عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-02-2020, 02:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قراءة ونقد كتاب (الكوكبُ الدُّرِّي في أنَّ صومَ يومِ عرَفةَ لم يَصُمْه النبيُّ صل

قراءة ونقد كتاب (الكوكبُ الدُّرِّي في أنَّ صومَ يومِ عرَفةَ لم يَصُمْه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)

التعقيب: أنَّ هذا مخالِفٌ لفَهمِ الراسخينَ من أهلِ العِلْم؛ ويدُلُّ على ذلك ما يلي:


أولًا: ذكَرَ جمعٌ من الأئمَّةِ والمحدِّثينَ أنَّ لفظةَ (يوم عرَفةَ) في هذا الحديثِ غيرُ مَحفوظةٍ؛ قال الأثرمُ في ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) (ص: 151): (وأمَّا حديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ فإنه حديثٌ تفرَّدَ به مُوسى بن علِيٍّ. وروى الناسُ هذا الحديثَ مِن وُجوهٍ كثيرةٍ، فلم يُدخِلوا فيه “صوم عرَفةَ”، غيرَه؛ فالأحاديثُ إذا تظاهَرَت فكثُرَت كانت أثبَتَ مِن الواحدِ الشاذِّ”.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التمهيد)) (21/ 163): (هذا حديثٌ انفرَدَ به مُوسى بن علِيٍّ عن أبيهِ، وما انفرَدَ به فليس بالقويِّ. وذِكرُ يومِ عَرفةَ في هذا الحديثِ غيرُ محفوظٍ، وإنما المحفوظُ عن النبيِّ e مِن وجوهٍ: “يومُ الفِطرِ، ويومُ النَّحرِ، وأيَّامُ التشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ”).
وهذا قولُ جمْعٍ من العلماءِ المُصنِّفين في علومِ الحديثِ؛ فإنهم حِين يتكلَّمون عن الحديثِ الشاذِّ يَذكُرون هذا الحديثَ مثالًا على الشُّذوذِ في المتنِ، ومنهم الزَّركشيُّ، والسَّخاويُّ، وزَكريا الأنصاريُّ، وعلي القاري.
[ينظر: ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) للزركشي (2/ 137)، ((فتح المغيث)) للسخاوي (1/ 245)، ((فتح الباقي بشرح ألفية العراقي)) لزكريا الأنصاري (1/ 233)، ((شرح النخبة)) للقاري (ص: 334)].
ثانيًا: على فرْضِ صِحَّةِ هذه اللفظةِ وعَدمِ شُذوذِها؛ فإنَّ وصفَ يومِ عَرفةَ بأنه عِيدٌ لا يدُلُّ على عَدمِ مشروعيَّةِ صيامِ يومِ عَرَفةَ لغيرِ الحُجاجِ؛ لأنَّ المقصودَ به أنَّ عرَفةَ عِيدٌ لأهلِ عرَفةَ مِن الحُجاجِ؛ لاجتماعِهم فيه، قال الإمامُ الطَّبريُّ: (وليس في قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يومُ عرَفةَ، ويومُ النَّحرِ، وأيَّامُ التشريقِ عِيدُنا أهلَ الإسلامِ، هنَّ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ» دَلالةٌ على نَهيِه عن صومِ شيءٍ مِن ذلك، وإنْ كان صومُ يومِ النحرِ غيرَ جائزٍ عندنا؛ لنَهيِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن صومِه نصًّا، ولإجماعِ الأمَّةِ نقلًا عن نبيِّها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لا يجوزُ صومُه. وإنما قلْنا: لا دلالةَ له في ذلك مِن قولِه على نَهيِه عليه السلامُ عن صومِ شيءٍ مِن ذلك؛ لصِحَّةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا صاموا يومًا قبلَه أو يومًا بعده، وهو لهم عِيدٌ، فلم يُحرِّمْ صومَه عليهم مِن أجلِ أنَّه عِيدٌ لهم، بل وعَدَهم -مِن اللهِ على صومِه على ما أطلَقَه لهم- الجزيلَ من الثَّوابِ، فكذلك يومُ عَرفةَ لا يَمنَعُ كونُه عِيدًا مِن أنْ يَصومَه بغيرِ عرَفةَ مَن أراد صومَه، بل له على ذلك الثوابُ الجزيلُ والأجرُ العظيمُ…). [((تهذيب الآثار- مسند عمر)) للطبري (1/351)].
