محاولة للتعرف على الحياة الواقعية في بيئة ابن تيمية
من خلال كتاب
"مختصر الفتاوى المصرية"
أ. محمد خير رمضان يوسف
3 - وينبه إلى بدعة أخرى في باب صلاة التطوع بقوله (ص: 74):
قراءة سورة الأنعام في ركعة واحدة في رمضان أو غيره بدعة، سواء تحرّوا الليلة بعينها أو لا، كما يفعله بعض الناس، يقرؤونها في آخر ركعة من صلاة الوتر، يطول على الناس، ويهذها هذًّا مكروهًا.
4 - وينقد بدعة أخرى في هذا الباب فيقول (ص: 74):
"وصلاة القدر التي تصلى بعد التراويح ركعتين في آخر الليل، يصلون تمام مائة ركعة، بدعة مكروهة، والاجتماع المعتاد في المساجد على صلاة مقدرة بدعة".
5 - ويبدو أن إمام البلد كان يرسل جندًا لحماية الحجاج في طريقهم إلى الحج، يقول المؤلف (ص: 297):
"وإذا ندب الإمام من يحج لخفارة الحاج المرتبين في الديوان، وأمر الجماعة الذين لم يخرجوا أن يعطوا الذي يحج ما يحتاجه، فله أجر ذلك، وهو حلال".
6 - ويتحدث عن تصرفات غريبة لأشخاص يدَّعون التدين (ص: 392):
"ومن كان زنديقًا كالحلولية والإباحية، ومن يفضل متبوعه على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يعتقد أنه لا يجب عليه في الباطن اتباع شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أنه إذا حصلت له المعرفة والتحقيق سقط عنه الأمر والنهي، أو أن العارف الصوفي المتحقق يجوز له التدين بدين اليهود والنصارى، فلا يجب عليه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأمثال هؤلاء، فإن هؤلاء كلَّهم منافقون زنادقة، وإذا ظهرت على أحدهم دلائل ذلك وجب قتلُه باتفاق المسلمين، وهم كثيرون في هذه الأزمنة، لا كثرهم الله".
7 - ويشير المؤلف إلى مكان (الصخور المشهورة) ظن العامة أنه مكان قدم الرسول صلى الله عليه وسلم أو نعله، فيقول (ص: 588):
"وليس القدم الذي بالصخور المشهورة عند العامة قدم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا قدم أحد من الأنبياء عليهم السلام، ولا يضاف إلى الشريعة جواز تقبيله ولا التمسح به".
8 - كما يبدو أن من الناس من كان يقصد بعض الأماكن في جبل لبنان، فيتعبد في مغاراتها، أو يتبرك ببعض ثمار أشجارها، يقول ابن تيمية (ص: 600):
"وما يُذكر في بعض الحكايات من الاجتماعات ببعض العبَّاد في جبل لبنان وجبل اللكام ونحوه، وما يُؤْثر عن بعضهم من حميد المقال، فلأن هذه الأمكنة كانت ثغورًا يرابط بها المسلمون في جهاد العدو".
إلى أن يقول: "وكان الصالحون يأتون الثغور لأجل الجهاد والمرابطة في سبيل الله تعالى".
وبعد ثلاث صفحات يقول: "والمقصود أن الاعتناء بهذا الجبل هو من الجهالات والضلالات، وكذلك التبرك بما تحمل أشجاره من الثمر هو من البدع والعقائد الجاهلية المضاهئة لجهالات الوثنيين المشركين".
ثانيًا: الناحية التاريخية:
1 - يذكر معارك نشبت بين قبائل في بادية الشام فيقول (ص: 456):
"هذه الفتن التي تقع بين البادية، ويزعمون أنهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كحرام وسعد وهلال وثعلبة وأمثالهم - من أعظم الفتن والمحرمات، وأكبر المنكرات..".
2 - ويتحدث عن "النصيرية" في فصل مطوَّل (ص: 460 - ص466) عن عقائدهم وأموالهم، وماضيهم وحاضرهم، وعلاقاتهم بغيرهم.
3 - كما يظهر أن زحف التتار على بلاد الشام كان مستمرًّا حتى وقت متأخر من القرن الثامن الهجري، ولو كان ذلك بأعداد متفاوتة، وأوقات متباينة، ويتحدث ابن تيمية عن هذا الجانب، ويبين فساد حالهم، وآثار تخريبهم، وواجب المسلمين تجاه ذلك، فيقول مما سمعه ورآه (ص: 498 - 499):
"ويجوز، بل يجب قتال هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة، وإن تكلموا بالشهادتين، وانتسبوا إلى الإسلام، وجب قتالهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله فيهم وفي أمثالهم".
