الأكل في آنية الذهب والفضة
وليد بن سعد الفالح
نوقش: أن النهي عن إناء الذهب لا يصدق على المضبب[55].
أجيب عنه: بأن النهي عن إناء الذهب إن لم يعم المضبب بالعبارة فإنه يعمه بالدلالة[56].
د - حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها [57] قالت: قال رسول الله : لا يصلح من الذهب شيء ولا خربصيصة[58][59].
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث عام في التحريم من استعمال الذهب فيكون شاملاً للأواني.
نوقش: بأن الحديث ضعيف[60].
هـ - حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم[61].
وجه الاستدلال: دل الحديث على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة، وكذلك الإناء الذي فيه شيء من الذهب، والمضبب فيه شيء من الذهب فيقتضي التحريم.
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف[62].
الدليل الثاني: أن العلة في تحريم الذهب والفضة هي التشبه بالجبابرة ونحوهم، وهذه العلة موجودة في الإناء المضبب بالذهب، فيحرم[63].
يناقش: لا يسلم أن العلة في تحريم الذهب والفضة هي التشبه بالجبابرة، فلقد اختلف العلماء في الحكمة من التحريم من الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وقد سبق بيان ذلك، وذكر العلة الراجحة التي ذكرها ابن القيم[64]، وكذلك أيضاً لا يسلم وجود التشبه بالإناء المضبب بخلاف الإناء الخالص من الذهب.
القول الثاني: جواز الأكل في الآنية المضببة بالذهب، وهو مذهب الحنفية[65]، وقال به محمد بن الحسن[66] وقول عند المالكية[67]، وقول جمهور الشافعية[68].
أدلة القول الثاني:
استدلوا بما يلي:
الدليل الأول: قياس ضبة الذهب على ضبة الفضة بجامع أن كلاً منهما محرم استعماله في الأواني، فلما جازت الضبة من الفضة جازت من الذهب[69].
نوقش بأمرين:
الأمر الأول: قياس الذهب على الفضة قياس مع الفارق، إذ أن الفضة يحل منها ما لا يحل من الذهب[70].
الأمر الثاني: القياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابل النص الدال على جواز الاستثناء بالنسبة للتضبيب في الفضة[71].
الدليل الثاني: أن ضبة الذهب تابعة للإناء والصبرة[72] للمتبوع لا للتابع[73].
نوقش: أن مستعمل الإناء المضبب بالذهب مستعمل لكل أجزاء الإناء، والأصل في استعمال آنية الذهب في الأكل والشرب التحريم[74].
الدليل الثالث: قياس الإناء المضبب بالذهب على اليد التي فيها الخاتم، حيث أنه يجوز الشرب باليد مع وجود الخاتم[75].
نوقش: بأن الخاتم ليس جزءاً من اليد بخلاف الضبة فإنها جزء من الإناء[76].
الترجيح:
الذي يظهر – والله أعلم – رجحان القول الأول وهو بتحريم الأكل من الآنية المضببة بالذهب، لقوة ما استدلوا به، ولورود المناقشة على القول الآخر. والله أعلم.
الفرع الثالث: الأكل في الآنية المضببة بالفضة:
لا تخلو الضبة من أن تكون صغيرة أو كبيرة، وفي كلٍّ منهما حكم، كما سيأتي:
أولاً: إذا كانت الضبة صغيرة:
فقد اختلف الفقهاء في حكم الأكل في الآنية المضببة بالفضة الصغيرة، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: القول بالتفصيل، وهو جواز الأكل في الآنية المضببة بالفضة الصغيرة عند الحاجة، وتحريم ذلك عند غير الحاجة، وهو القول الصحيح من مذهب الحنابلة[77].
دليل القول الأول: دل على تحريم استعمال الإناء المضبب ضبة صغيرة لغير حاجة الأدلة العامة الدالة على التحريم في استعمال الذهب والفضة عموماً، ودل على جوازه في الضبة الصغيرة لحاجة ورود الدليل المخصص الذي يقتضي الإباحة فيقتصر عليه ويبقى ما عداه على الأصل.
القول الثاني: جواز الأكل في الآنية المضببة بالفضة الصغيرة مطلقاً، وهو مذهب الحنفية[78]، والقول عند المالكية[79]، والصحيح من مذهب الشافعية[80].
أدلة القول الثاني: استدلوا بما يلي
الدليل الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أن قدح النبي انكسر فاتخذ مكان الشَّعْب[81] سِلسلة من فضة»[82].
وجه الاستدلال: دل الحديث على تضبيب النبي الإناء بالفضة، وهذا دليل على جواز استعمال التضبيب بالضبة الصغيرة.
يناقش: بأن الحديث دل على جواز التضبيب بالفضة للضبة الصغيرة، لكن يقيد بوجود الحاجة، أما مع عدم الحاجة لا يجوز استعمال المضبب اليسير.
الدليل الثاني: قياس ضبة الفضة على قبيعة السيف[83] بجامع الصِّغَر في كل واحدة منهما[84].
نوقش بأمرين:
الأمر الأول: أن المقيس عليه ليس محل اتفاق بين أهل العلم حيث قال بعضهم بالتحريم[85].
