مفهوم البر
نور الدين قوطيط
وبعد هذا التوضيح يمكنني القول:
إنه لمَّا كان العهد المكيُّ المقصود منه تربيةُ الإنسان المسلم، وإعادةُ صياغة شخصيَّته بما يتوافق مع أسس فطرته الأولى التي فطره الله عليها، وبما ينسجم مع معاني الحكمة الإلهيَّة في هذا الوجود، وكذا ما يناسب ثقل الرسالة الملقاة على عاتقه، كان لزامًا التركيزُ على الصفة التي يجب على الإنسان المسلم التحلي بها، والتأكيد على المقام الرفيع الذي يجب أن يرتقي إليه الإنسان المسلم، في مجالات حياته كافة، فالله - جلَّ جلاله - من صفاته الكريمة "البر"، إذًا معناه: أنَّ على الإنسان المسلم التخلُّقَ بأخلاق الله - تعالى - والملائكة الكرام "البررة"، إذًا على الإنسان المسلم التشبه بهم، والنبيُّ الكريم "بَرًّا"، إذًا على الإنسان المسلم الاقتداء به، كلُّ هذا يوحي للإنسان المسلم الذي يُريد المنهج الربانيَّ أن يرتقي بشخصيَّته إلى مستوى: ï´؟ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ï´¾ [الإسراء: 70]، وأن يحاول المرة تلو الأخرى الارتقاء إلى منزلة "البِر" وهكذا إذا جاء العهد المدني، وهو عهد البناء الخارجي للدولة الإسلامية، والتشييد للحضارة الإسلامية، والذي يجب أن يكون التلقي المطلق فيه قاصرًا على المنهج الرباني "القرآن والسنة"، وهو ما يستلزم التضحية الكبيرة والمعاناة الطويلة؛ حتى تستقرَّ أسسُ الدول الإسلامية على الأرض، أقول: حتى إذا جاء عهد البناء والتلقي، كان الإنسان المسلم له القابلية للتعامل مع تعاليم المنهج الرباني، دون أدنى تلكؤ أو تردد، ولقد كان ذلك هو ما حدث بالفعل.
أما في العهد المدني، فبالإضافة إلى وحي مفردة "البر" التي اقتصَرتْ على الإشارة إلى صفة من صفات الله - تعالى - وكذا الملائكة - عليهم السلام - وكذا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إلى الإشارة إلى مآل الإنسان البارِّ في الدار الآخرة، بالإضافة إلى التنبيه على هاتين الإشارتين - جاء التأكيد على المنهج الربانيِّ الذي يجب على الإنسان المسلم التعامل معه، والأخذ منه دون غيره من المذاهب والفلسفات والعقائد، وبذلك يحدث في نفسيَّة الإنسان المسلم انفصالٌ عن واقع الجاهليَّة بكل عقائدها وقيمها، وقوانينها وعلاقاتها، رقيًّا إلى فضاء المنهج الربانيِّ الرَّحْب، ومن ثَمَّ ترسُخُ في ضميره عقيدة "الاستعلاء الرَّباني" وهو يتعامل مع الأشخاص، والأشياء، والأحداث، وهكذا يكون إنسانًا بارًّا حقيقة، والله أعلم.
بعد هذا، دَعْنا نستخلص كيفيَّة ورود مفردة "البر" في القاموس القرآني، من حيث معانيها الكليَّة.
لقد وردت مفردة "البر" في السياق القرآني حسب المعاني التالية:
1- بمعنى المنهج الديني، والعقيدة الربانية، والقوانين التشريعيَّة؛ وذلك مثل: ï´؟ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ï´¾ [البقرة: 44]، ففي هذه الآية - مثلاً - قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة؛ كان الرجل منهم يقول لصهره، ولذوي قرابته، ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين: اثبُتْ على الدِّين الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل - يعنون به محمدًا، صلَّى الله عليه وسلَّم - فإن أمره حقٌّ، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه"[2].
2- بمعنى الصفة الفاضلة التي يتحلَّى بها الكائن المطيع لربِّه، المبادر للاستجابة لأوامره وزواجره، وذلك مثل: ï´؟ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ï´¾ [مريم: 14]، ï´؟ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ï´¾ [الممتحنة: 8]، ï´؟ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ï´¾ [آل عمران: 193]، ï´؟ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ï´¾ [عبس: 16].
3- بمعنى صفة كريمة من صفات الله - جلَّ جلاله - واسم من أسمائه – سبحانه - وقد وردت مرة واحدة: ï´؟ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ï´¾ [الطور: 28].
