الموضوع: قطع يد السارق
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 08-02-2020, 05:28 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قطع يد السارق

قطع يد السارق
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك







واختلفوا متى يقدر المسروق؟
فقال مالك[198]: يوم السرقة، وقال أبو حنيفة[199]: يوم الحكم عليه بالقطع.
وأما الشرط الثاني في وجوب هذا الحد: فهو الحِرْزُ، وذلك أن جميع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى، وأصحابهم متفقون على اشتراط الحرز في وجوب القطع[200]، وإن كان قد اختلفوا فيما هو حرز مما ليس بحرز.


والأشبه: أن يُقال في حد الحرز: إنه ما شأنه أن تحفظ به الأموال كي يعسر أخذها، مثل الأغلاق والحظائر، وما أشبه ذلك، وفي الفعل الذي إذا فعله السارق اتصف بالإخراج من الحرز على ما سنذكره بعد، وممن ذهب إلى هذا: مالك[201] وأبو حنيفة[202] والشافعي[203] والثوري وأصحابهم، وقال أهل الظاهر[204] وطائفة من أهل الحديث: القطع على من سرق النصاب وإن سرقه من غير حرز.


فعُمدة الجمهور: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا قطع في ثمر مُعلق، ولا في حريسة جبل، فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن"[205]، ومرسل مالك أيضًا عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي بمعنى حديث عمرو ابن شُعيب[206].


وعُمدة أهل الظاهر: عموم قوله تعالى: ï´؟ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ï´¾... الآية [المائدة: 38]، قالوا: فوجب أن تحمل الآية على عمومها إلا ما خصصته السنة الثابتة من ذلك، وقد خصصت السنة الثابتة المقدار الذي يُقطع فيه من الذي لا يُقطع فيه، وردوا حديث عمرو بن شعيب لموضع الاختلاف الواقع في أحاديث عمرو بن شعيب.
وقال أبو عمر بن عبد البر[207]: أحاديث عمرو بن شعيب العمل بها واجب إذا رواها الثقات.


وأما الحِرز عند الذين أوجبوه: فإنهم اتفقوا منه على أشياء واختلفوا في أشياء، مثل: اتفاقهم على أن باب البيت وغلقه حرز[208]، واختلافهم في الأوعية، ومثل: اتفاقهم على أن من سرق من بيت دار غير مشتركة السكنى أنه لا يُقطع حتى يخرج من الدار[209]، واختلافهم في الدار المشتركة:
فقال مالك[210] وكثير ممن اشترط الحرز: تُقطع يده إذا أُخرج من البيت.
وقال أبو يوسف ومحمد[211]: لا قطع عليه إلا إذا أخرج من الدار.


ومنها: اختلافهم في القبر، هل هو حرز حتى يجب القطع على النباش أو ليس بحرز؟
فقال مالك[212] والشافعي[213] وأحمد[214] وجماعة: هو حرز، وعلى النباش القطع، وبه قال عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة[215]: لا قطع عليه، وكذلك قال سفيان الثوري، ورُوي ذلك عن زيد بن ثابت.


والحرز عند مالك[216] بالجملة: هو كل شيء جرت العادة بحفظ ذلك الشيء المسروق فيه، فمرابط الدواب عنده أحراز، وكذلك الأوعية وما على الإنسان من اللباس، فالإنسان حِرز لكل ما عليه أو هو عنده، وإذا توسَّد النائم شيئًا فهو له حرز، على ما جاء في حديث صفوان بن أمية وسيأتي بعد، وما أخذه من المنتبه فهو اختلاس، ولا يُقطع عند مالك[217] سارق ما كان على الصبي من الحُلي أو غيره، إلا أن يكون معه حافظًا يحفظه، ومن سرق من الكعبة شيئًا لم يُقطع عنده، وكذلك من المساجد[218]، وقد قيل في المذهب: إنه إن سرق منها ليلًا قطع، وفروع هذا الباب كثيرة فيما هو حِرز وما ليس بحِرز.


واتفق القائلون بالحرز على أن كل من سمي مخرجًا للشيء من حرزه وجب عليه القطع[219]، وسواء كان داخل الحرز أو خارجه، وإذا ترددت التسمية وقع الخلاف، مثل اختلاف المذهب إذا كان سارقان أحدهما داخل البيت والآخر خارجه، فقرب أحدهما المتاع المسروق إلى نقب في البيت فتناوله الآخر، فقيل: القطع على الخارج المتناول له، وقيل: لا قطع على واحد منهما.