ونقَل ابنُ القيِّمِ في ((زاد المعاد)) (1/ 62) عن شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ قولَه: (إنما يكونُ يومُ عَرفةَ عيدًا في حقِّ أهلِ عرَفةَ؛ لاجتماعِهم فيه، بخلافِ أهلِ الأمصارِ، فإنهم إنَّما يَجتمِعون يومَ النَّحرِ، فكان هو العيدَ في حقِّهم).
وقال ابنُ حَجرٍ في ((فتح الباري)) (4/238): (وقيل: إنما كُرِه صومُ يومِ عَرفةَ؛ لأنه يومُ عِيدٍ لأهلِ الموقفِ؛ لاجتماعِهم فيه. ويُؤيِّده ما رواه أصحابُ السُّننِ عن عُقبةَ بنِ عامرٍ مرفوعًا: «يومُ عَرفةَ، ويومُ النحرِ، وأيامُ مِنًى عِيدُنا أهلَ الإسلامِ».
وقال الشَّوكانيُّ في((نيل الأوطار)) (4/ 284): (اعلَمْ أنَّ ظاهرَ حديثِ أبي قَتادةَ المذكورِ في البابِ: أنَّه يُستحَبُّ صومُ يومِ عَرفةَ مُطلقًا، وظاهرُ حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ المذكورِ في البابِ أيضًا: أنَّه يُكرَهُ صومُه مُطلقًا؛ لِجَعْلِه قريبًا في الذِّكرِ ليَومِ النَّحرِ وأيَّامِ التشريقِ، وتعليلُ ذلك بأنها عِيدٌ، وأنَّها أيامُ أكلٍ وشُربٍ. وظاهرُ حديثِ أبي هُريرة: أنَّه لا يجوزُ صومُه بعَرفاتٍ؛ فيُجمَعُ بيْن الأحاديثِ بأنَّ صومَ هذا اليومِ مُستحَبٌّ لكلِّ أحدٍ، مكروهٌ لمَن كان بعرفاتٍ حاجًّا. والحكمةُ في ذلك: أنَّه ربَّما كان مُؤدِّيًا إلى ضَعفٍ عن الدُّعاءِ والذِّكرِ يومَ عَرفةَ هنالك، والقيامِ بأعمالِ الحجِّ. وقيل: الحكمةُ أنَّه يومُ عيدٍ لأهلِ الموقفِ؛ لاجتماعِهم فيه، ويُؤيِّده حديثُ أبي قتادةَ…).
ومِن المؤاخَذات: قولُه في صفحة (59- 65): (عن عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها، قالت: “ما رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صائمًا في العشرِ قطُّ”… قلت: وهذا الحديثُ نصٌّ صريحٌ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَصُمِ العشرَ الأُولى مِن ذي الحجةِ، واليومُ التاسعُ منها، وهو يومُ عَرفةَ، واللهُ ولِيُّ التوفيقِ، فقولُها: (ما رأيتُه صائمًا قطُّ)؛ يَتعذَّرُ تأويلُ بعضِ العلماء فيه؛ لأنه صريحٌ في أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَصُمْ مُطلقًا في أيامِ العشرِ مِن ذي الحجةِ، وعلى هذا ممَّا جاء أنَّه ما صام صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جميعِ العشرِ هو الأصلُ، فليُتأمَّلْ). وقد أطال المؤلِّفُ في إثباتِ صِحَّةِ هذا الحديثِ وطُرُقه في 15 صفحة، وهو لا يحتاجُ إلى كلِّ هذا!