يمكننا - بعد كلِّ هذا - أن نستخرج ثلاثةَ معاني من دلالة مفردة "البر" كما وردت في القرآن:
1- العطاء: فالإنسان البارُّهو الذي يُعطي ولا يأخذ؛ ï´؟ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ï´¾ [الطور: 28].
2- المبادرة: فالإنسان البار هو المبادر إلى الطاعة والمسارع إلى الاستجابة للمنهج الرباني؛ ï´؟ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ï´¾ [عبس: 16].
3- الاستعلاء: فالإنسان البار هو المعتزُّ بمنهجه الربانيِّ في الحياة، ومن ثَم يستعلي على مناهج الجاهلية أتتْ من حيث أتت؛ ï´؟ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ï´¾ [آل عمران: 193].
وإلى هنا نحصل على النتيجة التالية:
العطاء، المبادرة، الاستعلاء: هي أسس مفهوم البر في القاموس الاصطلاحي القرآني.
إذن؛ خلاصة المعاني التي يضمرها "مفهوم البر"، سواء في بِنْيَته اللغويَّة، أو في اصطلاحه القرآني، عشرة معاني يؤدي بعضها إلى بعض، وينتج بعضها بعضًا: القوَّة، الإخلاص، الإتقان، الجمال، الاستقامة، الثبات، الارتقاء، العطاء، المبادرة، الاستعلاء، والله أعلم.
ومعنى قولي: إنَّ بعضها ينتج بعضًا؛ فلأنَّك لا تكون مخلصًا حتى تكون قويًّا، ولا تكون متقنًا حتى تكون مخلصًا، ولا تكون جميلاً حتى تكون متقنًا، ولا تكون مستقيمًا حتى تكون جميلاً، ولا تكون ثابتًا حتى تكون مستقيمًا، ولا تكون مرتقيًا حتى تكون ثابتًا، ولا تكون مِعطاءً حتى تكون مرتقيًا، ولا تكون مبادرًا حتى تكون معطاءً، ولا تكون مستعليًا حتى تكون مبادرًا.
حقيقة ونتائج مفهوم "البر":
وإذا أردنا تفعيل هذه المعاني التي تُشير إليها دلالات مفردة "البر" - سواءٌ من حيث اللغة أم من حيث رمزيتها القرآنيَّة - في محاولة فهم دلالاتها وإشاراتها، وكذا معانيها ومضامينها، سنجدها ترسم لنا صورةً مكتملةَ الأجزاء، واضحةَ المعالم حول حقيقة هذا الدِّين الذي أنزله الله - تعالى - على محمَّد بن عبدالله القُرَشيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورسالته الكبيرة في الحياة.
إنَّ أوَّل حقيقة يجب أن تُرسَّخ معانيها في ضمير المتلقي: هي أنَّ هذا الدين لا يؤخذ أجزاءً وتفاريقًا، ولا يمكن أن يمارس في واقع النفس أو واقع التاريخ بفاعليَّات شكليَّة ومظاهر سطحيَّة، لا تنطوي على إحساس عميق بجماليَّة هذا الدين، وإنما تنبني على رؤية كليَّة لمنهج هذا الدين ومهمَّته في الحياة، تلك حقيقة تبدو لي واضحة بيِّنة لكلِّ مَن تأمل في منظومة هذا الدين وعلاقته بحياة الإنسان في هذا الوجود.
إنَّ هذا الدين لا يمكن للإنسان أن يُفعِّل مضامينه في الواقع - سواء الواقع النفسي والواقع التاريخي - إلاَّ إذا أخذه بكلِّ قوَّة، وإخلاص، وإتقان، وجمال، واستقامة، وثبات، وارتقاء، ومن ثَمَّ تكون النتيجة الضرورية هي: "العطاء، والمبادرة، والاستعلاء"، ومعنى هذا الكلام أنَّ الإنسان المسلم مطالب أن يكون:
1- قويًّا في ممارسة تعاليم هذا الدين، سواء في واقعه النفسي أو واقعه التاريخي، ولا يخشى شيئًا وهو يمارس تلك التعاليم؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف))[3].
2- مخلصًا في تفعيل حقائق هذا الدين، سواءٌ في واقعه النفسي أو واقعه التاريخي، وألاَّ يشوبَ تفعيلَ تلك الحقائق بشيء من مفسدات العمل، بحسب ما تقتضيه قوانين الشريعة؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قال - تعالى -: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معيَ فيه غيري تركتُه وشركَه))[4].