ثم يبين خروجهم عن شرائع الإسلام ويقول:
"وقد شاهدنا عسكر القوم، فوجدنا جمهورهم لا يصلون، ولم نر في عسكرهم مؤذنًا ولا إمامًا، ولم يكن معهم إلا من كان من شرّ الخلق: إما زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام في الباطن، وإما من هو شرُّ أهل البدع، كالرافضة والجهمية والاتحادية ونحوهم، وإما من أفجر الناس وأفسقهم، وهم لا يحجّون البيت العتيق مع تمكنهم، وإن كان فيهم من يصلي ويصوم فليس الغالب عليهم إقامة الصلاة ولا إيتاء الزكاة، وإن فعلوا فإنما هو للتقيّة، وهم يقاتلون على ملك جنكزخان، فمن دخل في طاعتهم وطاعة شريعة جنكزخان الكفرية التي يسمونها الباسقة - السياسة - جعلوه وليًّا لهم، وإن كان كافرًا، ولا يضعون على أهل الذمة جزية، كما قال أكبر مقدّميهم الذين قدموا الشام وهو يخاطب رسل المسلمين، ويتقرب إليهم بإظهار أنهم مسلمون فقال: هذان اثنان عظيمان جاءا من عند الله - محمد وجنكزخان. فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين، أن يسوّي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو أكرم خلق الله وسيد ولد آدم، وبين ملك كافر وثني خبيث، من أعظم المشركين كفرًا وفسادًا وعدوانًا".
ويتابع ابن تيمية قراءة الأحداث في عصره، ويعالجها في منهج إسلامي محكم، كما يبين غرائب معتقدات أتباع جنكزخان وضلالهم، في شجاعة العلماء العاملين فيقول (ص: 499 - 500):
"وذلك أن اعتقادهم في جنكزخان كفر عظيم؛ فإنهم يعتقدون أنه ابن الله، من جنس ما يعتقد النصارى في المسيح، سبحان ربنا وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ويقولون: إن الشمس حبَّلت أُمَّهُ، وإنها كانت في خيمة، فنزلت الشمس من كوّة، فدخلت فيها حتى حبلت، وهذا كذب عند كل ذي دين وعقل، بل هو دليل على أنه ولد زنا، وأن أمه ما ادّعت ذلك إلا لتستر معرّة زناها، ومع ذلك فهو عندهم أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعظمون ما سنّه لهم وشرعه بظلمه وهواه، ويشركون به بذكر اسمه على أكلهم وشربهم وحكمهم، ويستحلّون قتل من ترك سنة هذا الكافر الملعون.
ومعلوم أن مسيلمة الكذّاب كان أقلّ ضررًا من هذا الكافر الذي ادّعوا أنه شريك محمد صلى الله عليه وسلم في الرسالة، فاستحلّ الصحابة رضي الله عنهم قتاله، فكيف بمن كان فيما يظهره من الإسلام هو بجعله محمدًا صلى الله عليه وسلم كجنكزخان؟
وهم يعظمون الكفار الذين يتبعون جنكزخان، على المسلمين المتبعين للقرآن، بل جنكزخان أعظم من فرعون وهامان ضررًا، فإنه علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا وأهلك الحرث والنسل، فردّ الناس عن ملك الأنبياء إلى ما ابتدعه من جاهليته وسياسته الكفرية المفسدة، ولو قلتُ ما رأيته وسمعته لما وسعه هذا المكان"، ثم يقول (ص: 500):
"وبالجملة، فما من نفاق، وزندقة وإلحاد، وفسوق وعصيان، إلا وهي داخلة في أتباع التتار؛ لأنهم من أجهل الخلق وأقلهم معرفة بالدين، وأجرئهم على انتهاك المحرمات واعتداء على الحدود، وأعظم الخلق اتباعًا للظن وما تهوى الأنفس.
وقد قسموا الناس بحسب سياستهم الفاجرة أربعة أقسام: يار، ودوشمن، ودانشمند، وطط؛ أي: صديقهم، وعدوهم، والعالم، والعاصي".