التعقيب: هذا الذي زعَمه المؤلِّفُ مخالِفٌ أيضًا لفَهمِ العلماءِ الراسخينَ؛ يُوضِّح ذلك قولُ الإمامِ النَّوويِّ تعليقًا على هذا الحديثِ: (قال العلماءُ: هذا الحديثُ ممَّا يُوهِمُ كراهةَ صومِ العشرِ، والمُراد بالعشرِ هنا الأيامُ التِّسعةُ مِن أولِ ذي الحجةِ، قالوا: وهذا ممَّا يُتأوَّلُ؛ فليس في صومِ هذه التِّسعةِ كراهةٌ، بل هي مُستحبَّةٌ استحبابًا شديدًا، لا سيَّما التاسعُ منها، وهو يومُ عَرفةَ، وقد سبَقَت الأحاديثُ في فضلِه، وثبَت في صحيحِ البُخاري: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «ما مِن أيامٍ العمَلُ الصالحُ فيها أفضَلُ منه في هذه»، يعني العشرَ الأوائلَ مِن ذي الحجةِ؛ فيُتأوَّلُ قولُها: (لم يَصُمِ العشرَ) أنَّه لم يَصُمْه لعارضِ مرَضٍ، أو سفَرٍ، أو غيرِهما، أو أنها لم تَرَه صائمًا فيه، ولا يَلزَمُ مِن ذلك عَدمُ صيامِه في نفْسِ الأمرِ، ويدلُّ على هذا التأويلِ حديثُ هُنيدةَ بنِ خالدٍ، عن امرأتِه، عن بعضِ أزواجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصومُ تِسعَ ذي الحجةِ، ويومَ عاشوراءَ، وثلاثةَ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، الاثنينِ مِن الشهرِ والخميسَ، ورواه أبو داودَ، وهذا لفظُه، وأحمدُ، والنَّسائي). [((شرح النووي على مسلم)) (8/71)]
وقولُ الحافظِ ابنِ حَجرٍ تعليقًا على حديثِ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها أيضًا: (لاحتمالِ أنْ يكونَ ذلك لكونِه كان يَترُك العملَ وهو يُحِبُّ أنْ يَعملَه؛ خَشيةَ أنْ يُفرَضَ على أُمَّتِه، كما رواهُ الصحيحانِ مِن حديثِ عائشةَ أيضًا). [((فتح الباري)) لابن حجر (2/460)].
وممَّا يُوضِّح ذلك أيضًا قولُ الإمامِ الطَّحاويِّ في [((شرح مشكل الآثار)) (7/418-419)]: (يجوزُ أنْ يكونَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يكُنْ يصومُ فيها على ما قالت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها؛ لأنه كان إذا صام ضعُفَ عن أنْ يَعمَلَ فيها ما هو أعظَمُ مَنزلةً مِن الصومِ وأفضلُ منه؛ مِن الصلاةِ، ومِن ذِكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وقراءةِ القرآنِ… وإنْ كان الصومُ فيها له مِن الفضلِ ما له ممَّا قد ذُكِرَ في هذه الآثارِ التي قد ذكَرْناها فيه، وليس ذلك بمانعٍ أحدًا مِن المَيلِ إلى الصومِ فيها، لا سيَّما مَن قدَرَ على جمْعِ الصومِ مع غيرِه من الأعمالِ التي يُتقرَّبُ بها إلى اللهِ).
وأيضًا فإنَّ عائشةَ لو علِمَت أنَّ النبيَّ نهى عن صيامِه ما صامَتْه في الحجِّ، وفي غيرِ الحجِّ، كما ورَدَ عن القاسمِ بن محمَّدٍ قال: “كانت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها تصومُ يومَ عَرفةَ. ولقد رأيتُها عشيَّةَ عرَفةَ يَدفَعُ الإمامُ، ثم تقِفُ حتى يَبْيَضَّ ما بيْنها وبين الناسِ مِن الأرضِ، ثم تَدعو بالشرابِ فتُفطِرُ”. أخرَجه مالكٌ في “الموطَّأ” (1/ 375 – 376 رقم 133)، وهو أثرٌ موقوفٌ صحيحٌ، ويُنظَر [التحبير لإيضاح معاني التيسير: (6/ 261)، التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 456)].
ومِن المؤاخَذات: استدلالُ المؤلِّفِ (ص:71) بحديثِ ابن عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما قال: (ما رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتحرَّى صِيامَ يومٍ فضَّلَه على غيرِه إلَّا هذا اليومَ؛ يومَ عاشوراءَ، وهذا الشهرَ، يعني: شهرَ رمضانَ)، أخرَجه البُخاري (2006) واللفظ له، ومسلم (1132)… وأطال في تخريجِه.