وقيل: القطع على المقرب للمتاع من النقب، والخلاف في هذا كله آيل إلى انطلاق اسم المخرج من الحرز عليه أو لا انطلاقه، فهذا هو القول في الحرز واشتراطه في وجوب القطع، ومن رمى بالمسروق من الحِرز ثم أخذه خارج الحرز قطع، وقد توقف مالك[220] فيه إذا أخذ بعد رميه وقبل أن يخرج، وقال ابن القاسم[221]: يُقطع.


فصل: وأما جنس المسروق: فإن العلماء اتفقوا على أن كل متملك غير ناطق يجوز بيعه وأخذ العوض منه، فإنه يجب في سرقته القطع ما عدا الأشياء الرطبة المأكولة، والأشياء التي أصلها مباحة، فإنهم اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور: إلى أن القطع في كل متمول يجوز بيعه وأخذ العوض فيه[222].


وقال أبو حنيفة[223]: لا قطع في الطعام ولا فيما أصله مباح كالصيد والحطب والحشيش.
فعُمدة الجمهور: عموم الآية الموجبة للقطع، وعموم الآثار الواردة في اشتراط النصاب.
وعُمدة أبي حنيفة في منعه القطع في الطعام الرطب: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا قطع في ثمر ولا كثر"[224]، وذلك أن هذا الحديث مروي هكذا مطلقًا من غير زيادة.
وعُمدته أيضًا في منع القطع فيما أصله مباح: الشبهة التي فيه لكل مالك.
وذلك أنهم اتفقوا على أن من شرط المسروق الذي يجب فيه القطع: ألا يكون للسارق فيه شبهة ملك[225].


واختلفوا فيما هو شبهة تدرأ الحد مما ليس بشُبهة، وهذا هو أيضًا أحد الشروط المشترطة في المسروق هو في ثلاثة مواضع في جنسه وقدره وشروطه، وستأتي هذه المسألة فيما بعد.


واختلفوا من هذا الباب، أعني: من النظر في جنس المسروق في المصحف:
فقال مالك[226] والشافعي[227]: يُقطع سارقه.
وقال أبو حنيفة[228]: لا يُقطع، ولعل هذا من أبي حنيفة بناء على أنه لا يجوز بيعه، أو أن لكل أحد فيه حقًا إذ ليس بمال.


واختلفوا من هذا الباب في من سرق صغيرًا مملوكًا أعجميًا ممن لا يفقه ولا يعقل الكلام:
فقال الجمهور: يقطع[229]، وأما إن كان كبيرًا يفقه فقال مالك[230]: يقطع، وقال أبو حنيفة[231]: لا يُقطع.
واختلفوا في الحر الصغير، فعند مالك[232]: أن سارقه يُقطع، ولا يقطع عند أبي حنيفة[233]، وهو قول ابن الماجشون[234] من أصحاب مالك.
واتفقوا كما قلنا أن شُبهة الملك القوية تدرأ هذا الحد[235].
واختلفوا فيما هو شُبهة يدرأ من ذلك مما لا يدرأ منها: فمنها العبد يسرقُ مال سيده، فإن الجمهور من العلماء على أنه لا يُقطع[236].
وقال أبو ثور: يُقطع، ولم يشترط شرطًا.


وقال أهل الظاهر[237]: يُقطع إلا أن يأتمنه سيده، واشترط مالك[238] في الخادم الذي يجب أن يُدرأ عنه الحد: أن يكون يلي الخدمة لسيده بنفسه، والشافعي[239] مرة اشترط هذا ومرة لم يشترطه، وبدرء الحد قال عمر رضي الله عنه وابن مسعود، ولا مخالف لهما من الصحابة.


ومنها: أحد الزوجين يسرق من مال الآخر:
فقال مالك[240]: إذا كان كل واحد ينفرد ببيت فيه متاعه فالقطع على من سرق من مال صاحبه.
وقال الشافعي[241]: الاحتياط: أن لا قطع على أحد الزوجين؛ لشبهة الاختلاط وشبهة المال، وقد رُوي عنه مثل قول مالك، واختاره المزني.


ومنها: القرابات، فمذهب مالك[242] فيها ألا يقطع الأب فيما سرق من مال الابن فقط؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "أنت ومالك لأبيك"[243]، ويُقطع ما سواهم من القرابات.


