
09-02-2020, 02:24 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة :
|
|
رد: أريجُ المَنْشَط في مسائل الإيمان الأوسط
أريجُ المَنْشَط في مسائل الإيمان الأوسط
لشيخ الإسلام ابن تيمية
أم لبابة بنت أحمد محمد
الثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟
أما "الأول" فإن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت في الأعيان أو الأعراض - إذا زال بعض تلك الأمور، فقد يزول سائرها، وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سُمِّيت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها.
وما مثَّلوا به من العشرة مطابق لذلك؛ فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة، فإذا زال أحد جزأي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكثر ما يقولون: زالت الصورة المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة، فيقال: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولا يدَّعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه.
وأما زوال الاسم فيقال لهم هذا:
"أولاً" بحث لفظي إذا قدر أن الإيمان له أبعاد وشُعَب؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، وكما أن الصلاة والحج له أجزاء وشُعَب، ولا يلزم من زوال شعبة من شُعَبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه، لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت، يبقى النزاع: هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء؟ فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين:
منها: ما يكون التركيب شرطًا في إطلاق الاسم، ومنها: ما لا يكون كذلك؛ فالأول كاسم العشَرة.
ومنها: ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء؛ فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة، وهي بعد النقص حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك، وكذلك لفظ العبادة والطاعة، والخير والحسنة، والإحسان والصدقة والعلم ونحوه، وكذلك لفظ "القرآن"، فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمِّي قرآنًا.
واسم "الإيمان" من هذا الباب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بِضع وسبعون شُعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))، ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزُلِ اسمُ الإيمان، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: ((يخرج من النار مَن كان في قلبه مثقالُ حبَّة من إيمان))، فأخبر أنه يتبعَّضُ ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسمَ الإيمان مِثلُ اسم القرآن والصلاة والحج، ونحو ذلك.
(الأصل الثاني): أن شُعَب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قَوِي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بُغْضَ أعداء الله؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ï´¾ [المائدة: 81]، وقد تحصُل للرجل موادتهم لرَحِمٍ أو حاجة فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطبِ بن أبي بلتعة.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن حلف بغير الله، فقد أشرَك)).
وبهذا تبيَّن أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص؛ لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعضُ أجزائه؛ كما قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرِقُ السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ حين يشربها وهو مؤمن)).
• ناقِشْ مذهبَ الإمام أبي حنيفة في الإيمان، موضحًا وجه مخالفته لمذهب السلف فيه.
مذهب أبي حنيفة يختلف عن مذهب الجمهور في مسائل:
الأولى: تعريف الإيمان:
يقول الأحناف: إن الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب والإقرار باللسان، فيجعلون أعمال الإسلام ليست داخلة في الإيمان، فيقولون الإيمان: هو الإقرار والتصديق، وهو مذهب المرجئة، وإن كان هذا ما يقول به المرجئة فإن ما ذهب إليه أبو حنيفة لا يصِلُ إلى الإرجاء الخالص المطلَق، الذي يزعم أصحابه أنه: لا يضرُّ مع الإيمان معصية؛ فالإمام أجلُّ مِن أن يقع في مثل ذلك، كما أنه ثبَت عنه إنكارُه لمذهب المرجئة في ذلك.
أما مذهب أهل السنَّة: فذهبوا إلى أن الأعمال داخلةٌ في مسمى الإيمان، وأن الإيمان له شُعَبٌ وله فروع، كلها تسمى إيمانًا، فتسمى الصلاة إيمانًا، أو شُعبة من الإيمان، والشَّهادتان إيمان، أو بعض من أصل الإيمان.
الثانية: أن الإيمانَ لا يزيدُ ولا ينقص.
فقد أجمعت المصادر التي تحكي رأيه في هذه المسألة على أنه قد ذهب إلى ذلك، قال في (الفقه الأكبر): "… وإيمان أهل السماء والأرض لا يَزيد ولا ينقص، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضِلون في الأعمال".
وأجيب على ذلك: بأن ذلك مخالف للعقل وسليم المنطق، من أن الناس لا يمكن أن يتساوَوْا مع أنبيائهم في الإيمان، وكذلك تواترت النصوصُ على خلاف ذلك؛ قال تعالى: ï´؟ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [الزمر: 9]، وقال تعالى: ï´؟ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ï´¾ [آل عمران: 173]، وقال تعالى: ï´؟ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ï´¾ [المدثر: 31].
وكلامُ السلف أيضًا يخالف هذا القول؛ قال الإمام أحمد: كان بَدءُ الإيمان ناقصًا، فجعَل يزيد حتى كمل؛ ولهذا قال تعالى عامَ حَجَّة الوداع: ï´؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ï´¾ [المائدة: 3].
ثالثًا: ملازمة الإسلام للإيمان مع افتراق مفهوميهما.
ودفاعًا عن أبي حنيفة:
• فقد ذكر ابن عبدالبر وابن أبي العز ما يُشعِر أن أبا حنيفة رجع عن ذلك، "التمهيد" (9/247)، "شرح العقيدة الطحاوية" (ص395)، فقال ابن أبي العز: والظاهر أن هذه المعارضات لم تثبُتْ عن أبي حنيفة، وإنما هي مِن الأصحاب؛ فإن غالبها ساقطةٌ لا يرتضيها أبو حنيفة.