ثم قال معلِّقًا: (وهذا يدُلُّ على أنَّ صيامَ يومِ عاشوراءَ كان معروفًا عند الصحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم، بل وحتى عند الأنبياءِ في السابقِ. قلت: وأمَّا صومُ يومِ عَرفةَ لم يكُنْ معروفًا عندهم، وإلَّا لَذكَره ابنُ عباسٍ رضِيَ اللهُ عنهما. وهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يَتحرَّ فضْلَ صيامِ يومِ عَرفةَ، بل كان يَطلُب فضلَ صومِ يومِ عاشوراءَ على غيرِه مِن الأيامِ، وهذا نصٌّ صريحٌ، ولا اجتهادَ مع وُجودِ نصٍّ. قلت: والسلَفُ على هذا الاتِّباعِ، أي: أنهم لم يَتحرَّوا إلَّا صومَ يومِ عاشوراءَ فقطْ، ولم يأمُروا إلَّا به)!
التعقيب: يقولُ ابنُ حَجرٍ في [((فتح الباري)) (4/249)] عن حديثِ ابنِ عباسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: (هذا يَقتَضي أنَّ يومَ عاشوراءَ أفضلُ الأيامِ للصائمِ بعدَ رمضانَ، لكنَّ ابنَ عباسٍ أسنَدَ ذلك إلى عِلْمِه؛ فليس فيه ما يَرُدُّ عِلمَ غيرِه، وقد روى مسلمٌ مِن حديثِ أبي قتادةَ مرفوعًا: “إنَّ صومَ عاشوراءَ يُكفِّرُ سنةً، وإنَّ صيامَ يومِ عَرَفةَ يُكفِّرُ سَنتينِ”، وظاهرُه أنَّ صيامَ يومِ عَرَفةَ أفضلُ مِن صيامِ يومِ عاشوراءَ، وقد قِيل في الحكمةِ في ذلك: إنَّ يومَ عاشوراءَ مَنسوبٌ إلى مُوسى عليه السلامُ، ويومَ عرَفةَ مَنسوبٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فلذلك كان أفضلَ).
وقال الشيخُ الألبانيُّ في [((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (1/454)]: (التعارضُ بيْن نفْيِ ابنِ عباسٍ فضْلَ يومٍ غيرَ عاشوراءَ، وإثباتِ غيرِه -كأبي قتادةَ- الأمْرُ فيه هيِّنٌ؛ لِمَا تقرَّرَ في الأصولِ أنَّ المُثبِتَ مُقدَّمٌ على النافي”، ويُؤيِّدُ هذا أنَّ ابنَ عباسٍ رضِيَ اللهُ عنهما لم يَذكُرْ صومَ شعبانَ، وقد ثبَت عند [البُخاري (1971) واللَّفظُ له، ومسلم (782)] عن عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها، أنها قالت: (لم يكُنِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصومُ شهرًا أكثَرَ مِن شعبانَ؛ فإنه كان يصومُ شعبانَ كلَّه)؛ فاقتصارُ ابنِ عباسٍ على ذِكْرِ يومِ عاشوراءَ لا يَستلزِمُ ضعفَ الأحاديثِ التي ذَكَرت غيرَه).
وهذا كلُّه واضحٌ غيرُ محتاجٍ إلى تنبيهٍ، لكنْ كم مِن عائبٍ قولًا صحيحًا وآفتُه من الفَهمِ السقيمِ!
ومِن المؤاخَذات: استدلالُ المؤلِّفِ (ص: 68) بحديثِ أبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيقَ رضِيَ اللهُ عنه بعَثه في الحجةِ التي أمَّرَه عليها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قبل حَجةِ الوداعِ يومَ النَّحرِ في رهطٍ، يُؤذِّنُ في الناسِ: (ألَا لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشركٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريانٌ) أخرَجه البُخاري (1622) واللفظُ له، ومسلم (1347).
ثم أعقَبه المؤلِّفُ بقولِه: (وهذا الدليلُ الضربةُ القاضيةُ للمجوِّزينَ لصومِ يومِ عَرفةَ؛ وذلك أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان حَجُّه في السنةِ العاشرةِ في حَجةِ الوداعِ، وقد حجَّ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِيَ اللهُ عنه بالناسِ في السَّنةِ التاسعةِ بأمْرِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان النبيُّ في الحضَرِ، ولم يكُنْ حاجًّا، ولم يُنقَلْ عنه أنَّه صام يومَ عَرفةَ وهو في المدينةِ في السَّنةِ التاسعةِ؛ ممَّا يدُلُّ على أنَّ صومَ يومِ عَرفةَ غيرُ مشروعٍ صومُه، ولو كان مشروعًا لصامَه، وأمَرَ الناسَ بصيامِه، كما فعَلَ في أمْرِه بصَومِ يومِ عاشوراءَ وغيرِه مِن صومِ النفْلِ).