3- مُتقِنًا لفاعليَّته في ممارسة تعاليم الشريعة، بحيث تكون ممارسته لتلك التعاليم، ممارسة محكمة، وليس فيها أيُّ ثغرة لشدَّة حذقه في تلك الممارسة؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((رحم الله امرأً عمل عملاً فأتقنه)).
4- مستقيمًا على منهج الحق، وقوانين الشريعة، لا تأخذه في ذلك لومةُ لائم - وما أكثرهم في هذا الزمان - ï´؟ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ï´¾ [هود: 112- 113].
5- ثابتًا على تعاليم المنهج الرَّباني، لا تُزعزعه الجواذب، ولا تُغريه الهواتف.
6- مرتقيًا نحو القمة السامقة التي يُتيحها له المنهج الإلهي.
7- مِعطاءً لا يخشى من ذي العرش إقلالاً، ولا تغرُّه مخابل زخرف الحياة الدنيا؛ فهو لذلك سمح كريم لا يضنُّ بالعطاء عن أخيه المسلم؛ ï´؟ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ï´¾ [البقرة: 261-262].
8- مبادرًا إلى تفعيل تعاليم الشريعة، وممارسة حقائق الحكمة، ابتغاءَ مرضاة الله - تعالى؛ ï´؟ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ï´¾ [المطففين: 26].
9- مستعليًا على جواذب الأرض، ودوافع الهوى، ومغريات الفتنة؛ ï´؟ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ï´¾ [ص: 26].
وعندما يصل الإنسان المسلم إلى هذا المستوى في ممارسة التعاليم العمليَّة لهذا الدين، فإنَّه بذلك يصل إلى مستوى الممارسة الحقة؛ أي: الممارسة لتعاليم الشريعة في أفق الجمال؛ أي: ممارسةالفعل بصورة جميلة بكلِّ خصائصها ومقوِّماتها، وبتعبير الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - "الإحسان" الوارد في حديث جبريل - عليه السلام -: ((قال: وما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك))[5].
وهكذا يكون قد ارتقى في ممارسة الفعل إلى مستوى الكمال المقدور للإنسان، وتلك هي أقصى درجة مطلوبة لمنهج الإسلام كما نبَّه على ذلك الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حديث جبريل - عليه السلام - المحدد لمعاني الإسلام والإيمان والإحسان.
وهكذا نجد أنَّ الإنسان الجادَّ الذي يريد أن يرتقي إلى مستوى "البر" ويريد أن يكون من "الأبرار" وهو يمارس حياته وَفق تعاليم المنهج الرَّباني، إنَّ هذا الإنسان لا يمكنه بلوغ هذا الهدف وإدراك تلك المنزلة - وهو هدف نبيل، ومنزلة جليلة، ولا شك - إلاَّ إذا فهم فهمًا عميقًا أنَّ هذا الدين هو منهجٌ للحياة كافةً، ومن ثَم فهو يقتضي ممارسة تعاليمه في إطارها الكلِّي الشامل المتكامل، وليس أجزاءً وتفاريقًا؛ أي: إنَّه يجب عليه أن يمارس تعاليم هذا المنهج في مستوى "البر" حتى يكون مسلمًا حقًّا، وحتى يرتقي إلى مستوى "البر" في تفاعله مع هذا الدين.
ولقد شاءت الحكمة الإلهيَّة أن يكون هذا الإنسان وِحدةٌ كلِّية، وليس أجزاءً متفرِّقة، ومن ثَم لا يستطيع الإنسان أن يمارس حياته في الواقع المعاش - إنْ هو طلب التوازن والسعادة - إلاَّ بمجموع كينونته النفسيَّة؛ أي: بمجموع عقيدته الفكريَّة، وقِيَمه الأخلاقيَّة، ونُظُمه التشريعيَّة، ورؤيته الحضاريَّة، وهو بذلك ليس مبتدِعًا شيئًا غريبًا على فطرته التي فطره الله - تعالى - عليها، بل بالأحرى أنه يستجيب لحقائق تلك الفطرة المكنونة في أبعاد ضميره.
وهذه الحقيقة - حقيقة الوحدة الكليَّة التي تشكل إنسانيَّة الإنسان - نابعةٌ من أنَّ الإنسان فكرةٌ وتطبيق، تصوُّرٌ وحركة، عقيدةٌ وممارسة، رؤيةٌ وفاعليَّة، وتلك هي حقيقته التي فطره الله - تعالى - عليها، ولن تجد لفطرة الله تبديلاً، ولن تجد لفطرة تحويلاً.
