من دلائل النبوة: الحقائق الكونية التي وردت على لسان الأمي
أ. د. مصطفى مسلم
ظاهرة عدم اختلاط الماء العذب بالماء المالح من الظواهر التي أدركها الناس على مختلف المستويات فمن ذلك:
أ- وجود ينابيع عذبة تحت ماء البحر في المياه الضحلة ويستفيد منها الصيادون كثيراً حيث يعرفون مواقعها فيغوصون إليها لملء أوانيهم عند الحاجة. كما هو معروف في الخليج العربي قرب البحرين وقطر..
ب- وجود أنهار ضخمة تحت مياه المحيطات، ويمكن رصدها من الأجواء ويقول أهل الاختصاص: إن كثيراً من هذه الأنهار أضخم من نهر الأمازون والمسيسبي والنيل والفرات، ويمكن إدراك شطآنها عما حولها من مياه المحيط تماماً، كإدراك شواطئ الأنهار على اليابسة وتجري آلاف الكيلومترات قبل أن تتلاشى في مياه المحيط...
جـ- في مصبات الأنهار في بعضها، وفي البحار والمحيطات تتكون الأحواض الخاصة، وكأنها حجرة محجورة تمتاز هذه الحجر بأنواع خاصة من الحيوانات والنباتات والأملاح تختلف عن مياه الأنهار وعن مياه البحار. وربما جرت الأنهار بجوار بعضها ويمكن تمييز النهرين عن بعضها عند جريان مائهما في مجرى واحد. كما هو الحال في نهري (تشانغام) في باكستان الشرقية، وعدم الاختلاط هذا يعود إلى ظاهرة يسميها العلماء - قوة التوتر السطحي أو (المط السطحي) الناشئة من اختلاف التجاذب بين جزئيات الماء العذب والماء المالح لاختلاف كثافتيهما، فيبدو لنا بوضوح الحد الفاصل بينهما. ولتقريب هذه الحقيقية يقول د. عبد العليم خضر: "يقوم القانون على فكرة بسيطة مؤداها أن الماء الموجود في كوب - مثلاً لا يفيض إلا إذا ارتفع عن سطح الكوب بمقدار معين، لأن (جزئيات) السوائل عندما لا تجد شيئاً تتصل به فوق سطح الكوب تتحول إلى ما هو تحتها، وعندئذٍ توجد غشاوة مرنة على سطح كل نوع من المياه.. ومنها (مياه الكوب).. وهذا الغشاء الدقيق غير مرئي على الإطلاق وهنا يكمن الإعجاز القرآني وهو الذي يمنع الماء من الخروج عن الكوب لمسافة معينة هي سمك الغشاء.. وهو غشاء قوي لدرجة أنك لو وضعت عليه إبرة من الحديد فإنها لا تغوص في الماء.. بل تطفو ولذلك تستغل عناكب البحر ومخلوقات مائية أخرى إلى استغلال هذه الحقيقة في السير فوق سطح الماء دون غرق بل دون بلل أرجلها.. هذه الظاهر هي ما أطلق عليها العلماء اصطلاح: (المط السطحي) الذي يحول دون اختلاط الماء العذب بالماء المالح أو الزيت.
والمعنى الإجمالي للآية "وجعل بين البحر العذب الفرات - النهر - وبين البحر الملح الأجاج برزخاً مائياً - وهو الحاجز المائي المحيط بماء المصب - حبساً على كائناته الحية ممنوعاً عن الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر"[25].
ودلَّت دراسات المتخصصين في علوم البحار:
1- أن مياه الأنهار شديدة العذوبة.
2- أن مياه البحار شديدة الملوحة.
3- أن مياه منطقة المصب مزيج من الملوحة والعذوبة. وهي منطقة فاصلة بين النهر والبحر متحركة بينهما بحسب مد البحر وجزره، وفيضان النهر وجفافه. وتزداد الملوحة فيها كلما قربت من البحر، وتزداد العذوبة كلما قربت من النهر.
4- يوجد برزخ مائي يحيط بمنطقة المصب ويحافظ على هذه المنطقة بخصائصها المميزة لها، حتى ولو كان النهر يصب في البحر من مكان مرتفع في صورة شلال.