ويذكر المؤلف أن وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد، ألف كتابًا قال فيه: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رضي بدين اليهود والنصار، وأنه لا ينكر عليهم، واستدل بقوله تعالى: ï´؟ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ... ï´¾ [الكافرون: 1، 2]، وزعم الخبيث أن هذا يقتضي أن الرسول رضي دينَهم، قال: وهذه الآية مكية ليست منسوخة، وهذا من فساد جهله؛ فإن قوله: ï´؟ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ï´¾ [الكافرون: 6] إنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم تبرأ من دينهم.
وتابع الرد عليه في (ص: 501) وقال: وشرح حالهم يطول.
وفي (ص: 501) أيضًا يقول:
وقد خاطبني بعضهم فقال: ملكنا ملك ابن ملك ابن ملك إلى سبعة أجداد، وملككم ابن مولى! فقلت: آباء ذلك الملك كلهم كفار، ولا فخر بالكافر؛ بل المملوك المسلم خير من الملك الكافر؛ قال الله تعالى: ï´؟ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ï´¾ [البقرة: 221]، فهذه وأمثالها حججهم.
وبالجملة، فقد اتفق المسلمون على أن من ترك شريعة من شرائع الإسلام وجب قتاله، فكيف بمن ترك جميع شرائعه أو أكثرها؟ فما الظن بمن يحاربها؟!
كما ينبه إلى الاعتبار بأحوالهم السابقة، وعدم الاغترار بأقوالهم، فيقول (ص: 498):
"... فقد علم أن هؤلاء القوم جاروا على الشام في المرة الأولى عام تسعة وتسعين وستمائة، وأعطوا الناس الأمان، وقرؤوه على المنبر بدمشق، ومع هذا فقد سبَوْا من ذراريِّ المسلمين ما يقال: إنه مائة ألف، أو يزيد عليه، وفعلوا ببيت القدس، وجبل الصالحية، ونابلس وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله، وفجَروا بخير نساء المسلمين في المساجد؛ كالمسجد الأقصى والأموي وغيرهما، وجعلوا الجامع الذي بالعقبة دكًّا".
ثالثًا: الناحية الاجتماعية:
1 - يبدو أن مجتمع الدجالين والمشعوذين لا ينقطع في عصر من العصور، كما أن أساليبهم وخدعهم معروفة مكررة، نقرؤها في القديم، ونسمع بها ونراها حديثًا، ويشير ابن تيمية إلى جانب من هذا المجتمع، فيقول (ص: 309):
"وأما من يأكل الحيات والثعابين ويجعله من باب الكرامات، فهو شرٌّ ممن يأكلها فسقًا، فإن كرامات الأولياء لا تكون بما نُهي عنه من أكل الخبائث، كما لا تكون بترك الواجبات، ولا يجوز إعانة هؤلاء المشعوذين بالصدقة ونحوها على أن يقيموا الصناعات والشعبذات المحرمة، ويفعلون ما لا يرضي الله من إقامة مشيخة تخالف الكتاب والسنة، ولا يُعطى رزقُه على جاهلية تخالف كتاب الله؛ وإنما يُعان بالرزق مَن قام بطاعة الله ورسوله، وعمل ما ينفع المسلمين في دنياهم، ودعا إلى طاعة الله ورسوله".
2 - وإلى وقت قريب كنا نرى بعض النسّاك يتجولون في أنحاء العالم وعلى ظهورهم مزودتهم، وعليهم ثياب رثة، ينزلون القرى، ويزورون العلماء، وينامون في العراء، أو يلتجئون إلى البيوتات الكبيرة في الصيف الحار، أو الشتاء البارد، ومنهم من يستقرّ في بلد ما، ومنهم من يعود إلى وطنه.. وقد يبقى آخرون يسيحون في الأرض إلى أن يوهنهم الكبر..
ويقول ابن تيمية عن هؤلاء ص309:
"والسياحة في البلاد لغير مقصد مشروع - كما يعانيه بعض النساك - أمر منهي عنه".
قال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين، وقوله تعالى: ï´؟ السَّائِحُونَ ï´¾ [التوبة: 112] المراد به: الصائمون.
