عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-02-2020, 05:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,474
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التعايش بين أئمة المذاهب الفقهية الإمام الشافعي نموذجًا

التعايش بين أئمة المذاهب الفقهية
الإمام الشافعي نموذجًا

د. حسن سهيل الجميلي

الأسس والمعايير التي انتهجها الشافعي في التعايش:



انتهج الشافعي بعض الأسس والمعايير في تعاملاته مع أصحاب المذاهب الأخرى، وهي بدورها أدت إلى تعايش ملحوظ بينه وبينهم، ووفاق ظاهر للعيان. ولو تبعه الأتباع لما وجدنا الأقوال والإفتآت المتناثرة هنا وهناك المليئة بالتعصب البغيض الذي فرق الأمة وكان كفيلا بضعفها وتفرقها، وفيما يأتي الأسس والمعايير التي سار عليها الشافعي في تعاملاته مع العلماء الآخرين.







أولاً: الإنصاف مع الآخرين:



لقد أمرنا الله بالإنصاف مع الآخرين ولو كانوا أعداءً. أما إن كانوا مسلمين فمن باب أولى قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [المائدة: 8]







(قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبكم أو صاحبنا يعني أبا حنيفة ومالكا رضي الله عنهما، قال: قلت على الأنصاف قال: نعم قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم قلت: فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم قال الشافعي رضي الله عنه فلم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء تقيس)[22].







وقال الشافعي رحمه الله تعالى: (الليث افقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به )[23].







ثانياً: الاحتكام إلى الأصل وترك القول والرجوع عنه عند مخالفته الأصل:



قال الطبراني: (سمعت عبدالله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: يا أبا عبدالله إذا صح الحديث عندكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرونا نرجع إليه)[24].








كان الشافعى يقول: (إذا قلت قولا وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه فقولي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم[25].







ثالثاً: الحق هو الغاية:



قال الشافعى: (ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ)[26].







وهذا من أعظم ما تميز به الشافعي رحمه الله، فلم يكن غايته إلاّ الحقّ، ومن أيّ جهة صدر الحق فلا ضير عنده، المهم هو إحقاق الحق فجزاه الله عن الأمة وعن الدارسين خيرا.







رابعاً: قولك خطأ يحتمل الصواب وقولي صواب يحتمل الخطأ:



ذكر ابن حجر الهيتمي ما حاصله (ذَكَرَ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ الْحَنَفِيُّ في الْمُصَفَّى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا إذَا سُئِلْنَا عن مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ مُخَالِفِنَا في الْفُرُوعِ أَنْ نُجِيبَ بِأَنَّ مَذْهَبَنَا صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَمَذْهَبَ مُخَالِفِنَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ أَيْ بِنَاءً على أَنَّ الْمُصِيبَ في الْفُرُوعِ وَاحِدٌ وَغَيْرُهُ مُخْطِئٌ مَأْجُورٌ فَهَلْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمِثْلِ ذلك وَهَلْ مَنْعُهُمْ الِاقْتِدَاءَ بِالْمُخَالِفِ حَيْثُ ارْتَكَبَ مُبْطِلًا مُقْتَضٍ لِذَلِكَ وَهَلْ يَسُوغُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ مُخَالِفِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُفْتِيَ الْحَنَفِيُّ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ في مَالِ مُوَلِّيهِ أو ليس له ذلك بَلْ وَلَا بِالْوَجْهِ الضَّعِيفِ الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَيُقَالُ إنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ لِلْمُسْتَفْتِي الْمُخَالِفِ بِنَحْوِ ذلك إنَّمَا هو من الرِّوَايَةِ وَحِكَايَةِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ لَا الْإِفْتَاءِ الْمُتَوَقِّفِ على الِاعْتِقَادِ تَفَضَّلُوا بِبَيَانِ ذلك وَبَسْطِ الْكَلَامِ وَنَقْلِ ما لهم فيه تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا فإن الْمَقَامَ قد يَخْفَى على كَثِيرٍ حتى تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِخَطَإِ الْمُخَالِفِ وَاعْتِقَادَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ مُنَافٍ لِكَوْنِهِ على هُدًى من رَبِّهِ عز وجل.