5- عدم اللقاء المباشر بين ماء النهر وماء البحر في منطقة المصب بالرغم من حركة المد والجزر وحالات الفيضان والانحسار التي تعتبر من أقوى عوامل المزج، لأن البرزخ المحيط بمنطقة المصب يفصل بينهما على الدوام.
6- لاختلاف الكتل المائية الثلاث (ماء النهر، ماء البحر، ماء المصب) تختلف الكائنات الحية التي تعيش فيها:
• معظم الكائنات التي في البحر والنهر والمصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها.
• بتصنيف البيئات الثلاث باعتبار الكائنات التي تعيش فيها تعتبر منطقة المصب منطقة حجر على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها، لأن هذه الكائنات لا تستطيع أن تعيش إلا في نفس الوسط المائي المتناسب في ملوحته وعذوبته مع درجة الضغط الأسموزي[26] في تلك الكائنات. وتموت إذا خرجت من المنطقة المناسبة لها وهي منطقة المصب.
وهي في نفس الوقت منطقة محجورة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر والنهر، لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الأسموزي أيضاً[27]. فسبحان خالق المخلوقات الذي وضع لها سنناً في تكوينها ومعايشها وهيأ لها المناخ المناسب وجعل بين هذه المياه برزخاً وحجراً محجوراً لحفظ خصائص هذه المياه لتكون بيئة مناسبة لتلك الكائنات.
وينجر الكلام بمناسبة ذكر الحاجز بين الماء العذب الفرات وبين الماء الملح الأجاج إلى الحديث عن الحاجز بين البحرين كما في قوله تعالى: ï´؟ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ï´¾ [الرحمن: 19 - 23].
وقوله تعالى في سورة النمل: ï´؟ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [النمل: 61].
الدلالات اللغوية للكلمات:
البحر: قال ابن فارس: الباء والحاء والراء أصل. قال الخليل: سمي البحر بحراً لاستبحاره وهو انبساطه وسعته، ويقال للماء إذا غلظ بعد عذوبة: استبحر، وماء بحري أي ملح[28]، وإذا أطلق البحر دل على البحر الملح، وإذا قيّد دل على ما قيّد به.
والاستعمال القرآني هو إطلاق البحر على الملح، والنهر على العذب، قال تعالى: ï´؟ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ï´¾ [إبراهيم: 32].
وكذلك في الحديث النبوي: "إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء"[29].
البرزخ: هو الحاجز أو الفاصل.
البغي: أصل البغي مجاوزة الحد[30].
المرجان: ضرب من اللؤلؤ. وعن الزجاج: المرجان أبيض شديد البياض.
وعن ابن مسعود: المرجان الخرز الأحمر[31].
وقيل: اللؤلؤ: صغار الدر، والمرجان كباره.
وحاصله أن المرجان نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة بيضاء وحمراء وكبيراً وصغيراً، وحرف العطف يقتضي المغايرة بين اللؤلؤ والمرجان.
التفسير الإجمالي للآيات:
أرسل الله مياه البحرين الملحين يلتقيان وجعل بين ماء البحرين عند الالتقاء حاجزاً يفصل بينهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر بخصائصه. فلا تكذبوا معشر الجن والإنس بدلائل عظمة الخالق وتوحيده من خلال مخلوقاته.
ويخرج من البحرين الملحين اللؤلؤ المرجان وهي من أفخر أنواع الزينة لكم...
يقول أهل الاختصاص:
اكتشف العلماء أن هناك برزخاً بين البحرين يتحرك بينهما يسميه العلماء (الجبهة) وبوجود هذا الحاجز يحافظ كل بحر على خصائصه التي قدرها الله له.
وهناك اختلاط بين البحرين رغم وجود هذا البرزخ - الحاجز - لكنه اختلاط بطيء يجعل القدر الذي يعبر من بحر آخر يتحول إلى خصائص البحر الذي ينتقل إليه دون أن يؤثر على تلك الخصائص.
اكتشف علماء البحار سر اختلاف تركيب البحار الملحة في عام 1873م على يد البعثة العلمية البحرية الإنكليزية في رحلة (تشالنجر) التي استغرقت ثلاثة أعوام، وهي تجوب جميع بحار العالم، أن المياه في البحار تختلف في تركيبها عن بعضها من حيث درجة الملوحة، ودرجة الحرارة، ومقادير الكثافة، وأنواع الأحياء المائية والنباتات البحرية.