والإسلام؛ لأنَّه دين الفطرة؛ فإنه يُساير هذه الحقيقة المبثوثة في ضمير الفطرة الإنسانيَّة، ولأنه مرآة الحقيقة الإنسانية؛ فإنه ينسجم مع تلك الحقيقة، ويُلبِّي هواتفَها ورغباتِها، ومن ثم كانت حقيقة الإسلام الكبيرة أنه عقيدةٌ وشريعة، قِيمٌ ونُظُم، أخلاقٌ وقوانين، تاريخٌ وحضارة؛ قال الله - تعالى -: ï´؟ فأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ï´¾ [الرُّوم: 30-31]، وقال - تعالى -: ï´؟ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ï´¾ [الأنعام: 162].
وتلك هي طبيعة هذا الدين الذي أنزله الله - تعالى - على رسوله الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه هي الحقيقة الكبرى التي يجب أن تتَّضح في عقولنا وضمائرنا ونحن نتعامل مع آيات القرآن.
إنَّ هذه الحقيقة - حقيقة أن هذا الدين منهج شامل لحياة الإنسان الممتدة من الدنيا والتي لا تنتهي إلاَّ ببداية جديدة في عالم الآخرة - تُصوِّرُها الهندسة المعرفيَّة للآية تصويرًا دقيقًا وعميقًا له دلالاته المُوحِية، وإشاراته المعبرة، فهذه الآية قد اشتملت على جملة من المعارف الكبيرة، والأسس العميقة التي تُعَدُّ الأساس الأول في بناء إنسانية الإنسان الفاضلة.
تطبيق عملي على آية قرآنية:
وبعد كل هذا الذي قلْتُه آنفًا عن حقيقة مفهوم "البر"، أحببتُ أن أظهر تلك المعاني السالفة الذكر من خلال آية من آيات البر في القرآن، وهذه الآية هي قول الله - سبحانه وتعالى -: ï´؟ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 177].
فهذه الآية الكريمة من الآيات الجوامع في القرآن الكريم، إنَّها آية تترجم حقيقة هذا الدين الذي جاء به الرسول الكريم محمد بن عبدالله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حقيقة أنَّ هذا الدين هو منهج للحياة الإنسانيَّة الفاضلة في مجالات حركتها في هذا الوجود كافة، كما أرادها الخالق - جلَّ وعزَّ - حقيقة أنَّ هذا الدين هو منظومة متكاملة متناسقة، سواء في أنساقها المعرفيَّة والعقديَّة، أم في مفاهيمها الأخلاقيَّة والقِيَمِيَّة، أم في نظمها التنظيميَّة والتشريعيَّة، أم في فاعليَّتها التاريخيَّة والحضاريَّة.
وبادئ ذي بدء أقول:
إنَّ تداخل تلك المجالات المتعددة في الآية، من العقيدة، إلى العَلاقات الاجتماعية، إلى الروح العباديَّة، إلى القيم الأخلاقيَّة، إلى التعليق على كل ذلك في ختام الآية، إنَّ هذا التداخل والتفاعل بين مختلف هذه العناصر والمكونات، والتي لا يربط بينها رابط، ولا يجمعها جامع بادئ الرأي - ليوحي بطبيعة هذا الدين، وطبيعة هذا المنهج الذي أنزله الله - تعالى - على رسوله الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحقيقة الرسالة التي أراد الله - تعالى - أن يبلِّغها لهذا المخلوق الضئيل المسمى "الإنسان".
إنَّ هذا التداخل، وهذا التشابك بين تلك المكونات للآية ليترجم تلك الحقيقة العميقة التي تضمرها النفس الإنسانيَّة، تلك هي حقيقة أنَّ هذه النفس لا تقبل الانفصام بين عناصرها المكونة لحقيقتها الفطريَّة، فهذا الإنسان عقيدةٌ في العقل، وتطبيقٌ في الواقع، فكرةٌ في الضمير، وإنشاءٌ في التاريخ، ولا يمكن أبدًا - مهما حاول الإنسان نفسه أو حاول ذلك غيره من الطواغيت - الفصم بين ذينِك المكونين الكبيرين في الفطرة البشريَّة؛ لا لشيء إلاَّ لأنَّهما عميقين في جذر الروح البشري عمق ذلك الروح نفسه.