2 - ويتبين من بعض أجوبة المؤلف المظاهرُ والتقاليد الاجتماعية التي كانت سائدة في بيئته عند بعض فئات المجتمع، ويبدو أن أحد الأشخاص ممن يستهويه طول الشارب وفتله عاب على بعض المسلمين قص الشارب، وسأل ابن تيمية عن ذلك، فأجابه وكأنه ألقمه حجرًا ص20:
"وقصُّ الشارب ليس بعيب، بل فعَله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدح فاعله، ومن عاب شيئًا فعَله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أقرَّ عليه، عُرِّف ذلك، فإن أصرَّ كفر".
ونستشف من هذا الجواب أن بعض الناس كان يتباهى بمظاهر معينة، مثل طول الشارب أو جعله في هيئة معينة؛ وربما كان ذلك نتيجة اختلاط شعوب معينة بالمسلمين، مثل التتار والترك في ذلك الوقت، فاستهوى بعضهم تقليدهم، كما هو حال بعض شبابنا في تقليد الأجانب اليوم.
4 - كما يبدو أن (موضة) لبس عمائم خاصة كانت مستشرية بين نساء ذلك المجتمع، يقول المؤلف (ص: 290):
"هذه العمائم التي يلبسها النساء حرام بلا ريب؛ فهي مثل أسنمة البخت...".
5 - ويحدثنا عن المنجمين وأماكن جلوسهم وإكرام بعض الناس لهم، فيقول (ص: 344 - 345):
"وصناعة التنجيم والاستدلال بها على الحوادث محرّم بإجماع المسلمين، وأخذ الأجرة على ذلك سحت، ويُمنعون من الجلوس في الحوانيت والطرقات، ويمنع الناس أن يكرموهم، والقيام في منعهم عن ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله تعالى".
ويقول في مناظرة له معهم (ص: 147):
"ولّما ناظرت بدمشق من حضرني من رؤسائهم، وبيَّنتُ له فساد صناعتهم بالأدلة، قال: والله إنا لنكذب مائة كذبة حتى نصدق في واحدة".
6 - ويتحدث عن الصداقة والأخوة التي كان يعقدها أشخاص بين بعضهم البعض في صورة بشعة وطقوس منكرة، فيقول (ص: 457):
"هذه الأخوة التي تكون بين بعض الناس في هذا الزمان، وقول كل واحد منهم: مالي مالك، ودمي دمك، وولدي ولدك، ويشرب أحدهما دم الآخر... فهذا الفعل على هذا الوجه غير مشروع باتفاق المسلمين".
وبعد أن يبين الوجه المشروع في الأخوة، يزيدنا إيضاحًا عن أمور أخرى متعسفة، فيقول (ص: 459):
"وأما شرب كل منهما دم الآخر، فهذا لا يجوز بحال، ويشبه هذا بالذين يتآخون متعاونين على الإثم والعدوان بالاكتواء وعلى حبِّ المردان، وهذا مثل مؤاخاة من ينتسب إلى المشيخة والسلوك للنساء، فيؤاخي أحدهم المرأة الأجنبية ويخلو بها، وقد أقرَّ طوائف من هؤلاء بما جرى بينهم من الفواحش، فمثل هذه المؤاخاة مما فيها من تعاون على الإثم والعدوان كائنًا ما كان، حرام بإجماع المسلمين".
7 - وقد يتناهى إلى سمع بعض الأشخاص أن الرجل ينادي زوجته: يا أختي، فما حكمه؟ يورد ابن تيمية هذا الأمر ويقول (ص: 431):
"... فإن عمر رضي الله عنه سمع رجلاً يقول لامرأته: يا أختي، فأدّبه".
قال: "وإن كان جاهلاً، لم يؤدب على ذلك".
قلت: وقد يعني أنه لا يُعَزّر، بل يُعَرَّف.
8 - ويذكر بعض التقاليد التي ابتلي بها المجتمع المسلم في أعياد أهل الذمة، فيقول (ص: 511):
"وأما إذا فعل المسلمون معهم أعيادهم؛ مثل صبغ البيض، وتحمير دوابهم بمَغْرة وبخور، وتوسيع النفقات وعمل طعام، فهذا أظهر من أن يحتاج إلى سؤال، بل قد نص طائفة من العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك على كفر من يفعل ذلك".
ثم يذكر أشياء أخرى (ص: 511 - 512).
9 - ويظهر أنه ورد إليه سؤال عن مسابقة (الرمي بالحجارة) فقال (ص: 603):
إن كان فيها منفعة للجهاد، وإلا فهي باطل.
يتبع