وقال الشافعي[244]: لا يُقطع عمود النسب الأعلى والأسفل، يعني: الأب والأجداد والأبناء وأبناء الأبناء.
وقال أبو حنيفة[245]: لا يُقطع ذو الرحم المحرمة، وقال أبو ثور: تُقطع يد كل من سرق إلا ما خصصه الإجماع.


ومنها: اختلافهم في من سرق من المغنم، أو من بيت المال:
فقال مالك[246]: يُقطع، وقال عبد الملك من أصحابه[247]: لا يقطع، فهذا هو القول في الأشياء التي يجب بها ما يجب في هذه الجناية.


القول في الواجب: وأما الواجب في هذه الجناية إذا وجدت بالصفات التي ذكرنا - أعني: الموجودة في السارق، وفي الشيء المسروق وفي صفة السرقة - فإنهم اتفقوا على أن الواجب فيه القطع[248] من حيث هي جناية والغُرم إذا لم يجب القطع.


واختلفوا هل يُجمع الغرم مع القطع؟
فقال قوم: عليه الغرم مع القطع، وبه قال الشافعي[249] وأحمد[250] والليث وأبو ثور وجماعة.
وقال قوم: ليس عليه غرم إذا لم يجد المسروق منه متاعه بعينه، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة[251] والثوري وابن أبي ليلى وجماعة.


وفرَّق مالك[252] وأصحابه فقال: إن كان موسرًا أُتبع السارق بقيمة المسروق، وإن كان مُعسرًا لم يتبع به إذا أثرى، واشترط مالك دوام اليسر إلى يوم القطع فيما حكى عنه ابن القاسم[253].


فعمدة من جمع بين الأمرين: أنه اجتمع في السرقة حقان: حق لله وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه، وأيضًا: فإنهم لما أجمعوا[254] على أخذه منه إذا وجد بعينه لزم إذا لم يوجد بعينه عنده: أن يكون في ضمانه، قياسًا على سائر الأموال الواجبة.


وعمدة الكوفيين: حديث عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغرم السارق إذا أُقيم عليه الحد"[255].
وهذا الحديث مُضعف عند أهل الحديث، قال أبو عمر: لأنه عندهم مقطوع، قال: وقد وصله بعضهم، وخرَّجه النسائي، والكوفيون يقولون: إن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول، ويقولون: إن القطع هو بدل من الغرم، ومن هنا يرون أنه إذا سرق شيئًا ما فقُطع فيه ثم سرقه ثانيًا أنه لا يقطع فيه.
وأما تفرقة مالك فاستحسانٌ على غير قياس.


وأما القطع: فالنظر في محله، وفي من سرق وقد عُدم المحل، وأما محل القطع: فهو اليد اليمنى باتفاق من الكوع، وهو الذي عليه الجمهور[256].


وقال قوم: الأصابع فقط، فأما إذا سرق من قد قُطعت يده اليمنى "990أ" في السرقة فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال أهل الحجاز والعراق[257]: تُقطع رجله اليسرى بعد اليمنى، وقال بعض أهل الظاهر[258] وبعض التابعين: تُقطع اليد اليسرى بعد اليمنى ولا يقطع منه غير ذلك.


واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على[259] قطع الرجل اليسرى بعد اليمنى، هل يقف القطع إن سرق ثالثة أم لا؟
فقال سفيان وأبو حنيفة[260]: يقف القطع في الرجل، وإنما عليه في الثالثة الغرم فقط، وقال مالك[261] والشافعي[262]: إن سرق ثالثة قُطعت يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة قُطعت رجله اليمنى، وكلا القولين مروي عن عمر وأبي بكر أعني: قول مالك وأبي حنيفة.


فعمدة من لم ير إلا قطع اليد: قوله تعالى: ï´؟ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ï´¾... [المائدة: 38] ولم يذكر الأرجل إلا في المحاربين فقط.
وعُمدة من قطع الرجل بعد اليد: ما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعبد سرق فقطع يده اليمنى، ثم الثانية فقطع رجله، ثم أُتي به الثالثة فقطع يده اليسرى، ثم أتي به في الرابعة فقطع رجله، وروي هذا من حديث جابر بن عبد الله، وفيه: ثم أخذه الخامسة فقتله[263].


إلا أنه مُنكر عند أهل الحديث، ويرده قوله عليه الصلاة والسلام: "هن فواحش وفيهن عقوبة"[264]، ولم يذكر قتلًا، وحديث ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع الرجل بعد اليد.
وعند مالك أنه يؤدب في الخامسة[265].