فَأَجَابَ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ نعم صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمَا يُفْهِمُ ذلك لَا بِقَيْدِ الْوُجُوبِ الذي ذَكَرَهُ فَفِي الْعِدَّةِ لِابْنِ الصَّبَّاغِ كان أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وأبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يَقُولَانِ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُصِيبٌ وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذلك.







وإذا كان الْمُجْتَهِدَ لَا يَعْلَمُ الْإِصَابَةَ وَإِنَّمَا يَظُنُّهَا فَمُقَلِّدُهُ أَوْلَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّنَّ يُقَابِلُهُ الْوَهْمُ وهو احْتِمَالُ الخطأ فَنَتَجَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَظُنُّ إصَابَتَهُ وَيَجُوزُ خَطَؤُهُ وَأَنَّ مُقَلِّدَهُ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ ما ذُكِرَ عن النَّسَفِيِّ )[27].







خامساً: الإخلاص وصدق النية:



ومن أروع الأمثلة على صدق نيته وإخلاصه ما نقلوا من مقالة الشافعي لأحمد يوما فقالوا: (وقال الشافعي لإمامنا أحمد يوما: أنتم أعلم بالحديث والرجال فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني إن شاء يكون كوفيا أو شاء شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا، وهذا من دين الشافعي حيث سلم هذا العلم لأهله) [28] فلا مجال للهوى والنفس بل الإتباع للرسول صلى الله عليه وسلم وسنته الغراء.







احترام آراء الآخر ومراعاتها:



وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِك مُرَاعَاةُ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه وَأَصْحَابِهِ خِلَافَ الْخُصُومِ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَذَلِكَ تَصْرِيحٌ منهم بِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَظُنُّونَ إصَابَةَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إمَامُهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْطَعُونَ بِخَطَإِ مُخَالِفِيهِ وَإِلَّا لم يُرَاعُوا خِلَافَهُمْ فلما رَاعَوْهُ عُلِمَ أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ إصَابَتَهُ الْحَقَّ وَإِنْ كان الْأَغْلَبُ على ظَنِّهِمْ أَنَّ الْحَقَّ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ إمَامُهُمْ وما أَحْسَنَ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ قد رَاعَى الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه وَأَصْحَابُهُ خِلَافَ الْخَصْمِ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَهَذَا إنَّمَا يَتَمَشَّى على الْقَوْلِ بِأَنَّ مُدَّعِيَ الْإِصَابَةِ لَا يَقْطَعُ بِخَطَإِ مُخَالِفِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمَّا كان يُجَوِّزُ خِلَافَ ما غَلَبَ على ظَنِّهِ وَنَظَرَ في مُتَمَسَّكِ خَصْمِهِ فَرَأَى له مَوْقِعًا رَاعَاهُ على وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ وَأَكْثَرُهُ من بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ وَهَذَا من دَقِيقِ النَّظَرِ وَالْأَخْذِ بِالْحَزْمِ[29].







ومن الأمثلة الرائعة التي رسمها الشافعي لطلبة العلم، تركه للقنوت في صلاة الفجر عند زيارته لمسجد أبي حنيفة النعمان وهو يرى وجوبه، فلما سئل عن ذلك فأجاب تركته احتراما لصاحب هذا القبر.







الخاتمة:



بعد حمد الله والثناء عليه، والانتهاء من البحث والكتابة نوجز ما توصلنا اليه من البحث.







1- الأمة تنهض بين الأمم إذا كان علمائها على وفاق بينهم.







2- يتواصل النهوض اذا سار الأتباع على طريق أسلافهم من غير تبديل أو تحريف.







3- الإمام الشافعي هو واحد من العلماء المخلصين الذين قدموا أمر دينهم على أمر أهوائهم.








4- معايير وأسس يجب أن نتبعها لكي نحقق التعايش فيما بيننا أخرجها البحث من حياة الشافعي.








5- إحترام رأي الآخر دليل على النضوج الفكري لدى الشخص.