الأمر الثاني: بأن القياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة النص القاضي بالتحريم، ثم إن الإباحة وردت على اليسير للحاجة فيقتصر عليه.
الدليل الثالث: أن الإناء المضبب بضبة صغيرة من فضة، هي ضبة يسيرة مغتفر فيها، ولا يحصل فيها سرف ولا خيلاء، فتكون كالضبة من النحاس وغيره[86].
يناقش: بالتسليم بإباحة اليسير من الفضة، مع اشتراط الحاجة؛ لحديث أنس رضي الله عنه المتقدم، ومع عدم وجود الحاجة لا يجوز استعمال المضبب اليسير.
الدليل الرابع: أن الضبة الصغيرة من الفضة يقدر معظم الناس على مثلها، فلا تمنع[87].
نوقش بأمرين:
الأمر الأول: أن العلة في تحريم آنية الذهب والفضة ليست منحصرة في كسر قلوب الفقراء، بل هناك حِكَم وعلل أخرى منها ما هو مستنبط، ومنها ما هو تعبدي، وقد سبق الكلام عن الحكمة في تحريم الأكل في آنية الذهب والفضة[88].
الأمر الثاني: بالتسليم بإباحة الضبة الصغيرة من الفضة لكن ليس على سبيل الإطلاق، بل هو بقيد وجود الحاجة فقط.
الدليل الخامس: أن الضبة تابعة للإناء ولا عبرة للتابع، فأشبه الثوب المنسوج من الحرير وغيره[89].
نوقش بأمرين:
الأمر الأول: أن قياس الضبة التابعة للإناء على الثوب المنسوج من الحرير وغيره قياس مع الفارق؛ إذ أن الحرير يباح لجنس من الناس وهو النساء فجاز أن يعفى عنه مع غيره، وأواني الذهب والفضة لم يأت الشرع بإباحتها لأحد فلم يعف عنه مع غيره[90].
الأمر الثاني: التسليم بإباحة الضبة الصغيرة من الفضة لكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل هو بقيد وجود الحاجة فقط.
القول الثالث: تحريم الأكل في الآنية المضببة بالفضة الصغيرة مطلقاً، وهو قول أبي يوسف من الحنفية[91][92]، وقول عند المالكية وهو الأصح[93]،
ووجه عند الشافعية[94] وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها[95]، وقول الحسن البصري[96][97]، وابن سيرين[98][99].
أدلة القول الثالث:
استدلوا بما يلي:
الدليل الأول: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي قال: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة[100].
وجه الاستدلال: دل الحديث على عموم النهي، فهو شامل للضبة الصغيرة سواء لحاجة أو لغير حاجة، فيبقى على عمومه حتى يرد الدليل المخصص.
يناقش: بأن الحديث السابق الذي تضمن النهي، ورد عليه دليل يخص هذه المسألة بالجواز للحاجة وهو حديث أنس رضي الله عنه: أن قدح النبي انكسر فاتخذ مكان الشَّعْب سِلسلة من فضة[101].
الدليل الثاني: حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم[102].
وجه الاستدلال: دل الحديث على عموم النهي، فهو شامل للضبة الصغيرة سواء لحاجة أو لغير حاجة، فيبقى على عمومه حتى يرد الدليل المخصص.
يناقش: بما سبق في الدليل الأول.
الدليل الثالث: بما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تنهانا أن نتحلى الذهب أو نضبب الآنية أو نحلقها بالفضة، فما برحنا حتى رخصت لنا وأذنت لنا أن نتحلى بالذهب، وما أذنت لنا ولا رخصت لنا أن نحلق الآنية أو نضببها بالفضة[103].
وجه الاستدلال: دل عموم هذا النص على المنع من التضبيب بالفضة مطلقاً سواء كان لحاجة أو لغير حاجة.
يناقش: بما سبق في الدليل الأول.
الترجيــح:
الذي يظهر – والله أعلم - رجحان القول الأول وهو القول بالتفصيل في جواز الأكل في الآنية المضببة بالفضة الصغيرة عند الحاجة، وتحريم ذلك عند غير الحاجة للبقاء على الأصل، وهو أن آنية الذهب والفضة على التحريم إلا ما قام الدليل على إباحته فلا يتجاوز لغيره.
ثانياً: إذا كانت الضبة كبيرة:
فقد اختلف الفقهاء في حكم الأكل في الآنية المضببة بالضبة الكبيرة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تحريم الأكل في الآنية المضببة بالضبة الكبيرة مطلقاً، وهو قول عند المالكية وهو الأصح[104]، والقول الصحيح في مذهب الحنابلة[105].
أدلة القول الأول:
استدلوا بما يلي:
الدليل الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن قدح النبي انكسر فاتخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضة[106].
وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الضبة اليسيرة كانت جائزة بناء على النص المخصص للعموم؛ لأنه ورد فيه تشعيب القدح في موضع الصدع وهو يسير، فيقتصر عليه، ويبقى ما عداه على الأصل وهو التحريم.
الدليل الثاني: حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم[107].
يتبع