فإذا ذهب محل القطع من غير سرقة بأن كانت اليد شلاء فقيل في المذهب[266]: ينتقل القطع إلى اليد اليسرى، وقيل: إلى الرجل.


واختلف في موضع القطع من القدم، فقيل: يُقطع من المفصل الذي في أصل الساق، وقيل: يدخل الكعبان في القطع، وقيل: لا يدخلان، وقيل: إنها تُقطع من المفصل الذي في وسط القدم "990ب".


واتفقوا على أن لصاحب السرقة أن يعفو عن السارق ما لم يرفع ذلك إلى الإمام[267]؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"[268]، وقوله عليه الصلاة والسلام: "لو كانت فاطمة بنت محمد لأقمت عليها الحد"[269]، وقوله لصفوان: "هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به"[270].


واختلفوا في السارق يسرق ما يجب فيه القطع فيُرفع إلى الإمام، وقد وهبه صاحب السرقة ما سرقه أو يهبه له بعد الرفع وقبل القطع:
فقال مالك[271] والشافعي[272]: عليه الحد؛ لأنه قد رُفع إلى الإمام.
وقال أبو حنيفة[273] وطائفة: لا حد عليه.
فعُمدة الجمهور: حديث مالك، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية أنه قيل له: إن من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية إلى المدينة فنام في المسجد وتوسَّد رداءه، فجاءه سارق، فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُقطع يده، فقال صفوان: لم أُرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلا قبل أن تأتيني به"[274].


القول فيما تثبت به السرقة:
واتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين، وعلى أنها تثبت بإقرار الحُر[275].
واختلفوا في إقرار العبد:
فقال جمهور فقهاء الأمصار[276]: إقراره على نفسه موجب لحده، وليس يوجب عليه غرمًا.
وقال زُفر[277]: لا يجب بإقرار العبد على نفسه بما يوجب قتله ولا قطع يده؛ لكونه مالًا لمولاه، وبه قال شُريح والشافعي[278] وقتادة وجماعة، وإن رجع عن الإقرار إلى شُبهة "991أ" قُبل رجوعه، وإن رجع إلى غير شبهة فعن مالك[279] في ذلك روايتان، هكذا حكى البغداديون عن المذهب.
وللمتأخرين في ذلك تفصيل ليس يليق بهذا الغرض، وإنما هو لائق بتفريع المذهب"[280].


وقال في "الاختيارات": "ولا يشترط في القطع بالسرقة مطالبة المسروق منه بماله، وهو رواية عن أحمد[281] اختارها أبو بكر، ومذهب مالك[282] كإقراره بالزنى بأمة غيره.


ومن سرق ثمرًا "أو كثرًا[283]" أو ماشية من غير حرز أضعفت عليه القيمة، وهو مذهب أحمد[284]، وكذا غيرها وهو رواية عنه، واللص الذي غرضه سرقة أموال الناس ولا غرض له في شخص معين، فإن قطع يده واجب ولو عفا عنه رب المال"[285].


وقال البخاري: "باب: كراهية الشفاعة في الحد إذا رُفع إلى السلطان".
حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يُكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟!"، ثم قام فخطب، قال: "يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"[286]".


قال الحافظ: "قوله: "باب كراهية الشفاعة في الحد، إذا رُفع إلى السلطان"، كذا قيد ما أطلقه في حديث الباب: "أتشفع في حد من حدود الله؟"، وليس القيد صريحًا فيه، وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، وهو في مرسل حبيب بن أبي ثابت الذي أشرت إليه، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة لما شفع فيها: "لا تشفع في حد؛ فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس لها مترك"[287].


وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"[288]، ترجم له أبو داود: العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان، وصححه الحاكم وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح، وذكر أحاديث...
إلى أن قال، قوله: إن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت.


قال الحافظ: واسم المرأة على الصحيح: فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم "991ب"، وهي بنت أخي أبي سلمة الصحابي الجليل.


قال ابن عبد البر[289]: فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد هي التي قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدها؛ لأنها سرقت حُليًا فكلمت قريش أسامة فشفع فيها، وهو غلام.


