عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 09-02-2020, 02:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,710
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسيرُ آيات أحكام الحجّ لابن عثيمين

تفسيرُ آيات أحكام الحجّ لابن عثيمين(5)
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي

مقدمة:

الحمد لله، والصّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد،
فهذه الحلقة الخامسة من هذه السّلسلة الطيبة، التي نستخلص فيها من تفسير فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، ما ورد منه متعلّقاً بالآيات القرآنية الواردة في بيان مناسك الحج والعمرة.
ويجيء هذا العمل، والمسلمون يتفيّؤون ظلال موسم الرحمة، موسم الحج ّالمبارك، ويستروحون أريج نسائمه العطرة، فلا ريب أنّهم بأمسّ الحاجة لمعرفة أحكام مناسكهم، فما أروع أن يتعرّفوا عليها كذلك من خلال تفسير الشيخ ابن عثيمين لآيات المناسك.
ويتلخّص العمل الذي قمنا به، في مراجعة نصّ كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله مراجعة لغويّةً عامّة، ووضع عناوين تُيسّر قراءته.
تناولنا في أربعة الحلقات الماضية، تفاسير الآيات من الآية السّادسة والتسعين بعد المائة، إلى الآية التاسعة والتسعين بعد المائة، ونقف في هذه الحلقة عند الآيتين: الآية المائتين، والآية الحادية بعد المائتين، وذلك على النحو التّالي:
نصُّ الآية القرآنية:

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 200، 201].
الوحدة الأولى: قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}:

* قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} أي أنهيتم مناسككم؛ وذلك بالتحلل من النسك.
* قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أمر تعالى بذكره بعد فراغ النُّسك؛ لأن الإنسان إذا فرغ من العبادة قد يغفل عن ذكر الله.
* وقوله تعالى: {مناسككم} جمع منسك؛ وهو فيما يظهر اسم مصدر - يعني مصدراً ميمياً -؛ أي قضيتم نسككم؛ و «النسك» بمعنى العبادة؛ وهو كلُّ ما يتعبَّد به الإنسانُ لله؛ ولكن كثُر استعماله في الحج؛ وفي الذبح؛ ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام: 162].
* قوله تعالى: {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}؛ «ذِكر» هنا مصدر مضاف لفاعله؛ و«آباء» مفعول به؛ أي: كما تذكرون آباءكم، أو أشد ذكراً؛ و {أشدَّ} يشمل الشدة في الهيئة، وحضور القلب، والإخلاص؛ والشدةَ في الكثرة أيضاً؛ فيذكر الله ذكراً كثيراً، ويذكره ذكراً قوياً مع حضور القلب.
* وقوله تعالى: {كذكركم آباءكم} ؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يذكرون أمجاد آبائهم إذا انتهوا من المناسك؛ وكلٌّ يفخر بنسبه، وحَسَبه؛ فأمر الله تعالى أن نذكره -سبحانه وتعالى- كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً.
* وقوله تعالى: {أو أشد ذكراً} : قال كثير من النحويين: إن {أو} بمعنى: بل؛ أي بل أشد؛ وهو هنا متوجِّه؛ ويُشبِهها من بعض الوجوه قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]؛ وقد ذكر ابنُ القيم في قوله تعالى: {أو يزيدون} أن {أو} هنا ليست بمعنى «بل» ؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص -؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى «بل» تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشدَّ من ذكر الآباء.
الوحدة الثانية: قوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}:

* قوله تعالى: {فمن الناس} ؛ «من» للتبعيض؛ والمعنى: بعض الناس؛ بدليل أنها قوبلت بقوله تعالى: {ومنهم} ؛ فيكون المعنى: بعضهم كذا؛ وبعضهم كذا؛ وهذا من باب التقسيم؛ يعني: ينقسم الناس في أداء العبادة لا سيما الحج إلى قسمين.
* قوله تعالى: {مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} أي أعطنا في الدنيا؛ والمفعول محذوف؛ والتقدير: آتنا نصيبنا في الدنيا، بحيث لا يسأل إلا ما يكون في ترف دنياه فقط؛ ولا يسأل ما يتعلق بالدين؛ وربما يكون قوله تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا} شاملاً للقول باللسان، والقول بالحال- أي قد يقول صراحة -: ربنا آتنا في الدنيا مثلاً سكناً جميلاً؛ سيارة جميلة؛ وما أشبه ذلك؛ وربما يقوله بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأنه إذا دعا في أمور الدنيا أحضر قلبه، وأظهر فقره؛ وإذا دعا بأمور الآخرة لم يكن على هذه الحال.
* قوله تعالى: {وما له في الآخرة من خلاق} ؛ {ما} نافية؛ و {مِن خلاق} مبتدأ؛ وخبره الجار والمجرور: {له} ؛ ودخلت {مِن} على المبتدأ من أجل توكيد العموم؛ لأن {خلاق} نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ فإذا دخلت عليها {مِن} كان ذلك تأكيداً للعموم؛ و «الخلاق» بمعنى النصيب؛ يعني ما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لا يريد إلا الدنيا؛ فلا نصيب له في الآخرة مما دعا به؛ وقد يكون له نصيب من أعمال أخرى.
* قوله تعالى: {ومنهم} أي ومن الناس.
* قوله تعالى: {من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة} ؛ {حسنة} : مفعول «آتِ» الثاني؛ وأما {حسنة} الثانية فهي معطوفة على الأولى؛ يعني من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا، والآخرة؛ يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة؛ وحسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، مثل الصحة، وسعة الرزق، كثرة البنين، والزوجات، والقصور، والمراكب الفخمة، والأموال؛ وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}[يونس: 26] ؛ ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أعطي الكتاب بيمينه يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرحاً مسروراً.
* قوله تعالى: {وقنا عذاب النار}أي اجعل لنا وقاية من عذاب النار؛ وهذا يشمل شيئين:
الأول: العصمة من الأعمال الموجبة لدخول النار.
الثاني: المغفرة للذنوب التي توجب دخول النار.
الفوائد:

[1] من فوائد الآيتين: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله؛ لقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله}؛ وهذا كقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10] .
[2] ومنها: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله تعالى: {أو أشد ذكراً} [3] ومنها: أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم.
[4] ومنها: بيان انقسام الناس فيما يطلبون من الله، وأنَّ منهم ذوي الغايات الحميدة، والهمم العالية الذين يقولون: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}؛ ومنهم ذوو الغايات الذميمة، والهمم النازلة الذين يقولون: {ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} .
[5] ومن فوائد الآيتين: أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة؛ لقوله تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} .
[6] ومنها: أن الإنسان محتاج إلى حسنات الدنيا، والآخرة.
[7] ومنها: إثبات الآخرة.
[8] ومنها: إثبات النار، وعذابها.
[9] ومنها: إثبات علم الله، وسمعه، وقدرته؛ إذ لا يُدعى إلا من اتصف بذلك.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.87%)]