهتمام بها واستغلال بعض ممّيزاتها.

وإن رأى بعض الناس أنّ الفنان الحديث والمعاصر نزل بمستواه الفني حينما قام بتقليد مفردات فنون الأطفال، فإنّ الحقيقة غير ذلك، إذ أن الفنان المعاصر لم يقلد تلك المعاني بقدر ما استوحى منها صدقها وطلاوة تبسيطها، وعمق تكوينها بعد أن أضاف إليها من ثقافته الفنية وخبرته ومهارته إيمانا منه بالتلقائية الصادقة في فنون الأطفال.

أما إذا تم تجاهل الإبداع الفني-أو كبته-في مرحلة الطفولة، فسوف نفقد فرصة فريدة لن تتكرر؛ ولسوء الحظ فإنّه في حدود السنة السابعة أو الثامنة -والتي تعتبر سنوات ساحرة في عمر الطفل- يفقد أغلب الأطفال مهاراتهم الفنية؛ وتصبح رسوماتهم واقعية، تفتقد التلقائية والخيال والإبداع.

وغالبا ما يحدث ذلك بسبب التغيرات الجوهرية التي تطرأ على أهداف الطفل وتوجهاته؛ إذ تعود اللغة المنطوقة-الكلمات-لتأخذ مكانها عند الأطفال كوسيلة للتعبير عن الذات، ولإنتاج ما يرونه وما يلاحظونه، وتأخذ الكثير من الحالات الإبداع في الانحدار والاضمحلال.

الإخراج الفني للغلاف: إنّ الإخراج الفني للقصص وجمال الغلاف هما أوّل ما يجذب الطفل إلى الكتاب، بل إنها على حدّ تعبير الفنّان المصري "حسين بيكار": (العامل المشهدي الأول الذي يغريه على اقتنائه وفضّ صفحاته وتقبّل مضامينه).

وهما من جهة ثانية عامل هام في تنمية التذوّق الفني لدى الطفل، فهو يطّلع عن طريق الرؤية البصرية وحدها على المذاهب الفنية فترسخ مزاياها في أعماقه بشكل غير مباشر.

لذلك فمن السمات البارزة لكتب الأطفال-في البلاد الأوروبية-الاعتماد على الرسم والتصوير والطباعة الفاخرة؛ ممّا يساعد على شدّ الانتباه؛ وتحقيق عنصريْ التشويق والجاذبية الذين يؤديان بدورهما إلى تحقيق تنمية القراءة والرغبة فيها.

فعلى سبيل المثال نجد كتبا تظهر فيها صور بارزة أو مجسمة عند فتح الصفحات المختلفة، وكثيرا ما تكون هذه الصور معدّة بحيث يستطيع الطفل أن يحرك أجزاء معينة منها بطريقة معبرة؛ مثل ما يحدث عندما يشد الطفل جزءا من الصور فيقفز القط من الكرسي أو يطير العصفور من الشجرة أو يهبط الدب على السلم، إلى غير ذلك من الأساليب المدروسة التي يتفنن في إخراجها ناشرو الكتب الأطفال الحديثة في الدول المتقدمة؛ في الوقت الذي تشير الإحصائيات أن ما نسبته 30% من رسوم وصور الأطفال عندنا لا تعبر عن الاحتياجات الفعلية لأطفالنا، لأسباب عدة لعل أهمها:
عدم توفر خاصية الوضوح والبساطة في اغلب رسوم الأطفال.
عدم ملائمة الصور والرسوم المقدمة في كتب الأطفال للبيئة العربية وللمجتمع العربي.
عدم مواكبة الرسوم والصور في أغلب كتب الأطفال للتقنيات الحديثة وللثورة التكنولوجية التي سايرت كتب الأطفال في الدول المتقدمة والتي أصبحت تتعامل مع حواس الطفل الخمس جميعا.
افتقار بعض الرسوم إلى الألوان، لدرجة أن بعضها يقدّم-إلى غاية يومنا هذا- رسوما باللونين الأبيض والأسود، وهو ما لا يتناسب مع أبسط رغبات الطفل في هذه المرحلة العمرية.

وبالفعل فإنّ أغلفة قصص الأطفال عندنا ما زالت متخّلفة، ذلك أنّ رسّامينا لم يعترفوا – في عمومهم – بعدُ بالفكرة القائلة أنّ الغلاف هو لوحة فنيّة، يحتاج كأية لوحة إلى جهد ووقت وإبداع، بل لعلّه أسرع انتشارا من اللوحات نفسها وأكثر فائدة منها لجمهور الأطفال.

والأمر نفسه ينطبق على الرسوم أو اللوحات الداخلية، التي تقوم بمهّمة مساعدة الطفل على القراءة، لأنها تلخّص زمرا عريضة من المعاني عن طريق الخطوط والألوان، ولهذا ينبغي وضعها إلى جانب الرموز الكتابية وإلاّ فقدت تأثيرها في الطفل.