قال الحافظ: ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن الأسود فأخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم، قال: "لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نكلمه"[290]، وسنده حسن، ويمكن الجمع بأن الحلي كان في القطيفة، فالذي ذكر القطيفة أراد بما فيها، والذي ذكر الحُلي ذكر المظروف دون الظرف، ثم رجح عندي: أن ذكر الحُلي في قصة هذه المرأة وهمٌ، وقد وقع في رواية معمر، عن الزهري في هذا الحديث: أن المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده، أخرجه مسلم[291]...


إلى أن قال: وأخرج عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بسند صحيح: أن امرأة جاءت امرأة فقالت: إن فلانة تستعيرك حُليًا فأعارتها إياه فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها فسألتها، فقالت: ما استعرتك شيئًا، فرجعت إلى الأخرى فأنكرت، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاها فسألها، فقالت: والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئًا، فقال: "اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها"، فأتوه فأخذوه، وأمر بها فقطعت... الحديث[292]، فيحتمل أن تكون سرقت القطيفة وجحدت الحُلي وأطلق عليها في جحد الحلي في رواية حبيب بن أبي ثابت "سرقت" مجازًا...


إلى أن قال: قد أخرج أبو داود والنسائي وأبو عوانة في "صحيحه" من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم "992أ" بقطع يدها[293].


وقد اختلف نظر العلماء في ذلك، فأخذ بظاهره أحمد[294] في أشهر الروايتين عنه وإسحاق، وانتصر له ابن حزم[295] من الظاهرية.


وذهب الجمهور[296]: أنه لا يُقطع في جحد العارية، وهي رواية عن أحمد[297] أيضًا، وأجابوا عن الحديث: بأن رواية من روى "سرقت" أرجح، وبالجمع بين الروايتين بضربة من التأويل.


فأما الترجيح: فنقل النووي[298]: أن رواية معمر شاذة مخالفة لجماهير الرواة، وقال القرطبي[299]: رواية: "أنها سرقت" أكثر وأشهر من رواية الجحد.


وقال ابن دقيق العيد[300]: صنيع صاحب "العُمدة" - حيث أورد الحديث بلفظ الليث، ثم قال: وفي لفظ... فذكر لفظ معمر - يقتضي: أنها قصة واحدة اختلف فيها، هل كانت سارقة أو جاحدة؟ يعني؛ لأنه أورد حديث عائشة باللفظ الذي أخرجاه من طريق الليث، ثم قال: وفي لفظ: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، وهذه رواية معمر في مسلم فقط، قال: وعلى هذا: فالحجة في هذا الخبر في قطع المستعير ضعيفة؛ لأنه اختلاف في واقعة واحدة، فلا يُبت الحكم فيه بترجيح من روى أنها جاحدة على الرواية الأخرى، يعني: وكذا عكسه، فيصح أنها قُطعت بسبب الأمرين، والقطع في السرقة متفق عليه، فيترجح على القطع في الجحد المختلف فيه.
قال الحافظ: وهذه أقوى الطرق في نظري[301]" انتهى مُلخصًا.


وقال البخاري أيضًا: "باب قول الله تعالى: ï´؟ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ï´¾ [المائدة: 38] وفي كم يُقطع؟".
وقطع علي من الكف، وقال قتادة في امرأة سرقت فقطعت شمالها: ليس إلا ذلك.
ثم ساق البخاري حديث عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تُقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا"[302].
وحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق في مجن ثمنه ثلاثة دراهم[303].


وحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتُقطع يده[304]".


قال الحافظ: "قوله: باب قول الله تعالى: ï´؟ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ï´¾ [المائدة: 38]، كذا أطلق في الآية اليد، وأجمعوا على أن المراد: اليمنى إن كانت موجودة[305].


واختلفوا فيما لو قُطعت الشمال عمدًا أو خطأ هل يُجزئ؟ وقدم السارق على السارقة، وقدمت الزانية على الزاني لوجد السرقة غالبًا في الذكورية، ولأن داعية الزنى في الإناث أكثر، ولأن الأنثى سبب في وقوع الزنى؛ إذ لا يتأتى غالبًا إلا بطواعيتها، وقوله: ï´؟ أَيْدِيَهُمَا ï´¾[306] بصيغة الجمع، ثم التثنية إشارة إلى أن المراد: جنس السارق، فلوحظ فيه المعنى فجمع، والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما، والسرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها، ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه: الأخذ خِفية، وعرِّفت في الشرع: بأخذ شيء خفية ليس للآخذ أخذه.
ومن اشترط الحرز وهم الجمهور زاد فيه: "من حرز مثله"[307].