واستغرب العلماء عدم امتزاج البحار وتجانسها رغم تأثير قوتي المد والجزر التي تحرك مياه البحار مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الأخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام؟.
وأدرك العلماء السر في ذلك عام 1942م، حيث أسفرت دراستهم بعد أن أقاموا مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار والظواهر المتعاقبة عليها، أدركوا وجود خواص مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة، والأحياء المائية والحرارة، وقابلية ذوبان الأوكسجين في الماء، ويكون الاختلاط بين ماء البحار عبر هذه الحواجز بطريقة بطيئة يتحول معها الماء الذي يعبر الحاجز إلى خصائص البحر الذي دخل فيه.
وأخيراً تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار الملحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية.
ومما وصل إليه علم البشر: أن اللؤلؤ والمرجان يتكونان في المناطق البحرية النقية ولا يتكونان في مناطق امتزاج المياه العذبة مع مياه البحر. وتؤكد الدراسات البحرية الحديثة على أن المرجان يوجد فقط في المناطق المدارية - دون الاستوائية - غير الممطرة أو قليلة المطر، ولا ينمو في مناطق المياه العذبة[32]. قام الباحث محمد إبراهيم السمرة الأستاذ بكلية العلوم، قسم علوم البحار في جامعة قطر بدراسة ميدانية في خليج عمان والخليج العربي بالتعاون مع سفينة البحوث (مختبر البحار) التابعة لجامعة قطر في الفترة (1404 - 1406هـ) وتضمّن البحث مقارنة واقعية بين الخليجين بالأرقام والحسابات والرسومات والتحليل الكيميائي، وبيّن اختلاف خواص كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما، ووضّح البحث وجود منطقة بين الخليجين تسمى في علوم البحار (منطقة المياه المختلطة) أي (منطقة البرزخ).
وبيَّنت النتائج أن عمود الماء في هذه المنطقة يتكون من طبقتين من المياه، إحداهما سطحية أصلها من خليج عمان، والأخرى سفلية أصلها من الخليج العربي.
أما في المناطق البعيدة والتي لا يصل إليها تأثير عملية الاختلاط بين الخليجين فإن عمود الماء يتكون من طبقة واحدة متجانسة وليس من طبقتين.
وأكدت النتائج أنه برغم هذا الاختلاط (في المناطق التي بها مياه مختلطة) وجود نوعين من المياه فوق بعضهما البعض فإن حاجزاً ثابتاً له استقرار الجاذبية وقوتها يقع بين طبقتي المياه، ويمنع مزجهما أو تجانسهما حيث يتكون بذلك مخلوط غير متجانس.
وأوضحت النتائج أن هذا الحاجز إما أن يكون في الأعماق (من 10 إلى 50 متراً) إذا كان اختلاط مياه الخليجين راسياً، أي أن أحدهما فوق الآخر، وإما أن يكون هذا الحاجز على السطح إذا تجاورت المياه السطحية لكل من الخليجين[33].
الجولة السادسة: خلق الإنسان - النسب والصهر:
يقول تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ï´¾ [الفرقان: 54].
وخلق الجنين من ماء النطفة الأمشاج أغرب وأعقد من الكائنات التي تخلق من ماء السماء، إن الخلية الواحدة من ماء الرجل والخلية الواحدة من ماء المرأة (البويضة) تحملان عناصر الوارثة للجنس كله، وللأبوين وأسرتيهما القريبتين، لتنقلها إلى الجنين الذكر والجنين الأنثى كل منهما بحسب ما ترسم له يد القدرة من خلق واتجاه في طريق الحياة.
• فجعله نسباً وصهراً، وقسمه قسمين ذوي نسب، ذكوراً ينسب إليهم، وذوات صهر أي إناثاً يصاهر بهن ï´؟ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ï´¾ [القيامة: 39].
ï´؟ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ï´¾ [الفرقان: 54].
• خلق من الماء بشراً. من المني، وقيل: الماء الذي خمرت به طينة آدم عليه السلام وجعله جزءاً من مادة البشر ليجمع ويتسلسل ويستعد لقبول الأشكال والهيئات.