وحينما نفهم منهج هذا الدين على النحو - حينها فقط - نستطيع أن نقوم بمثل تلك النقلة البعيدة التي قام بها الجيل الأول من المسلمين، فبَلَغوا بذلك مستوى الإنسانية الفاضلة كما خلقها الله - سبحانه وتعالى - وكما أرادها أن تكون في واقع التاريخ البشريِّ، فكان ما كان منهم في صناعة التاريخ وتشييد الحضارة، مما لو اجتمعتْ الجاهليةُ بكل خيلائها ما وجدت إلى ذلك من سبيل إلاَّ في الأجيال المتعاقبة والآماد المتتالية، ثم لا تبلغ إلاَّ عُشر معشار ما بلغ أولئك.
من أجل ذلك كان من مقاصد القرآن الكبرى إعادةُ الضمير الإنسانيِّ إلى فهم هذه الحقيقة، والتحقق بمصداقيتها وتطبيقاتها سواء في عالم النفس أم في عالم الواقع، ومن ثم شن حملة ضروس على أولئك الذين رضوا بأن يكون نصيبُهم من هذا الدين المظاهر فقط.
ولنبدأ الآية من أوَّلها:
إنَّ أوَّل شيء توحِي به الآية الكريمة هو أنَّ هناك قومًا التبس مفهوم البر في حسِّهم وعقولهم، ومن ثم انعكس هذا الالتباس على واقع حياتهم في الوسط الاجتماعي، الذي يمارسون فيه تطبيقات منهج دينهم كما يفهمونه هم، ولأجل ذلك تأخذ الآية في توضيح حقيقة مفهوم البر، ومصادقه في الواقع؛ الواقع النفسي، والواقع الاجتماعي، وبعد توضيح تلك الحقيقة يتبين لنا - نحن المتلقين - مدى الفرق بين حقيقة مفهوم البر كما هو المنهج القرآني، ومفهومه عند قوم زعموا أنَّهم ملتزمون بالمنهج الرباني في واقع حياتهم ومسيرة تاريخهم، وهو - ولا شك - فرق هائل جدًّا، تلك هي خلاصة الآية الكريمة: ï´؟ ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ï´¾.
لقد تصوَّر أولئك القوم أنَّ حقيقة الدين الذي يلتزمون به، تنحصر في الالتزام الشكليِّ بتعاليمه، والصرامة في التقيُّد بمظاهره الخارجيَّة، والأخذ بقوة بتعاليمه الجزئية، وأنهم بذلك يكونون قد أدوا الواجب الذي عليهم تُجاه الرسالة التي يحملونها للإنسانية، ولا عليهم إن لم يكن لها رصيدٌ من الإحساس النفسي العميق، والتصوُّر العقلي الواضح، ولا عليهم إن هم خالفوا تعاليم الدين في واقع حياتهم، ومسيرة تاريخهم.
ذلك هو تصورهم لحقيقة مفهوم البر، ومنهج الدين الرباني الذي أنزله على رُسُلِه وأنزل لأجله كُتُبَه، وذلك هو تصوُّرُهم لقيمة المهمَّة التي تجب عليهم لذلك المنهج عليهم، وهو - ولا شك - تصورٌ ساذج، لا يرقَى إلى قيمة الحقائق التي تضمرها تعاليم هذا الدين، وتكتنِزُها حقيقة مفهوم البر في العقيدة القرآنية.
إنك عندما تتعمَّق في حقيقة الدين الذي بعث الله - تعالى - به الرسل، وأنزل لأجله الكتب، وأقام له السموات والأرض، ووعد لأجله بالجنة، وأوعد بسببه النار، عندما تتأمل تلك الحقيقة الكبيرة، وتتفهَّم معاني تعاليمها في النفس والمجتمع، حينها فقط تتبيَّن لك ضآلة ذلك التصور - سواء كان في جانب الإفراط، أو كان في جانب التفريط - الذي انخدع به أولئك البؤساء الذين ظنُّوا أنَّ تلك هي غاية الشريعة ومنتهى الديانة.
وإنه لتصورٌ صغيرٌ شأنُه، لا يغني عن الحقيقة الكبيرة التي يسعى إليها الإنسان بفطرته شيئًا، ولا بذي قيمة في ميزان حقيقة المهمَّة التي يُريدها الخالق - جلَّ جلاله - من الإنسان.