قال ابن بطال: الحرز مُستفاد من معنى السرقة، يعني: في اللغة، ويقال لسارق الإبل: الخارب، وللسارق في المكيال: مُطفف، وللسارق في الميزان: مُخسر.


قال المازري[308] ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب، ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر، ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفي ذلك: إشارة إلى الشبهة التي نسبت إلى أبي العلاء المعري في قوله:
يد بخمس مئين عسجد وديت ♦♦♦ ما بالها قطعت في ربع دينار
فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها ♦♦♦ صيانة المال فافهم حكمة الباري
"993أ" وشرح ذلك: أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين.


قوله: "وقطع علي من الكف" أشار بهذا الأثر إلى الاختلاف في محل القطع، وقد اختلف في حقيقة اليد، فقيل: أولها من المنكب، وقيل: المرفق، وقيل: من الكوع، وقيل: من أصول الأصابع.


فحُجة الأول: أن العرب تُطلق الأيدي على ذلك، ومن الثاني: آية الوضوء ففيها: ï´؟ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ï´¾ [المائدة: 6] ومن الثالث: آية التيمم ففي القرآن: ï´؟ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ï´¾ [المائدة: 6] وبينت السُّنة أنه عليه الصلاة والسلام مسح على كفيه فقط، وأخذ بظاهر الأول بعض الخوارج، ونقل عن سعيد بن المسيب واستنكره جماعة، والثاني: لا نعلم من قال به في السرقة.


والثالث: قول الجمهور[309]، ونقل بعضهم فيه الإجماع. والرابع: نقل عن علي، واستحسنه أبو ثور، ورُد: بأنه لا يُسمى مقطوع اليد لغة ولا عُرفًا، بل مقطوع الأصابع...


إلى أن قال: وحُجة الجمهور: الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن اليد قبل السرقة كانت محترمة، فلما جاء النص بقطع اليد وكانت تطلق على هذه المعاني وجب ألا يترك المتيقن وهو تحريمها إلا بمتيقن، وهو القطع من الكف[310]، وأما الأثر عن علي: فوصله الدارقطني من طريق حجية بن عدي: أن عليًا قطع من المفصل[311].
وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع من المفصل[312]...
إلى أن قال: وقد وقع في بعض النسخ: وقطع علي الكف.


قوله: "وقال قتادة في امرأة سرقت فقطعت شمالها: ليس إلا ذلك"، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة فذكر مثل قول الشعبي لا يزاد على ذلك قد أقيم عليه الحد، وأشار المصنف بذكره إلى أن الأصل أن أول شيء يُقطع من السارق اليد اليمنى، وهو قول الجمهور[313]، وقد قرأ ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"...


إلى أن قال: واختلف السلف في من سرق فقُطع، ثم سرق ثانيًا:
فقال الجمهور[314]: تُقطع رجله اليسرى "993ب"، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق فالرجل اليمنى، واحتج لهم بآية المحاربة وبفعل الصحابة، وبأنهم فهموا من الآية: أنها في المرة الواحدة، فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيًا إلى ألا يبقى له ما يقطع، ثم إن سرق عُزر وسُجن.


وقيل: يُقتل في الخامسة، قاله أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك، وحُجته: ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث جابر، قال: جيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "اقتلوه"، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: "اقطعوه"، ثم جيء به الثانية، فقال: "اقتلوه"... فذكر مثله... إلى أن قال: فأُتي به الخامسة فقال: "اقتلوه". قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ورميناه في بئر[315]. قال النسائي: هذا حديث مُنكر، ومصعب بن ثابت راويه ليس بالقوي، وقد قال بعض أهل العلم كابن المنكدر والشافعي: إن هذا منسوخ، وقال بعضهم: هو خاصٌّ بالرجل المذكور، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على أنه واجب القتل؛ ولذلك أمر بقتله من أول مرة، ويحتمل أنه كان من المفسدين في الأرض...


إلى أن قال: قال ابن عبد البر[316]: حديث القتل في الخامسة مُنكر، وقد ثبت: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"[317]، وثبت: السرقة فاحشة وفيها عقوبة، وثبت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد؛ وهم يقرؤون: ï´؟ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ï´¾ [المائدة: 38] كما اتفقوا على الجزاء في قتل الخطأ، وهم يقرؤون: ï´؟ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ï´¾ [المائدة: 95] ويمسحون على الخفين وهم يقرؤون: غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسُّنة.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.26 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]