تفسيرُ آيات أحكام الحجّ لابن عثيمين
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
[11] وجوب الحلق على المحصر عند التّحلل ثبت بالسنة:
ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على المحصَر الحلقُ عند التحلل؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يذكره؛ وهو أحد القولين في المسألة؛ والقول الثاني: وجوب الحلق؛ لثبوته بالسنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر به، وغضب على الصَّحابة حين تأخَّروا في تنفيذه[12]؛ ولا يغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- لترك مستحب؛ لا يغضب إلا لترك واجب.
[12] عدم وجوب القضاء على المحصر:
ومنها: أنَّ المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لم يذكره؛ ولو كان القضاء واجباً لذكره الله -عز وجل- وهذا يشمل من حُصر في فريضة؛ ومن حصر في نافلة؛ لكن الفريضة إذا حُصر عن إتمامها يلزمه فعلها بالخطاب الأول؛ لا على أنه بدلٌ عن هذه التي أُحصر عنها؛ فمثلاً رجلاً شرع في حج الفريضة، ثم أحصر عن إتمامها، فذبح الهدي، وتحلل؛ فيجب الحج عليه بعد ذلك؛ لكن ليس على أنه قضاء؛ لكن على أنه مخاطب به في الأصل؛ وتسمية العمرة التي وقعت بعد صلح الحديبية عمرة القضاء ليست لأنها قضاء عما فات؛ ولكنها من «المقاضاة» -وهي المصالحة-؛ ولذلك لم يأت بها كلُّ من تحلل من عمرة الحديبية.
[13] ما يُشترط في هدي الإحصار:
ومن فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون هذا الهدي مما يصحُ أن يُهدَى: بأن يكون بالغاً للسن المعتبر سالماً من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لقوله تعالى: {من الهدي} ؛ و «أل» هنا للعهد الذهني المعلوم للمخاطب؛ وهو الذي قال فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا تذبحوا إلا مُسنَّة إلا إن تعسّر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن»[13].
فإن قال قائل: هل يؤكل من هذا الهدي أم لا؟
فالجواب: يؤكل؛ كلُّ شيء فيه: {فما استيسَر} فهو يؤكل؛ وأمَّا ما فيه: «فعليه» فإنه لا يؤكل؛ فجزاء الصيد لا يؤكل منه؛ وفدية الأذى لا يؤكل منها؛ لأن الله جعلها كفَّارة؛ أما ما استيسر من الهدي هنا، وفي التمتع فإنه يؤكل منه.
[14] تحريم حلق الرأس على المحرم:
ومن فوائد الآية: تحريم حلق الرأس على المحرم؛ لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم}؛ والنهي عامٌّ لكل الرأس، ولبعضه؛ إذاً لو حلق بعضه وقع في الإثم؛ لأنَّ النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه؛ فإذا قلت لك: «لا تأكل هذه الخبزة» وأكلت منها فإنك لم تمتثل.
[15] إنما نُهي عن حلق شعر الرّأس فلا يجوز قياس غيره به:
ومنها: أنه لا يحرم حلق شعر غير الرأس؛ لأن الله خص النهي بحلق الرأس فقط؛ وأما الشارب، والإبط، والعانة، والساق، والذراع، فلا يدخل في الآية الكريمة؛ لأنه ليس من الرأس؛ والأصل الحل؛ وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر؛ قالوا: لا يحرم على المحرم حلق شيء من الشعر المباح حلقه سوى الرأس؛ لأن الله سبحانه وتعالى خصه فقال: {ولا تحلقوا رؤوسكم} ؛ ولأن حلقه يفوت به نسك بخلاف غيره من الشعور؛ ولكن أكثر أهل العلم ألحقوا به شعر بقية البدن؛ وقالوا: إنه يحرم على المحرم أن يحلق أيّ شعر من بدنه حتى العانة -قياساً على شعر الرأس؛ لأن العلة في تحريم حلق شعر الرأس الترفه، وإزالة الأذى؛ وهذا حاصل في حلق غيره من الشعور؛ وهذا القياس غير صحيح لوجهين:
الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر النص، أو صريحه.
الوجه الثاني: أن بين شعر الرأس وغيره فرقاً كثيراً: فإن حلق شعر الرأس يتعلق به التحلل من النسك؛ فهو عنوان التحلل؛ بخلاف غيره من الشعور.
وأما التعليل بأنه للترفه، ودفع الأذى ففيه نظر؛ ثم لو سلمنا ذلك فأين دفع الأذى في حلق شعر العانة، وشعر الساق، ونحو ذلك؟! وأين الدليل على منع المحرم من الترفه مع أنه يجوز له التنظف، والاغتسال، والتظلل من الشمس، واستعمال المكيفات؟!