وأخيرا نحمد الله على تمام النعم وعلى بقائها.







فهرست المصادر والمراجع



1- الأم، تأليف: محمد بن إدريس الشافعي أبو عبدالله، دار المعرفة - بيروت - 1393، الطبعة: الثانية.




2- الجواهر المضية في طبقات الحنفية، تأليف: عبدالقادر بن أبي الوفاء محمد بن أبي الوفاء القرشي أبو محمد، أمير محمد كتب خانه - كراتشي.





3- ديوان الإمام الشافعي.





4- شرح فتح القدير، تأليف: كمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي، دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية.





5- طبقات الحنابلة، تأليف: محمد بن أبي يعلى أبو الحسين، دار المعرفة - بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي.





6- طبقات الشافعية الكبرى، تأليف: تاج الدين بن علي بن عبدالكافي السبكي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع - 1413 هـ، الطبعة: ط2، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي د.عبد الفتاح محمد الحلو.





7- طبقات الفقهاء، تأليف: إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق، دار القلم - بيروت، تحقيق: خليل.





8- الفتاوى الفقهية الكبرى، تأليف: ابن حجر الهيتمي، دار الفكر بيروت.





9- لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري(ت711ه)، دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى.





10- المجموع، تأليف: النووي، دار الفكر - بيروت - 1997م.





11- المعجم الوسيط، تأليف: إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبدالقادر / محمد النجار، دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية.







[1] المعجم الوسيط، تأليف: إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبدالقادر / محمد النجار، دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية 2/ 639 وينظر: لسان العرب، تأليف: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى 6/ 321.

[2] طبقات الفقهاء، تأليف: إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق، تحقيق: خليل الميس، دار القلم - بيروت، 1/ 187.

[3] وهي من مدن فلسطين اليوم.

[4] طبقات الفقهاء 1/ 187.

[5] طبقات الفقهاء 1/ 187

[6] ديوان الإمام الشافعي ص101.

[7] ينظر: طبقات الفقهاء 1/ 188.

[8] الأم، تأليف: محمد بن إدريس الشافعي أبو عبدالله، دار المعرفة - بيروت - 1393، الطبعة: الثانية 6/ 226.

[9] المجموع، تأليف: النووي، دار الفكر - بيروت - 1997م 1 / 32 . المجموع، تأليف: النووي، دار الفكر - بيروت - 1997م 1 / 32 .

[10] طبقات الفقهاء 1/ 111 .

[11] طبقات الحنابلة، تأليف: محمد بن أبي يعلى أبو الحسين، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت، 1/ 6.

[12] طبقات الحنابلة 1/ 6.

[13] الجواهر المضية في طبقات الحنفية، تأليف: عبدالقادر بن أبي الوفاء محمد بن أبي الوفاء القرشي أبو محمد، أمير محمد كتب خانه - كراتشي 1/ 456 .

[14] ينظر: المجموع 1/ 35 .

[15] المجموع 1/ 33.

[16] المجموع 1/ 40.

[17] طبقات الفقهاء 1/ 62.

[18] طبقات الفقهاء 1/ 112.

[19] طبقات الحنابلة 1/ 5.

[20] طبقات الحنابلة 1/ 13.

[21] طبقات الحنابلة 1/ 18 .

[22] طبقات الفقهاء 1/ 54.

[23] طبقات الفقهاء 1/ 76.

[24] طبقات الحنابلة 2/ 51.

[25] طبقات الشافعية الكبرى، تأليف: تاج الدين بن علي بن عبدالكافي السبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي د.عبدالفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع - 1413ه، الطبعة: ط2، 2 / 161.

[26] طبقات الشافعية الكبرى 2/ 161.

[27] الفتاوى الفقهية الكبرى، تأليف: ابن حجر الهيتمي، دار الفكر بيروت 4/ 313.

[28] طبقات الحنابلة 1/ 6.

[29] ينظر: الفتاوى الفقهية الكبرى 4/ 313، شرح فتح القدير، تأليف: كمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي، دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية 7/ 304.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.04%)]