إنَّ الإنسان عندما يكون همُّه من الدين إقامةَ مظاهره الخارجية، ويكون شغلُه الشاغل الالتزامَ بجزئياته الفرعيَّة، ويكون سعيُه الدائب الصرامةَ في تفعيل تعاليمه القريبة، دون الالتفات إلى الحقائق الكبرى التي تتضمَّنها تلك التعاليم، ومن ثم ممارسة معانيها في مجالات الحياة كافة، عندما تكون تلك هي قصتَه مع منهج الدين الذي يلتزمه، لا جرمَ أنه لا يستطيع الانطلاق إلى تلك الآفاق البعيدة التي يفتحها الدين لمن يتفاعل مع تعاليمه بصورة عميقة جدًّا، سواء في ظاهره أم في باطنه، وسواء في محيطه الذاتي، أم في محيطه الاجتماعي، بل بالأحرى أن هذا الدين يفقد مبرر وجوده في أعماق كينونته، ولا يبقى لوجوده معنى في حياته إلاَّّ بالقدر الذي يستفيد هو منه في علاقاته مع الآخرين.
ولا جرم أنَّ هذه الإشكاليَّة التي يعاني منها هذا الإنسان – أعني: إشكالية التناقض العميق بين حقيقة الدين الذي يلتزمه، وحقيقة فهمه هو لهذا الدين، ومن ثم ممارسته لتعاليمه في عالم الواقع؛ أي: عالم العلاقات الاجتماعية، والإنسانيَّة - إشكاليةٌ خطيرة تُصيب صاحبَها في أمثل الحالات بفقدان التوازن النفسي، والذي بدوره ينعكس على توازنه الاجتماعي.
على أنَّنا - أصلحك الله - لو أردنا فهم الأسس التي تنبثق عنها تلك الإشكاليَّة، فلا جرم أنَّا واجدون الأمر في حقيقته يرتدُّ إلى:
1- ضمور في الإحساس بجماليَّة الدين الرباني، وهو معنى ينسحب على الإنسان المُفرِط في الصرامة بالتزام مظاهر الديانة، دون أن يكون لها رصيدٌ نفسي عميق يؤسس لمنظومته النفسية والاجتماعية تأسيسًا قائمًا على التوازن، وينسحب كذلك على الإنسان المفرِّط في التزام تعاليم الشريعة في مجالات حياته، ما خلا تلك القشور القريبة والطقوس الميِّتة التي يؤديها.
2- ضبابيَّة في فهم حقائق الدين الرباني، وهو معنى ينسحب كذلك على كلاَ الطرفين: الإنسان المُفرِط والإنسان المفرِّط.
هذه الثنائيَّة - الجفاف في الإحساس، والاضطراب في التصور - هي التي تهلك هذا الإنسان البائس، وما ذاك إلاَّ لأنَّ لدين الله - جلَّ جلاله - إحساسٌ عميق في أبعاد الضمير، وتصوُّرٌ واضح في أعماق العقل، وحركةٌ متوازنة في واقع الحياة.
ولقد ينتج عن تلك الثنائيَّة المقيتة انفصام نكد، واضطرابٌ عميق يفقد الإنسان - من جرَّائه - التوازنَ في كينونته النفسيَّة من جهة، وانقطاع الصِّلة مع الله - تعالى - من جهة أخرى، لينتج عن ذلك إحساسٌ بغيض، وشعورٌ كريه، متمكِّن في القلب بعقيدة الاستعلاء والاحتقار لأفراد المجتمع في جانب الإنسان المفرِط، وعقيدة النفور والتشاؤم والاستهزاء، بالنسبة للإنسان المفرِّط، ودين الله لم يؤسَّس على الإفراط أو التفريط، بل على قانون التوازن والعدل.
ولقد حدث في عصر النبوة المحمديَّة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - أنْ أراد بعض الناس - ابتغاء مرضاة الله - الجنوحَ إلى جهة الإفراط؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: جاء ثلاثُ رهط إلى بيوت أزواج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يسألون عن عبادة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلما اخبِروا كأنهم تَقَالُّوها - أي: اعتبروها قليلةً بالنسبة إلى شخص الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالوا: أين نحن من النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، قال أحدهم: أمَّا أنا، فإني أُصلِّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطِر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))[6].
ولقد كان درسًا عظيمًا لهؤلاء الذين جنحوا - ابتغاء الخير - إلى جهة الإفراط، وكما حدثت تلك القصة التي تمثل الإنسان المفرِط في التزام تعاليم الشريعة، دون أن يكون له إحساس جميل بمعانيها، وتصور واضح لمهمَّتها في الحياة، كذلك حدثت قصة أخرى تمثل جانب التفريط في بعض معاني الشريعة، يقول أبو ذَرٍّ - رضي الله عنه -: إني كنت سابَبْتُ رجلاً - هو بلال، رضي الله عنه - وكانت أمُّه أعجميةً فعيَّرتُه بأمِّه، فشكاني إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((يا أبا ذرٍّ، إنَّك امرؤٌ فيك جاهليةٌ))[7].