وهل تلحق الأظافر بشعر الرأس؟
الجواب: لا تُلحق؛ فالأظافر ليست شعراً؛ وليست في الرأس أيضاً؛ فهي أبعد من إلحاق شعر بقية البدن بشعر الرأس؛ ووجه البعد أنها ليست من نوع الشعر؛ صحيح أنها تشبه الشعر من حيث إنها جزء منفصل؛ لكنها ليست من نوع الشعر؛ ولذلك من لم ير تحريم حلق شعر بقية البدن فإنه لا يرى تحريم قص الأظافر من باب أولى؛ ولكن جمهور أهل العلم على أن تقليم الأظافر محرم على المحرِم قياساً على تحريم حلق شعر الرأس؛ والعلة: ما في ذلك من الترفه، والتنعم؛ ولكن هذه العلة غير مسلمة:
أولاً: لأن العرب في زمنهم لا يترفهون بحلق الرأس؛ بل الرفاهية عندهم إنما هي في إبقاء الرأس، وترجيله، وتسريحه، ودهنه، والعناية به؛ فليست العلة إذاً في حلق شعر الرأس: الترفه.
ثانياً: أن العلة لا بد أن تطَّرد في جميع معلولاتها؛ وإلا كانت باطلة؛ وهذه العلة لا تطرد بدليل أن المحرم لو ترفه، فتنظف، وتغسل، وأزال الوسخ عنه، ولبس إحراماً جديداً غير الذي أحرم به لم يحرم عليه ذلك.
وأقرب شيء للتعليل أن في حلق الرأس حال الإحرام إسقاطاً للنسك الذي هو حلْقُه عند التحلل؛ وهذا لا يساويه حلق بقية الشعر، أو تقليم الأظافر؛ ولكن نظراً لأن جمهور أهل العلم ألحقوا ذلك بشعر الرأس فالاحتياط تجنُّب ذلك مراعاة لقول الجمهور.
[16] أخذ شعرةٍ أو شعرتين لا يُسمّى حلقاً:
ومن فوائد الآية: أن المحرَّم ما يسمى حلقاً؛ فأما أخذ شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق؛ وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين؛ وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين؛ وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم؛ أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ أو صيام ثلاثة أيام؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس؛ فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه؛ وهذا لا شك أنه تحكم لا دليل عليه؛ فلا يكن صحيحاً؛ بل هو ضعيف؛ وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى؛ ومعنى يماط: يزال؛ أي بما يحصل به إزالة الأذى؛ وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس؛ قالوا: لأن الله تعالى قال: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية ... } ؛ فدل هذا على أن المحرَّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى؛ وهذا مذهب مالك؛ وهو صحيح من حيث أنَّ الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط؛ لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط؛ فالتحريم يتعلق بما يسمى حلقاً؛ والفدية تتعلق بما يماط به الأذى.
فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم؛ فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟
فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}؛ هذا عام لكل حلق؛ فكل ما يسمى حلقاً فإنه منهي عنه لهذه الآية؛ ثم قال تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية}؛ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقاً يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: {أو به أذًى}؛ فلو قدرنا محرِماً رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئاً يسيراً لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى؛ ويدل لذلك فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-: فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه[14]؛ ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة؛ ولم ينقل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- افتدى؛ فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى دون الشيء اليسير.
[17] هل يجوز الحلق قبل النّحر؟
ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز الحلقُ إلا بعد النحر؛ لقوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} ؛ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم مستدلين بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إني لبَّدتُ رأسي وقلَّدت هديي؛ فلا أحِلُّ حتى أنحر»[15]؛ وهؤلاء الذين قالوا به عندهم ظاهر الآية الكريمة؛ وفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «فلا أحل حتى أنحر» ؛ لكن قد وردت الأحاديث بجواز التقديم، والتأخير تيسيراً على الأمة؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل في يوم العيد عن التقديم، والتأخير؛ فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال -صلى الله عليه وسلم-: «افعل ولا حرج»[16].
[18] جواز حلق الرأس للمرض والأذى:
ومن فوائد الآية: جواز حلق الرأس للمرض، والأذى؛ لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ... } إلخ.
[19] وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه:
ومنها: وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه؛ وهي إما صيام ثلاثة أيام؛ وإما إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ وإما ذبح شاة تُفرّق على الفقراء -كما بينت ذلك السنة-؛ والسنة تبين القرآن، كما قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ؛ والتبيين يشمل تبيين اللفظ، وتبيين المعنى.