• وحكى الطحاويُّ حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روى له حديث: (أي الإسلام أفضل؟) إلى آخره، قال له: ألا تراه يقول: (أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان)، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان؟ فسكت أبو حنيفة، فقال بعضُ أصحابه: ألا تُجِيبه يا أبا حنيفة؟ قال: بمَ أجيبُه، وهو يحدِّثُني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
• ولما كان كثيرٌ مِن أتباع أبي حنيفة على مذهب الأشاعرة والماتريدية، دخَل المذهب كثيرٌ مما يخالف اعتقاد السلف، بل ويخالف اعتقادَ الإمام نفسه؛ ولذلك فإن كثيرًا مما ينسب إلى أبي حنيفة من ذلك لا يثبُتُ عنه، وإنما هو مِن كلام بعض أتباعه ممن ينتسب إلى مذهبه.
قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: "والظَّاهر أن هذه المعارضات لم تثبُتْ عن أبي حنيفة رحمه الله، وإنما هي من الأصحاب؛ فإن غالبَها ساقطٌ لا يرتضيه أبو حنيفة"؛ انتهى من "شرح العقيدة الطحاوية" (ص 226).
قائلُ هذه المقولة غيرُ مصيب؛ لأنه لا بد مِن وجود الإرادة الجازمة حتى يوجد المراد.
فلا القدرة وحدها بدون إرادة تكفي لإيجاد المراد، ولا الإرادة وحدها بدون القدرة تكفي لإيجاد المراد، فلابد من الاثنين معًا.
فلا ريب أنه ليس كل معلومٍ مرادًا محبوبًا ولا مقدورًا، ولا كل مقدورٍ مرادًا محبوبًا.
ومن المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المَخُوف تقتضي خوفه، فنفس العلم والتصديق بالله وما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى يوجب محبة القلب له، وتعظيمه وخشيته؛ وذلك يوجب إرادة طاعته، وكراهية معصيته.
فالعبد إذا كان مريدًا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها، صلَّى، فإذا لم يُصلِّ مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادةِ.
ويؤكد ما ذُكر: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما، فالقاتلُ والمقتول في النار))؛ فإن المقتولَ أراد قتل صاحبه، فعمِل ما يقدر عليه من القتال، وعجَز عن حصول المراد، وكذلك الذي قال: (لو أن لي مِثل ما لفلان، لعمِلت فيه مثل ما يعمل فلان)؛ فإنه فعل ما يقدِر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر على غير ذلك؛ ولهذا كان مَن دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار مَن اتبعه، مِن غير أن ينقص من أوزارهم شيء؛ لأنه أراد ضلالهم، ففعل ما يقدر عليه من دعائِهم؛ إذ لا يقدِرُ إلا على ذلك.
• قال شيخ الإسلام: (والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة)، اذكر خمسة من هذه الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام مع شرحها بإيجاز؟
1- الأعمال الظاهرة:
والناس يتفاضلون فيها، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان.
والأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان وموجباته؛ فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر.
2- زيادة أعمال القلوب ونقصها:
وأعمال القلوب من محبة الله ورسوله، والخشية منه سبحانه، والإنابة إليه، وغيرها مما يتفاضل الناس فيه، وكذلك يتفاضلون في سلامة القلب من أمراضه؛ كالعُجْب والكِبْر وغيره، فإن وجد هذا التفاضل اختلف إيمان الناس حسب ذلك، ودليل ذلك في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاثٌ مَن كن فيه وجد حلاوة الإيمان: مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومَن كان يحبُّ المرء لا يحبه إلا لله، ومَن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار))، وقال تعالى: ï´؟ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ï´¾ [التوبة: 24].
وقال صلى الله عليه وسلم: ((أكملُ المؤمنين إيمانًا: أحسنهم خُلقًا)).
3- أن نفس التصديق والعلم في القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل:
فليس تصديقُ مَن صدق الرسول مجملاً من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته، والجنة والنار، والأمم، وصدَّقه في ذلك كله، وليس من التزم طاعته مجملاً ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلاً وأطاعه فيه.
4- أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي مِن القدرة والإرادة، والسمع والبصر، وغيرها:
فإن الناس تتفاوت في سماع الأصوات، وكذلك في رؤية الأشياء، فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت، فكذلك الإخبار عنه يتفاوت.
5- أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها:
فإن الشيء كلما قوِيَت أسبابه، وتعددت وانقطعت موانعه واضمحلَّت، كان أوجبَ لكماله وقوته وتمامه، فمن كان مستندُ تصديقِه ومحبتِه أدلةً توجب اليقينَ وتبين فساد الشبهة العارضة، لم يكن بمنزلة مَن كان تصديقه لأسباب دون ذلك.
فمن كانت عنده العلوم التي تدفع الشبهات مباشرة، فإيمانه بالتأكيد ليس كإيمان مَن يحتاج إلى النظر والبحث.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|