التعزير في الفقه الإسلامي
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
حدثنا يحيى بن بُكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، حدثنا أبو سلمة: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيكم مثلي [978ب]؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقين"، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخر لزدتكم"، كالمنكل بهم حين أبوا، تابعه شعيب ويحيى بن سعيد ويونس، عن الزهري، وقال عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم[70].
حدثني عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: أنهم كانوا يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم[71].
حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يُؤتى إليه، حتى ينتهك من حرمات الله فينتقم لله"[72].
قال الحافظ: "قوله: "باب" بالتنوين "كم التعزير والأدب؟".
التعزير: مصدر عزَّره، وهو مأخوذ من العزر، وهو الرد والمنع، واستعمل في الدفع عن الشخص، كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره.
ومنه: ﴿ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ [المائدة: 12] وكدفعه عن إتيان القبيح.
ومنه: عزره القاضي، أي: أدبه لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول وبالفعل بحسب ما يليق به، والمراد بالأدب في الترجمة: التأديب، وعطفه على التعزير؛ لأن التعزير يكون بسبب المعصية، والتأديب أعم منه.
ومنه: تأديب الولد، وتأديب المعلم، وأورد الكمية بلفظ الاستفهام إشارة إلى الاختلاف فيها كما سأذكره.
وقد ذكر في الباب أربعة أحاديث:
الأول: قوله: "لا يُجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"، ظاهره: أن المراد بالحد: ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب، مخصوص أو عقوبة مخصوصة، والمتفق عليه من ذلك: أصل الزنى والسرقة، وشرب المسكر والحرابة 979أ، والقذف بالزنى والقتل، والقصاص في النفس والأطراف، والقتل في الارتداد.
واختُلف في تسمية الأخيرين حدًا، واختلف في أشياء كثيرة يستحق مرتكبها العقوبة، هل تُسمى عقوبته حدًا أو لا؟ وهي جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها والسحاق، وأكل الدم والميتة في حال الاختيار ولحم الخنزير، وكذا السحر والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة تكاسلًا، والفطر في رمضان، والتعريض بالزنى.
وذهب بعضهم: إلى أن المراد بالحد في حديث الباب: حق الله.
قال ابن دقيق العيد[73]: بلغني أن بعض العصريين قرر هذا المعنى: بأن تخصيص الحد بالمقدرات المقدم ذكرها أمر اصطلاحي من الفقهاء، وأن عرف الشرع أول الأمر كان يُطلق الحد على كل معصية، كبرت أو صغرت، وتعقبه ابن دقيق العيد: أنه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه.
قال: ويرد عليه: أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبق لنا شيء يختص المنع به؛ لأن ما عدا المحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ما ليس بمُحرم، وأصل التعزير: أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم، فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى.
قال الحافظ: والعصري المشار إليه أظنه: ابن تيمية، وقد نقل صاحبه ابن القيم المقالة المذكورة فقال: الصواب في الجواب: أن المراد بالحدود هنا: الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229] وفي أخرى: ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1] وقال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187] وقال: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا ﴾ [النساء: 14].
قال: فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية كتأديب الأب ولده الصغير.
قال الحافظ: ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يُزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كانت كبيرة جازت الزيادة فيه، وأُطلق عليه اسم الحد، كما في الآيات المشار إليها، والتحق بالمستثنى 979ب، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور إن كان ذلك مراده، وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة بالتعزير بلفظ: "لا تُعزروا فوق عشرة أسواط"[74].
وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الليث وأحمد[75] في المشهور عنه، وإسحاق، وبعض الشافعية[76].
وقال مالك[77] والشافعي[78] وصاحبا أبي حنيفة[79]: تجوز الزيادة على العشر.
ثم اختلفوا، فقال الشافعي[80]: لا يبلغ أدنى الحدود.
وهل الاعتبار بحد الحُر أو العبد؟ قولان، وفي قول أو وجه[81]: يُستنبط كل تعزير من جنس حده ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي: لا يبلغ به الحد، ولم يفصل، وقال الباقون: هو إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور.
وعن عُمر: أنه كتب إلى أبي موسى: لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين[82].
وعن عثمان: ثلاثين، وعن عُمر: أنه بلغ بالسوط مئة، وكذا عن ابن مسعود.
وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يُعزر إلا من تكرر منه، ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يُعزر.
وعن أبي حنيفة[83]: لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف[84]: لا يُزاد على خمس وتسعين جلدة، وفي رواية عن مالك[85] وأبي يوسف[86] لا يبلغ ثمانين، وأجابوا عن الحديث بأجوبة:
منها: ما تقدم، ومنها: قصره على الجلد، وأما الضرب بالعصا مثلًا وباليد فتجوز الزيادة، لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الإصطخري من الشافعية[87]، وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب.
ومنها: أنه منسوخ، دل على نسخه إجماع الصحابة.
ورُد: بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث أحد فقهاء الأمصار.
ومنها: معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع[88] على أن التعزير يخالف الحدود 980أ وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها، فيصير مثل الحد، وبالإجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الإمام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد[89]؛ لأن التعزير شُرع للردع، ففي الناس من يردعه الكلام، ومنهم من لا يردعه إلا الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه.
وتُعقِّب: بأن الحد لا يُزاد فيه ولا يُنقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مسلم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، بأن الردع لا يُراعى في الأفراد، بدليل: أن من الناس من لا يردعه الحد، ومع ذلك لا يجمع عندهم بين الحد والتعزير، فلو نظر إلى كل فرد لقيل بالزيادة على الحد، أو الجمع بين الحد والتعزيز، ونقل القرطبي[90]: أن الجمهور قالوا بما دل عليه حديث الباب، وعكسه النووي[91] وهو المعتمد، فإنه لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة، واعتذر الداودي فقال: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، فكان يرى العقوبة بقدر الذنب، وهو يقتضي: أنه لو بلغه ما عدل عنه، فيجب على من بلغه أن يأخذ به.