[20] و[21] الفدية على المحرم إذا حلق رأسه تكون على التخيير وذلك من التيسير:
ومن فوائد الآية: أن هذه الفدية على التخيير؛ لأن هذا هو الأصل في معاني «أو» .
ومنها: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير.
[22] أين يكون الإطعام والنسك والصيام؟
ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك؛ أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء -رحمهم الله- من كونه يصح في كل مكان؛ لكن الفورية فيه أفضل.
[23] الكفارة تفدي من العقوبة:
ومنها: أن كفارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة ... } .
[24] محظورات الإحرام لا تفسده:
ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس -مع أنه من محظورات الإحرام- إلا الفدية؛ ومقتضى ذلك أن النسك صحيح؛ وهذا مما يخالف الحجُّ، والعمرةُ فيه غيرَهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها؛ وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين؛ وهما الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد؛ فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة؛ وجزاء الصيد يجب فيه مثله؛ أو إطعام مساكين؛ أو عدل ذلك صياماً؛ وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم.
[25]و[26]و[27] جواز التمتع بالعمرة إلى الحج، وأنّ التمتّع يعني الحِلّ الكامل:
-ومن فوائد الآية: جواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ أي أن يأتي الإنسان بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها؛ ويبقى حِلاً إلى أن يأتي وقت الحج؛ وكانوا في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ويقولون: «إذا انسلخ صفر، وبرأ الدَّبَر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر» ؛ لكن الله سبحانه وتعالى يسَّر وبيَّن أنه يجوز للإنسان القادم في أشهر الحج أن يتحلل بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج.
-ومنها: أنه إذا حلَّ من عمرته حلَّ الحِلَّ كله؛ لقوله تعالى: {فمن تمتع} ؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك.
-ومنها: أنَّ من لم يحلّ من عمرته لا يُسمَّى متمتعاً؛ لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} ؛ وعلى هذا فالقارنُ ليس بمتمتع؛ وهو كذلك عند الفقهاء أن القارن غير متمتع؛ لكن ذكر كثيرٌ من أهل العلم أن القارن يسمى متمتعاً في لسان الصحابة؛ وذلك؛ لأن بعض الصحابة عبر عن حج النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتمتع، فقالوا: تمتع النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج؛ ومن المعلوم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يحِل من إحرامه؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «لا شك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حج قارناً؛ والمتعة أحب إليّ»[17] ؛ ولهذا كان وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع؛ ووجوب الهدي على القارن فيه خلاف؛ وجمهور أهل العلم على وجوب الهدي عليه؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في العلة: هل هي حصول النسكين في سفر واحد؛ فيكون قد ترفه بسقوط أحد السفرين؛ أو العلة التمتع بالتحلل بين العمرة، والحج؛ فمن قال بالأول أوجب الهدي على القارن؛ ومن قال بالثاني لم يوجبه؛ لأنه لم يحصل للقارن تحلل بين النسكين.
[28]و[29] من التيسير أنّه لا يجب الاقتراض للهدي:
-ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على الإنسان أن يقترض للهدي إذا لم يكن معه ما يشتري به الهدي -ولو كان غنياً- لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي}.
-ومنها: تيسير الله على العباد؛ لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} ؛ والدين كله من أوله إلى آخره مبني على اليسر.
[30] بلاغة القرآن:
ومنها: بلاغة القرآن؛ لقوله تعالى: {فمن لم يجد}؛ فحُذف المفعول للعموم ليشمل من لم يجد الهدي، أو ثمنه؛ فاستفيد زيادة المعنى مع اختصار اللفظ.
[31] و[32] متى يصوم من لم يجد الهديَ أو ثمنه؟
-ومنها: أن من لم يجد الهدي، أو ثمنه، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج: أولها من حين الإحرام بالعمرة؛ وآخرها آخر أيام التشريق؛ لكن لا يصوم يوم العيد؛ لتحريم صومه؛ ولا ينبغي أن يصوم يوم عرفة؛ ليتفرغ للدعاء والذكر وهو نشيط؛ وعلى هذا فيجوز لمن كان عادماً للهدي من متمتع أو قارن أن يصوم من حين إحرامه بالعمرة.
فإن قال قائل: هذا ظاهر في القارن؛ لأنه إذا صام من حين إحرامه فقد صام في الحج؛ لكنه في المتمتع فيه إشكال؛ لأن المتمتع يحِلُّ بين العمرة والحج؟
والجواب: عن هذا الإشكال أن نقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دخلت العمرة في الحج»[18]؛ ولأنَّ المتمتع من حين إحرامه بالعمرة فقد نوى أن يحج.