كما ينبغي الالتفات إليها بمزيد من العناية الفنّية، لأنّ لها دورّا كبيرّا في تكوين الطفل وتثقيفه، فهي مدخل رحب لإدخال المعلومات إلى وعاء عقله المتفتح، وعامل من عوامل كشف شخصيته وبلورة ملكاته.

وتزداد أهمية الرسوم الداخلية والغلاف الخارجي في قصص الأطفال في المرحلة الأولى حتى ليطغى التعبير بالرسم على التعبير بالكلمات طغيانا واسعا؛ بحيث تغدو اللوحة أو الرسم العامل الأهم في فهم القصّة، إضافة إلى مهمتها الأخرى المتعلقة بتربية الذوق الفني للطفل.

يضاف إلى ذلك أن جودة الغلاف تساعد الطفل على الاحتفاظ بالقصة سليمة قبل قراءتها وبعدها وفي أثناءها، وهو أمر هام إذا أردنا تدريب الأطفال على إنشاء مكتباتهم الخاصة المستقلة عن مكتبات الكبار وبالتالي غرس قيمة الكتاب في أنفسهم وتعويدهم على تبادله وإهداءه في المناسبات ولم لا شراءه من مصروفهم الخاصّ.

الوظيفة الاجتماعية للرسم: بقيت نقطة أخيرة لا تقلّ أهمية عما سبق ذكره، وهي: هل تعكس الرسوم التي يشاهدها قارئنا العربي الصغير واقعه الاجتماعي وبيئته؛ من حيث الشخوص والملامح والملابس والعمارة وأدوات الحياة والطبيعة المحيطة به؟

هذا السؤال بالغ الأهمية وبالإجابة عليه نرجع قليلا إلى الوراء فنلاحظ أنّ القصص التي قرأناها في طفولتنا –وإلى وقت قريب- قلما كانت تحدّثّنا عن أنفسنا، وفيما كنّا نقرأه من القصص المكتوبة بالانجليزية أو بالفرنسية أو المترجمة، كانت توجد رسوم جميلة للغاية، تصف أطفالا صغارا شقرا، متنقلين في مدن لم يسبق لنا أن رأيناها قطّ، لها نمط حياة يختلف عمّا ألفناه؛ كنّا نعيش بين أشياء، وكانت القصص تصوّر لنا أشياء أخرى، كنّا نشعر بدمامتنا أمام تلك الشقرة، وكانت الطبيعة حوالينا تبدو جامدة، لأنّه لم يذكر منها أيّ شيء قطّ لا في النص ولا في الرسم.

وحتى الكتب المترجمة إلى العربية ظلّت محتفظة برسومها الأصلية، فكان النصّ قابلا للقراءة إلاّ أنّ الرسوم كانت تتحدّث عن عالم آخر وأطفال آخرين.

وعندما ظهرت بعض القصص بالعربية، كانت أجسام الأطفال سمجة وكانت هيئاتهم جامدة ووجوههم خالية من التعبير؛ كانوا راشدينَ صغارًا، يبعثّون على الضجر، وكانوا يتحرّكون بسبب عجز من الرسام داخل إطار يقتصر على الضروري، وليس فيه إلاّ القليل من المعالم بحيث كان ينبعث انطباع عامّ بضرب من الجفاف والجدب وضيق الأفق.

وإذن فقد كنا ممزقين بين عالم غريب يصفه النصّ وتصفه الصورة، عالم له حظّ وافر من الجمال، وعالمنا – نحن – الذي خانته رسوم سخيفة، وأحيانا خانه نصّ يفتقر إلى الخيال.

أمّا الآن، فثّمة جهودٌ تبذل لخلق كتب وقصص عربية، مرسومة على نحو أفضل، وزاهية الألوان، إلاّ أنها في بعض الأحيان تفتقر إلى مراجع تحيل إلى المجتمع الحالي - أي إلى الحداثة - فتسقط في (الفلكلور)، ولئن كان الأطفال يعرفون أكثر من ذي قبل ما ينطوي عليه ماضيهم من غنى وثراء، فقلّة من القصص تحدّثهم عن حاضرهم؛ وهذا ما يدفع إلى تشجيع الأطفال على تنمية ملكة الخلق والإبداع الكامنة فيهم، وأن يحبوا بلدهم ومناظره الطبيعية وأناسه، مهما يكن الوسط الذي ينتمون إليه، وأن نصوّر لهم حياتهم اليوميّة في مدينتهم أو في قريتهم، وحينذاك نتوصل إلى أساليب وأشكال فنية، يجد الطفل نفسه فيها، لما لها من علاقة سليمة بوجدانه ومزاجه ومحيطه؛ وعندها لن تخيفنا الكتب المترجمة، ولن تصيبنا بالفصام أو بازدواج الشخصيّة، لأنها ستكون انفتاحا على العالم واكتشافا لأطفال آخرين ولبلدان أخرى.





يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.46%)]