ولقد كانت كلمةً كافية لهزِّ نفسيَّة أبي ذر - رضي الله عنه - وردِّه إلى الصواب، وتفهيمه حقيقة الديانة الإسلامية.
إنه - إذن - زعمٌ كاذب عندما يَفصِل الإنسان بين العقيدة والواقع، بين الفكرة والممارسة، وبين العلم والعمل، ثم يظل يجادل عن أحقِّيَّته بهذا الدين وعمق انتمائه له، وهو زعم كاذب؛ لأنه يترجم عدم ترسُّخ معاني تلك العقيدة، وحقائق تلك الفكرة، ومضامينُ ذلك العلم في ضمير كينونة هذا الإنسان الزاعم التحقُّقُ الفعلي بكل مستوياته بمفاهيم ذلك المنهج الذي يزعم الانتماء إليه.
إن الإنسان عندما يمنع تفعيل مضامين منهج الدين - كما أراده الله، سبحانه وتعالى - في النفس والواقع، فإنه لابُدَّ أن ينحرف عن الحق، ولابدَّ أن يتنكَّب منهج العدل، سواء في أُفُقه النفسي، أو في أُفُقه الاجتماعي، أو في أفقه الحضاري، ومن ثم تكون النتيجة الحتميَّة "مخادعة" المتابع لمسيرته التاريخيَّة والحضاريَّة، وبذلك يكون في حقيقته كاتمًا لحقائق هذا الدين، وصادًّا للناس عن اتِّباع هذا الدين، الذي أنزله الله - تعالى - للبشرية جمعاء، ولا عجبَ بعد هذا أن القرآن توعَّد هذا الإنسان بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ï´¾ [البقرة: 159]، ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ï´¾ [البقرة: 174]، ï´؟ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ï´¾ [النساء: 37]، ï´؟ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ï´¾ [آل عمران: 187].
صحيحٌ أنَّ الدين يظل دائمًا متضمِّنًا الحقَّ والهدى والعدل، بصرف النظر عن مدى التزام أتباعه بتعاليمه وتطبيقها في ذات أنفسهم وواقع حياتهم، ولكنْ صحيح أيضًا - أحسب ذلك - أن الدين عندما لا تكون هناك مصاديق في الواقع تؤكد على حقيقته وتترجم لقيمة مضامينه، ومن قبل عندما لا يكون له رصيدٌ نفسيٌّ في أعماق الضمير، وعقيدة واضحة في أبعاد العقل، عندما لا يكون الأمر كذلك، فإنَّ الدين يصير أشبه بالأسطورة الحالمة، والخرافة التاريخية التي لا تأثيرَ لها في واقع الناس إلاَّ من بعيد، فإن الدين إنما تكْمُن قيمتُه الحقيقيَّة في مدى مقدرته على تفعيل مضامين الفطرة الأولى التي فطر الله - تعالى - عليها الإنسان، وفي مدى قدرته على الارتقاء بالإنسان إلى أُفُق الإنسانيَّة الفاضلة، ومن الحقائق التي لا مجالَ للمجادلة فيها: أنَّ الدين يحيا بحياة أتباعه، ويموت بموت أتباعه، تلك حقيقة قرَّرتْها حقائق التاريخ البشري.
من أجل ذلك شنَّ القرآن الكريم حملةً واسعة وشديدة على هذا الصنف من الأتباع، أولئك الذين لا همَّ لهم إلاَّ الصرامة في تطبيق مظهريَّة الفعل في الممارسة دون إحساس جميل في أعماق النفس، وتصوُّرٍ واسع في فضاء العقل، إمَّا اعتقادًا منهم أنَّ ذلك هو لُبُّ الديانة وحكمة الشريعة، وإمَّا لأجل تحقيق بعض المكاسب القريبة باسم الدين.
ولك أن تنظر - من جملة ما تنظر فيه - في الآيات الثلاث التي سبقت هذه الآية المقصودة في هذا الفصل: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ï´¾ [البقرة: 174- 176]، انظر فقط في هذه الآيات؛ لتعي جيدًا شدةَ الحملة التي شنَّها القرآن على هؤلاء الأصناف من حملة الشريعة وأتباع الديانة[8].
فنحن في هذه الآيات أمام حقيقة مريعة، حقيقة تترجم الإنسانية عندما تؤثر أطماعَها وشهواتِها ورغباتِها على الحقِّ والعدل، حقيقة تصور الإنسانية عندما تتخلَّى عن هواتف الفطرة التي فطرها الله - تعالى - عليها ابتغاءَ أثمان قليلة، وأعواض زهيدة، حقيقة ترسم الإنسانية عندما تَصُدُّ نفسها عن الاستجابة لنداء السماء، إخلادًا إلى الأرض والفناء.