-ومن فوائد الآية: أن صيام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم}
[33] و[34] جوز التّتابع والتفريق في صوم الأيام الثلاثة والأيام السَّبعة:
-ومنها: أنه يجوز التتابع، والتفريق بين الأيام الثلاثة،والأيام السبعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أطلق، ولم يشترط التتابع؛ ولو كان التتابع واجباً لذكره الله، كما ذكر وجوب التتابع في صيام كفارة القتل، وصيام كفارة الظهار.
-ومنها: تيسير الله -تبارك وتعالى- على عباده، حيث جعل الأكثر من الصيام بعد رجوعه؛ لقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم}.
[35] لا يجب على مَن كان حاضر المسجد الحرام هدي ولا صيام:
ومنها: أن الهدي، أو بدله من الصيام لا يجب على من كان حاضر المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ؛ وقد سبق أن الصحيح أنهم من كانوا داخل حدود الحرم؛ وعلى هذا إذا تمتع أهل جدة، أو الطائف، أو أهل الشرائع فعليهم الهدي.
ولكن هل لحاضر المسجد الحرام التمتع؟
الجواب: نعم؛ لأن حاضر المسجد الحرام قد تدخل عليه أشهر الحج وهو خارج مكة، ثم يرجع إلى أهله في مكة في أشهر الحج، فيحرم بعمرة يتمتع بها إلى الحج.
فإن كان شخص في مكة للدراسة، لكن وطنه الرياض، أو المدينة، وتمتع فعليه الهدي؛ لأن أهله ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وإقامته في مكة ليست إقامة استيطان؛ والمراد أن يكون مستوطناً في مكة.
وإذا كان له مَقَرَّان -في الطائف وفي مكة-؛ يعني من أهل مكة والطائف، فهنا نقول: إن نظرنا إلى مقره في الطائف قلنا: ليس من حاضري المسجد الحرام؛ وإن نظرنا إلى مقره في مكة قلنا: هو من حاضري المسجد الحرام؛ فنعتبر الأكثر: إذا كان أكثر إقامته في الطائف فليس من أهل المسجد الحرام؛ وإذا كان أكثر إقامته في مكة فهو من حاضري المسجد الحرام.
[36] فضيلة المسجد الحرام:
ومن فوائد الآية: فضيلة المسجد الحرام؛ لوصف الله سبحانه وتعالى له بأنه حرام -أي ذو حرمة-؛ ومن حرمته تحريمُ القتال فيه، وتحريم صيده، وشجره، وحشيشه، وأنَّ من أراد الإلحاد فيه بظلم أذاقه الله من عذاب أليم؛ وبسط ذلك في المطولات.
[37] وجوب التقوى:
ومنها: وجوب تقوى الله عز وجل، وتهديد من خالف ذلك؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} .
[38] و[39] و[40] أهمية العلم بشدّة عقوبة الله تعالى، وأنه لا ينافي الرحمة:
-ومنها: أن العلم بشدة عقوبة الله من أهم العلوم؛ ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى به بخصوصه؛ لأنه يورث الخوف من الله، والهرب من معصيته.
-ومنها: أن العقوبة على الذنب لا تُنافي الرّحمة؛ إذ من المعلوم أن رحمة الله سبقت غضبه؛ لكن إذا عاقب من يستحق العقاب فإنَّ ذلك من رحمة المعاقب؛ لأنّ هذه العقوبة إن كانت في الدنيا فهي كفارة له؛ وإن كانت في الآخرة فما دون الشرك أمره إلى الله: إن شاء عذب؛ وإن شاء غفر.
-ومنها: أن شدة العقاب من كمال المعاقِب، وبسط قوته، وسلطانه؛ ولا يوصف الله سبحانه وتعالى إلا بالكمال؛ بل أمَرَنا أن نعلم ذلك في قوله تعالى: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98] ؛ إذاً فإذا عاقبت ولدك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة، فأكبرت العقوبة فإنك تُحمَد، ولا تذم؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»[19]؛ لأنه إذا بلغ عشراً صار تركه إياها، والإخلال بها أعظم.
تنبيه:
كثير من الناس كلما رأوا مخالفة من شخص في الإحرام قالوا: «عليك دم» ؛ لو قال: حككت رأسي فسقطت منه شعرة بدون اختيار ولا قصد قالوا: «عليك دم» ؛ وهذا غلط:
أولاً:لأنه خلاف ما أمر الله به؛ والله أوجب واحدة من ثلاث: صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك؛ فإلزامهم بواحدة معينة فيها تضييق عليهم، وإلزام لهم بما لا يلزمهم.