وقيل: هو الماء المطلق الذي ورد في قوله تعالى: ï´؟ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ï´¾ [الأنبياء: 30].
• فجعله نسباً: يتزوج ذكر فيلد له ويثبت النسب من الذكور فينسب إليهم، وقيل: المراد بالنسب هو الذي لا يحل نكاحه.
• وصهراً: بتزوج أنثى يصاهر بهن كقوله: ï´؟ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ï´¾ [القيامة: 39].
والصهر: القرابة والختن وجمعه أصهار. والصهر أهل بيت المرأة بالنسبة للزوج، ويقال لهم: الأختان، وأهل بيت الزوج أصهار المرأة، ويقال لهم: الأحماء، واشتملت آيات المحرمات من النساء على سبعة أصناف حرمن من جهة النسب وسبعة من جهة الصهر. وجعل ابن عطية والزجاج الرضاع من جملة النسب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"[34].
• وكان ربك قديراً: حيث خلق من مادة واحدة بشراً ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة، وجعله قسمين متقابلين، وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكراً وأنثى.
قديراً: بليغ القدرة[35].
إن تكوين الإنسان وهو أشرف مخلوق على هذه الكرة الأرضية من النطفة الماء المهين لهو أشد غرابة وأعجب دلالة على قدرة الله الخالق البارئ، ولكن إلف العادة أذهب الاستغراب من نفس البشر، لذا تأتي الآيات الكريمة لتذكر الإنسان بهذا الأمر العجيب والبرهان الدامغ بين الفينة والأخرى ï´؟ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ï´¾ [الواقعة: 58 - 62]. ثم خلق من هذا البشر زوجه وجعل بينهما مودة ورحمة، وخلق منهما البنين والحفدة والأصهار، لتعمر الأرض وتقوم الحضارات البشرية في أنحاء المعمورة، يقول عزَّ من قائل: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ï´¾ [الحجرات: 13].
إن قدرة الله في خلق الإنسان وتكوينه وتناسله وتكاثره، ووسائل معيشته وتعامله لأعجب وأدق من أي آية كونية أخرى، وأدل على عظمة الخالق وقدرته من جميعها ولكن الناس يغفلون.
الجولة السابعة: كيف يعبد غير الله؟! تعقيب واستغراب:
قوله تعالى: ï´؟ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ï´¾ [الفرقان: 55].
يأتي التعقيب والاستغراب بعد هذه الجولات في الآفاق والنفس الإنسانية التي تدل كل واحدة منها على توحيده، وأنه الفرد الصمد الغني عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه في وجوده وعمله واستمراره، كيف يتخذ هؤلاء الجاهلون الكافرون - ومن ضمنهم مشركو مكة - من دونه آلهة، كيف يوجهون عبادتهم وتعظيمهم لهذه الأصنام والأوثان والمخلوقات العاجزة عن سوق النفع لأنفسها ولعابديها أو دفع الضر عن أحد.
ولكن الكافر عدو محارب لكل حق - ولكل عقل ولكل مصلحة حقيقية - هو حرب على الله الذي خلقه وسوّاه. إنه يحارب الله عندما يعلن الحرب على رسوله.
وهو يحارب الحق عندما يكذب بآيات الله وبالقرآن الكريم، وهو حرب على العقل عندما يزعم أن محمداً ألَّف هذا الكتاب ونسبه إلى ربه، وهو يلقي بنفسه في التهلكة وينسى مصلحة نفسه عندما يعادي دين الله وشريعته. ï´؟ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ï´¾ [الحشر: 19].
إنه يعين الشيطان على ربه سبحانه وتعالى بالعداوة والشرك.
مناسبة المقطع التاسع لمحور السورة:
المقطع التاسع بجولاته المتعددة وثيق الصلة بمحور السورة، ففيه تفصيل للمعجزة القرآنية؛ فمن خلال بيان سنن الله في الكون في الشمس والظل والرياح والمطر والبحار والبرزخ والنسب والصهر، وكل ذلك مسخر لمصالح الإنسان، وتهيئة المناخ المناسب لمعيشته وسعادته لشكر المنعم جلَّ جلاله عليه، إلا أن القوم قابلوا النعمة بالكفران وانشغلوا بالاستمتاع بها عن تدبر ما يلزمهم تجاه خالقها ومسخرها.