الحديث الثاني: حديث النهي عن الوصال، والغرض منه: قوله: "فواصل بهم كالمنكل بهم".
قال ابن بطال[92] عن المُهلب: فيه: أن التعزير موكول إلى رأي الإمام؛ لقوله: "لو امتد الشهر لزدت"، فدل على أن للإمام أن يزيد في التعزير ما يراه، وهو كما قال، لكن لا يُعارض الحديث المذكور؛ لأنه ورد في عدد من الضرب أو الجلد فيتعلق بشيء محسوس، وهذا يتعلق بشيء متروك، وهو الإمساك عن المفطرات، والألم فيه يرجع إلى التجويع والتعطيش وتأثيرهما في الأشخاص متفاوت جدًا، والظاهر: أن الذين واصل بهم كان لهم اقتدار على ذلك في الجملة، فأشار إلى أن ذلك لو تمادى حتى ينتهي إلى عجزهم عنه لكان هو المؤثر في زجرهم.
ويُستفاد منه: أن المراد من التعزير ما يحصل به الردع، وذلك ممكن في العشر بأن يختلف الحال في صفة الجلد أو الضرب، تخفيفًا وتشديدًا، والله أعلم.
نعم؛ يُستفاد منه: جواز التعزير بالتجويع ونحوه من الأمور المعنوية 980ب.
الحديث الثالث: قوله: "عن عبد الله بن عمر: أنهم كانوا يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يُؤووه إلى رحالهم".
ويُستفاد منه: جواز تأديب من خالف الأمر الشرعي، فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعية إقامة المحتسب في الأسواق، والضرب المذكور: محمول على من خالف الأمر بعد أن علم به.
الحديث الرابع: قوله: "ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يُؤتى إليه، حتى ينتهك من حرمات الله فينتقم لله"[93].
وقال البخاري أيضًا: "باب: من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة". وذكر حديث سهل بن سعد في المتلاعنين[94]. وحديث القاسم بن محمد قال: ذكر ابن عباس المتلاعنين، فقال عبد الله بن شداد: هي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت راجمًا امرأة من غير بينة؟"، قال: لا، تلك امرأة أعلنت[95]، وفي رواية: تلك امرأة كانت تُظهر في الإسلام السوء[96]".
وقال الحافظ: "قوله: باب: من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة"، أي: ما حكمه؟ والمراد بإظهار الفاحشة: أن يتعاطى ما يدل عليها عادة من غير أن يثبت ذلك ببينة أو إقرار، واللطخ: هو - بفتح اللام والطاء المهملة بعدها خاء -: الرمي بشر، يُقال: لطخ فلان بكذا، أي: رُمي بشر، ولطخه بكذا مُخففًا ومثقلًا: لوثه به.
والتهمة بضم المثناة وفتح الهاء: من يتهم بذلك من غير أن يتحقق فيه ولو عادة، وذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، أورده مختصرًا، وقد تقدم شرحه في كتاب اللعان مستوفى، ولفظه: "إن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاست به أسود أعين ذا أليتين[97] فلا أراه إلا قد صدق عليها وكذبت عليه"[98]، كأنه قال: إن جاءت به 981أ أحمر فزوجها كاذب فيما رماها به، وإن جاءت به أسود فزوجها صادق.
ثانيهما: حديث ابن عباس، قوله: "تلك امرأة كانت تُظهر في الإسلام السُّوء"، في رواية عروة عن ابن عباس - بسند صحيح - عند ابن ماجه: "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها"[99].
قال المهلب: فيه: أن الحد لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار ولو كان مُتهمًا بالفاحشة.
وقال النووي[100]: معنى تُظهر السوء: أنه اشتهر عنها وشاع، ولكن لم تقم البينة عليها بذلك، ولا اعترفت، فدل على أن الحد لا يجب بالاستفاضة[101]" انتهى ملخصًا، والله أعلم.
[1] الروض المربع ص 492 و493.
[2] تحفة المحتاج 9/ 175، ونهاية المحتاج 8/ 19.
[3] فتح القدير 4/ 212، وحاشية ابن عابدين 4/ 65 و66.
[4] الشرح الصغير 2/ 439، وحاشية الدسوقي 4/ 354 و355.
[5] شرح منتهى الإرادات 6/ 225، وكشاف القناع 14/ 109.
[6] فتح القدير 4/ 217، وحاشية ابن عابدين 4/ 85.
[7] الشرح الصغير 2/ 440، وحاشية الدسوقي 4/ 355.
[8] شرح منتهى الإرادات 6/ 173، وكشاف القناع 14/ 24.
[9] تحفة المحتاج 9/ 196، ونهاية المحتاج 8/ 34.
[10] الشرح الصغير 2/ 439، وحاشية الدسوقي 4/ 355.
[11] شرح منتهى الإرادات 6/ 90، وكشاف القناع 13/ 349.
[12] فتح القدير 4/ 218، وحاشية ابن عابدين 4/ 85.
[13] تحفة المحتاج 9/ 192، ونهاية المحتاج 8/ 31.
[14] فتح القدير 4/ 214، وحاشية ابن عابدين 4/ 65.
[15] تحفة المحتاج 9/ 180، ونهاية المحتاج 8/ 22.
[16] شرح منتهى الإرادات 6/ 227، وكشاف القناع 14/ 115.