هؤلاء قوم آتاهم الله - تعالى - آياتِه وعلمهم كتابَه، فأبوا إلاَّ الكتمان، كتمان ما أنزل الله - تعالى - من الحق والهدى، وصد النَّاس عن سبيل الرشد والصلاح، وإبعادهم عن منهج الله - تعالى - في الحياة، إنَّ هؤلاء القوم يحرصون على الكتمان وصدِّ الناس عن الله - تعالى - خالقهم - جلَّ وعزَّ - لأجل الدنيا، لأجل مطامع قليلة لا تغنيهم عن الحق والعدل شيئًا، ومع ذلك يزعمون أنهم الملتزمون بتعاليم الشريعة.
إنَّ الحقيقة الوحيدة التي تتجلَّى من خلال موقف هؤلاء القوم: أن تعاليم هذا المنهج الرباني ومعارف تلك الحكمة التي أنزلها الله - تعالى - في كتابه وعلَّمها هذا الإنسان وفهَّمه حقائقها، أقول: تلك التعاليم وتلك المعارف لم تخالطْ بشاشتُها أعماقَ قلبه، ولم تلامس أبعادَ ضميره، وهذا هو مكمن الحقيقة ومجمع المشكلة، فالإنسان عندما لا تنفعل نفسه بتعاليم الشريعة، ولا تلامس حقائقها مجاهيل كينونته، عندها يفقد عمقَ التواصل مع حقيقة هذا الدين، ويفقد الأسسَ التي تُمكِّنه من التغيير في عالم النفس وعالم الواقع ، ولذلك ترى فيك كلَّ معاني الجاهليَّة إلاَّ معاني الإسلام.
إن من عجائب هذا المخلوق الإنساني أنه فكرةٌ وتطبيق، عقيدةٌ وحركة، ومن ثم يستحيل أن تترسَّخ عقيدةٌٌ ما في قلبه، وتتجذَّر فكرةٌ ما في ضميره، ويتأصَّل إحساسٌ ما في شعوره، ثم لا يسعى جاهدًا لترجمة تلك العقيدة واقعًا، ولا يجهد قوة لتفعيل تلك الفكرة عمليًّا، ولا يقاوم شدة لممارسة ذلك الإحساس سلوكًا.
إن هذه الحقيقة - بل قُلْ: هذه العجيبة - من عجائب التكوين الإلهي لهذا الكائن الضئيل المحدود، إنما تدل على عظمة هذا المخلوق الصغير، وثقل المسؤولية المطلوب منه القيام بحقوقها، وعظمة المهمة الكبيرة المكلَّف بها في هذا العالم.
ولك أن تنظر في هذه الكلمة التالية: ï´؟ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ï´¾ لتدرك أنها تصوِّر خير تصوير حقيقةَ التخلف والتناقض مع مكونات العقيدة من جهة، والانفصامَ والانصداع في الممارسة العملية من جهة أخرى في شخصية هذا الإنسان التعيس، فإنك إذا رجعت إلى أصول مفردة "الشراء" وهي: الشين والراء والحرف المعتل؛ أعني: الألف المقصورة "شرى"، ستجدها ترتد جميعًا إلى معنى: قوة التمسك بالشيء، والولوع به ولأجله، وهذا الإنسان الكاتم ما أنزل الله، والمنفصل بوعيه وممارسته عن منهج الدين، ابتغاء أثمان قليلة، إنما هو في حقيقته يعاني من أزمة نفسيَّة ومعرفيَّة، أزمة نفسيَّة؛ لأنَّ جمال التعاليم الربانيَّة لم تترسَّخْ في كينونته النفسيَّة، وأزمة معرفيَّة؛ لأنَّ حقائق الوجود الكبرى - وعلى مقدمتها حقيقة الخالقيَّة والمخلوقيَّة - لم تتمكَّنْ من التغلْغُل في أعماق كينونته العقليَّة، ولأنه - كذلك - لا يستطيع مقاومة بريق هذه "الأثمان القليلة" يدع تعاليم عقيدته جانبًا، ولا يلتفتُ إليها إلاَّ إذا ظنَّ أنها تُحقِّق له بعضًا من المكاسب والمنافع، ومن ثم تجدُه يتمسَّك بهذا الشيء الفاني ويهيج في محاولة الحصول عليه مهما كان الثمن.
يتبع