والجانب المعجز في ذلك هو أن تأتي هذه الحقائق الكونية على لسان النبي الأمي الذي لم يكن له عهد بهذه القضايا كما لم يكن للمشركين عهد بها. إن ورود هذه الحقائق الضخمة في آيات القرآن الكريم لدليل باهر على أن القرآن كلام الله المنزل من لدن حكيم خبير: ï´؟ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ï´¾ [الفرقان: 6].
[1] انظر كتاب (خلق الإنسان بين الطب والقرآن) للدكتور محمد علي البار، ص 365 - 379.
[2] رواه مسلم في مقدمة صحيحه: 1/ 9.
[3] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم: 1/ 41.
[4] ذهب الزجَّاج إلى حمل الرؤية هنا على رؤية القلب لأن تأثير قدرة الله تعالى في تمديد الظل غير مرئي بل معلوم، أنظر معاني القرآن وإعرابه: 4/ 70.
[5] انظر تفصيل هذين الاحتمالين في التحرير والتنوير: 19/ 39.
[6] يقول ابن عاشور في كتابه التحرير والتنوير: 19/ 41: أي لو شاء لجعل الأرض ثابتة في سمت واحد تجاه أشعة الشمس فلا يختلف مقدار ظل الأجسام التي على الأرض وتلزم ظلالها حالة واحدة فتنعم فوائد عظيمة.
[7] التحرير والتنوير، لابن عاشور: 19/ 43.
[8] في التعبير ب (ثم) في الموضعين (ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً) و(ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً) في كلا الموضعين تدل كلمة (ثم) على التراخي الرتبي، لأن مضمون جملة (جعلنا الشمس عليه دليلاً) أبعد اعتباراً، أي أرفع في التأثير أو في الوجود، فإن وجود الشمس هو علة وجود الظل للأجسام التي على الأرض. والسبب أرفع رتبة من المسبَّب وكذلك مضمون جملة (قبضناه إلينا قبضاً يسيراً) أهم في الاعتبار بمضمونها من مضمون (جعلنا الشمس عليه دليلاً)، إذ في قبض الظل دلالة من دلالة الشمس هي عكس دلالتها على امتداده، فكانت أعجب إذ هي ضد للعمل الأول، وصدور الضدين من السبب الواحد أعجب من صدور أحدهما السابق في الذكر. التحرير والتنوير بتصرف: 19/ 42.
[9] هذا لا يتعارض مع قوله تعالى: ï´؟ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ï´¾ [سورة يس: 38]، فإن الشمس أيضاً لها حركتان حركة تدور حول نفسها، والمجموعة الشمسية تجري بسرعة (20) ألف ميل في الساعة نحو نجم الجبار. فدورة الأرض حول نفسها يتولد منه الليل والنهار، وحركة الأرض حول الشمس (65) ألف ميل في الساعة يتولد منها الفصول الأربعة، أما حركة المجموعة الشمسية نحو نجم الجبار فلم يصل العلم إلى معرفة ما يترتب عليه ولا نشك في وجود وظيفة لذلك. والله أعلم.
[10] رواه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام: 7/ 147.
[11] الرياح بصيغة الجمع تأتي في الغالب للرحمة وللمطر، وتأتي الريح مفردة في الغالب للعذاب.. قال الرماني: جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة - لواقح: الجنوب والصبا والشمال، وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة ولا تلقح وهي الدبور. انظر المحرر الوجيز: 11/ 47.
[12] الحكمة في اختيار هذه الأوصاف والمهمات أو الوظائف للماء في هذه الآية ماء طهوراً، لنحيي به بلدة ميتاً، ونسقيه، بينما في آيات أخرى تأتي أوصاف ووظائف أخرى؟! هنا الخطاب موجه للكفار وتذكير لهم بنعمة عظيمة لا يستطيعون إنكارها وهي نعمة الماء فهو طهور للأدران من الأبدان والملابس والأشياء المادية، وإذا حرص الإنسان على طهارة بدنه وملابسه والمكان الذي يعيش فيه، عليه أن يفكر بتطهير عالمه الباطني ولا يكون ذلك إلا بالقرآن - الوحي الإلهي - وكما أن الماء يطهر ويحيي البلد الميت فكذلك الوحي يطهر النفوس ويحيي القلوب والنفوس الكافرة - الميتة - ومن وظائف الماء سقيا المواشي والناس، وكذلك من وظائف الوحي إرواء غليل العطشى التائهين اللاهئين...
