استئجار الدابة بعلفها وصيانتها وحفظها
أ. د. عبدالله بن مبارك آل سيف
صورة المسألة: أن يستأجر شخص دابة لينتفع بها، وتكون الأجرة علفها وصيانتها وحفظها، فهل يجوز كون مثل ذلك أجرة في عقد الإجارة أو لا؟ قولان للعلماء.
اختيار ابن تيمية:
اختار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - جواز استئجار الدابة بعلفها، خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة [1].
أقوال العلماء في المسألة:
القول الأول:
عدم الجواز.
وهو مذهب الحنفية [2]، والشافعية [3]، والحنابلة [4].
القول الثاني:
الجواز.
وهو مذهب المالكية [5]، ورواية في مذهب الحنابلة [6]، رجحها بعض الحنابلة، واختارها ابن تيمية وابن القيم [7].
أدلة القول الأول:
1- لأن العوض مجهول معدوم، ولا يدرى أيوجد أو لا؟. والأصل عدمه، ولا يصح أن يكون ثمناً [8].
ونوقش:
أ- أنكم جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها.
وأجيب عن المناقشة:
إنه إنما جاز ثمَّ تشبيهاً بالمضاربة؛ لأنها عين تنمّى بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء [9].
ب- لا نسلم الجهالة فهو معلوم بالعرف والعادة.
2- استدلوا بدليل الإجماع على ذلك، حيث حكى ابن قدامة أنه لا يعلم مخالفاً في ذلك[10].
ونوقش:
أنه لا ينعقد إجماع مع وجود خلاف ممن ذكر في القول الثاني.
أدلة القول الثاني:
1- القياس على استئجار الأجير بطعامه [11].
2- أن علف الدابة معروف بالعادة، وهذا يرفع عنه صفة الجهالة فيكون معلوماً، والعادة محكمة كما قرر الفقهاء [12].
3- أن الحاجة تدعو إلى ذلك، فقد يكون صاحب الدابة مسافراً، ويحتاج لمن يحفظ له دوابه أثناء سفره، والغالب أنه لايجد من يقوم بها مجاناً.
الترجيح:
والراجح - والله أعلم - هو القول الثاني:
1- لقوة دليله وحجته.
2- ضعف أدلة المخالفين.
3- مناقشته أدلتهم.
4- سلامة هذا القول من التناقض والاضطراب، إذ لما رأى أصحاب القول الأول الحاجة العامة لذلك تحايلوا عليه بما هو أشد تحريماً من المحرم، قالوا: والحيلة أن يسمي ما يعلم أنه محتاج إليه من العلف فيجعله أجرة ثم يوكله في إنفاق ذلك عليها [13].
5- أن الأصل في المعاملات الإباحة.
وسبب الخلاف:
هو الخلاف في إثبات الجهالة في الأجرة أو نفيه، فمن منع: زعم الجهالة هنا، ومن جوز: نفي الجهالة، والله أعلم.
[1] انظر: الفتاوى الكبرى: (5/ 407)، الاختيارات: (101)، الإنصاف: (6/ 11، 16)، كشاف القناع: (3/ 553)، مطالب أولي النهى: (3/ 594).
[2] انظر: المبسوط: (16/ 33-34)، بدائع الصنائع: (4/ 193)، الجوهرة النيرة: (1/ 260)، البحر الرائق: (7/ 298)، درر الحكام: (2/ 232)، حاشية ابن عابدين: (6/ 48-49)، غمز عيون البصائر: (1/ 300).
[3] انظر: روضة الطالبين: (5/ 175)، حاشية قليوبي وعميرة: (3/ 69)، تحفة المحتاج: (6/ 127)، مغني المحتاج: (2/ 452)، حاشية الجمل: (3/ 534)، تحفة الحبيب: (3/ 209)، التجريد لنفع العبيد: (3/ 166).
[4] انظر: المغني: (8/ 15، 70)، الفروع: (4/ 423)، إعلام الموقعين: (3/ 358)، الإنصاف: (6/ 11، 16)، كشاف القناع: (3/ 553)، شرح المنتهى: (2/ 354)، مطالب أولي النهى: (3/ 594).
[5] انظر: المدونة: (3/ 478)، التاج والإكليل: (7/ 568)، حاشية الخرشي: (7/ 34)، حاشية الدسوقي: (4/ 35)، منح الجليل: (8/ 3)، حاشية الصاوي: (4/ 55).
[6] انظر: الفتاوى الكبرى: (5/ 407)، الفروع: (4/ 423)، كشاف القناع: (3/ 553)، مطالب أولي النهى: (3/ 594)، الاختيارات: (151)،.
[7] انظر: إعلام الموقعين: (3/ 358)، إغاثة اللهفان: (2/ 7).
[8] انظر: المغني: (8/ 16)، تحفة المحتاج: (6/ 127)، حاشية ابن عابدين: (6/ 48-49)، بدائع الصنائع: (4/ 193)، كشاف القناع: (3/ 553).
[9] انظر: المغني: (8/ 16).
[10] انظر: المغني: (8/ 16، 70).
[11] انظر: كشاف القناع: (3/ 553)، مطالب أولي النهى: (3/ 594)، المدونة: (3/ 478)، إغاثة اللهفان: (2/ 7).
[12] انظر: التاج والإكليل: (7/ 568).
[13] انظر: إعلام الموقعين: (3/ 358)، إغاثة اللهفان: (2/ 7)، حاشية ابن عابدين: (6/ 49).