ثانياً:أن الدم في أوقات النحر في أيام منى غالبه يضيع هدراً؛ لا ينتفع به.
ثالثاً:أن فيه إخفاءً لحكم الله عز وجل؛ لأن الناس إذا كانوا لا يفدون إلا بالدم، كأنه ليس فيه فدية إلا هذا؛ وليس فيه إطعام، أو صيام! فالواجب على طالب العلم أن يختار واحداً من أمرين:
* إما أن يرى الأسهل، ويفتي بالأسهل.
* وإما أن يقول: عليك هذا، أو هذا، أو هذا؛ واختر لنفسك.
أما أن يذكر الأشد فقط، ويسكت فهذا خلاف ما ينبغي للمفتين.
المراجع
[1] أخرجه مسلم ص1028، كتاب الأضاحي، باب 2: سن الأضحية، حديث رقم 5082 [13] 1963.
[2] راجع البخاري ص10، كتاب العلم، باب 23: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، حديث رقم 83؛ ومسلماً ص895، كتاب الحج، باب 57: جواز تقديم الذبح على الرمي ... ، حديث رقم 3156 [327] 1306.
[3] أخرجه البخاري ص123 - 124، كتاب الحج، باب 34: التمتع والقران، والإفراد ... ، حديث رقم 1566، وأخرجه مسلم ص883، كتاب الحج، باب 25: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، حديث رقم 2984 [176] 1229.
[4] لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «فَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ» رواه البخاري (1816).
[5] أخرجه البخاري ص12، كتاب العلم، باب 37: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث رقم 104، وأخرجه مسلم ص903 - 904، كتاب الحج، باب 82: تحريم مكة وتحريم صيدها ... ، حديث رقم 3304 [446] 1354.
[6] سبق تخريجه ص1/91.
[7] راجع صحيح البخاري ص132، كتاب الحج، باب 98: من قدم ضعفة أهل بليل ... ، حديث رقم 1681، وصحيح مسلم ص892، كتاب الحج، باب 49: استحباب تقديم الضعفة من النساء وغيرهن، حديث رقم 3118 [293] 1290.
[8] أخرجه مسلم ص862، كتاب الصيام، باب 32 جواز صوم النافلة ... ، حديث رقم 2715 [170] 1154.
[9] أخرجه البخاري ص217 - 219، كتاب الشروط، باب 15: الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم 2731، 2732.
[10] أخرجه البخاري ص440، كتاب النكاح، باب 16: الأكفاء في الدين وقوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشر فجعله نسباً وصهراً) ، حديث رقم 5089، وأخرجه مسلم ص876، كتاب الحج، باب 15: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، حديث رقم 2902 [104] 1207.
[11] أخرجه البخاري ص171، كتاب البيوع، باب 96: بيع الشريك من شريكه، حديث رقم 2213، وأخرجه مسلم ص957، كتاب المساقاة، باب 28 الشفعة، حديث رقم 4128 [134] واللفظ للبخاري.
[12] راجع حاشية (2) 2/398.
[13] سبق تخريجه 2/392.
[14] أخرجه البخاري ص144، كتاب جزاء الصيد، باب 11: الحجامة للمحرم، حديث رقم 1836، وأخرجه مسلم ص875، كتاب الحج، باب 11: جواز الحجامة للمحرم، حديث رقم 2886 [88] 1203.
[15] سبق تخريجه 2/393، حاشية رقم (2).
[16] أخرجه البخاري ص10، كتاب العلم، باب 23: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها حديث رقم 83، وأخرجه مسلم ص894، كتاب الحج، باب 57: جواز تقديم الذبح على الرمي. حديث رقم 3156 [327] 1306.
[17] أخرجه البخاري ص133، كتاب الحج، باب 104: من ساق البدن معه، حديث رقم 1692؛ وأخرجه مسلم ص883، كتاب الحج، باب 24، وجوب الدم على المتمتع ... ، حديث رقم 2983 [175] 1228.
(1) [18] أخرجه مسلم ص880 - 881، كتاب الحج، باب 19: حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-، حديث رقم 2950 [147] 1218.
(1) [19] أخرجه أحمد ج2/187، حديث رقم 6756، وأخرجه أبو داود ص1259، كتاب الصلاة، باب 26: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث رقم 495، وفيه سوار بن أبي حازم قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح 1/145، وله شاهد من حديث سبرة بن معبد (الإرواء 1/266) .