[13] ويشبّه د. منصور حسب النبي المناطق المدارية على الأرض - حيث أشعة الشمس القوية - : بغلّاية، والمناطق الباردة كمكثف في ماكينة التكييف. انظر كتابة (الكون والإعجاز العلمي للقرآن)، ص 190، ط. دار الفكر العربي.
[14] انظر كتاب: الكون والإعجاز العلمي للقرآن، ص 186.
[15] الرجع: المطر الذي يعود ويتكرر.
[16] تفسير ابن كثير: 3/ 321.
[17] الأساس في التفسير: 7/ 3886.
[18] يقدر العلماء أن كمية بخار الماء في البحر الأبيض المتوسط يبلغ (100000) طن في الثانية، ونتيجة لما ينزل من الأمطار وما يصب فيه من الأنهار لا ينقص منسوب مائه.
[19] رواه مسلم في كتاب الإيمان: 1/ 59.
[20] في تفسير ابن كثير روى ابن أبي حاتم حديثاً مرسلاً فقال: وقال عمر مولى عقبة: كان جبريل عليه السلام في موضع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب، قال: فقال له جبريل: يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله، فقال: تأتينا صكاك مختمة، اسق بلاد كذا وكذا، كذا قطرة، وكذا وكذا، كذا قطرة". انظر تفسير ابن كثير: 3/ 321؛ وانظر الأساس في التفسير: 7/ 3887.
[21] انظر المحرر الوجيز: 11/ 49.
[22] انظر مفردات الراغب، ص 413؛ وعمدة الحفاظ، ص292.
[23] عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، للسمين الحلبي، ص 293.
[24] في ظلال القرآن: 5/ 2570.
[25] من أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عالم البحار، ص 17 من إصدارات هيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة.
الدلالات اللغوية في الآية الكريمة:
• مرج: خلط، اضطراب.
وقال ابن فارس: الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب انظر معجم مقاييس اللغة: 5/ 316.
• عذب فرات: شديد العذوبة.
• ملح أجاج: شديد الملوحة.
• برزخاً: الحاجز والفاصل.
• حجراً محجوراً: منعاً ممنوعاً.
قال ابن فارس: الحاء والجيم والراء أصل أحد، وهو المنع والإحاطة على الشيء.. والعقل يسمى حجراً لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي قال تعالى: ï´؟ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ï´¾ [الفجر: 5]. انظر معجم مقاييس اللغة: 2/ 138.
[26] الضغط الأسموزي: مقدار نفاذ الأملاح في الأغشية.
[27] بتصرف واختصار من أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عالم البحار، ص 23 وما بعدها.
[28] انظر معجم مقاييس اللغة: 1/ 201؛ لسان العرب: 4/ 41؛ المفردات للراغب.
[29] رواه أبو داود في سننه: 1/ 64؛ والترمذي، انظر تحفة الأحوذي: 1/ 224.
[30] لسان العرب: 14/ 78.
[31] زاد المسير: 8/ 113.
[32] باختصار وتصرف من كتاب: من أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عالم البحار، ص 45 وما بعدها.
[33] انظر: من أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عالم البحار، ص 52 وما بعدها.
[34] أخرجه البخاري، كتاب الشهادات: 3/ 149.
[35] يأتي التذكر بأصل الإنسان حسب السياق القرآني:
في حال ذكر قدرة الله تعالى وعجيب صنعه بنسبته إلى الماء أو الطين أو الطين اللازب أو صلصال من الفخار، كما في قوله تعالى:
ï´؟ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ï´¾ [الرحمن: 14 - 15].
ï´؟ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ï´¾ [الفرقان: 54].
ï´؟ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ï´¾ [الصافات: 11].
ï´؟ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ï´¾ [الحجر: 26 - 27].
وعند ذكر تكبر الإنسان وعلوه وتجبره يذكره بأصله من التراب المهين أو من النطفة المهينة، كما في قوله تعالى: ï´؟ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ï´¾ [الكهف: 37].
وقوله تعالى: ï´؟ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ï´¾ [يس: 77 - 78].