التعقيب: أوَّلًا: نَعجَبُ من هذا الأسلوبِ: الضَّربةُ القاضيةُ! وهو أسلوبُ ما يُسمَّى اليومَ بالمصارعةِ الحُرَّةِ، وكأنه في حَلبةِ مُصارعةٍ مع المخالِفين له، وهم كِبارُ عُلماءِ وفقهاءِ الأمَّةِ.
وثانيًا: ما الضربةُ القاضيةُ للمجوِّزين في هذا الحديثِ؟! وما وجهُ الدليلِ في هذا الحديثِ؟! فليس فيه أكثرُ ممَّا ذُكِر سابقًا، وإذا لم يُنْقَلْ أمْرُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للناسِ بالصومِ في هذه السَّنةِ، فإنه لم يُنقَلْ عنه أيضًا أنَّه نهى الناسَ عن صومِه في ذاتِ السَّنةِ؛ التاسعةِ من الهجرةِ، مع أنَّ بيانَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لفضْلِ ذلك اليومِ كان سابقًا على ذلك، وليس في عَدمِ صَومِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دليلٌ على عدَمِ مشروعيةِ صيامِ يومِ عَرَفةَ كما بينَّاه.
ثم إنَّ هذا كلامٌ عجيبٌ! فلم يَتناوَلْ أحدٌ من المُتقدِّمين ولا المتأخِّرين هذا الحديثَ بمثلِ ما تناوَلَه هذا المؤلِّفُ؛ فالحديثُ موضوعُه تكليفُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا بكرٍ بإبلاغِ مَن معه مِن الحُجاجِ أحكامًا عامَّةً تتعلَّق بشريعةِ الحجِّ تُراعى في العامِ القادمِ، حتى إنَّ أطولَ رِواياتِ هذا الحديثِ إنما تَختصُّ بسَرْدِ قصَّةِ هذا البلاغِ؛ وكونُه لم يُذكَرْ فيه صومُ يومِ عرَفةَ لغيرِ الحاجِّ، فلا حُجةَ فيه على كلامِه، خاصَّةً وأنَّ البلاغَ وقتُه كان يومَ النَّحرِ.
وقولُ المؤلِّف: (ولم يُنقَلْ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه صام يومَ عَرفةَ وهو في المدينةِ في السَّنةِ التاسعةِ؛ ممَّا يدُلُّ على أنَّ صومَ يومِ عَرفةَ غيرُ مشروعٍ صومُه، ولو كان مشروعًا لصامَه، وأمَرَ الناسَ بصيامِه، كما فعَلَ في أمْرِه بصومِ يومِ عاشوراءَ، وغيرِه مِن صومِ النفْلِ) خطأٌ ظاهرٌ؛ فلا يُسلَّمُ له أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يَصُمْه، وحتى لو سلَّمْنا بعدَمِ صيامِه، فلا يدُلُّ هذا على عَدمِ المشروعيَّةِ؛ فقد تقرَّرَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ربَّما ترَكَ فِعلَ بعضِ المستحبَّاتِ لبعضِ الأمورِ الخاصَّةِ به؛ كمرضٍ، أو سفرٍ، أو اشتغالٍ بما هو أَولى في حقِّه، أو يَترُكه لبعضِ المصالحِ الأخرى التي تعودُ على أُمَّتِه؛ كخشيةِ الفرْضيَّةِ؛ فقد حثَّ على صيامِ يومِ عَرَفةَ، ورغَّب فيه ببَيانِ ثوابِه وأجْرِه، كما سبَق.
وقد قال الإمامُ ابنُ حزْمٍ في [((المحلَّى)) (7/18)]: (أمَّا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَصُمْه فلا حُجَّةَ لكم في ذلك؛ لأنه عليه السلامُ قد حضَّ على صِيامِه أعظَمَ حضٍّ، وأخبَر أنَّه يُكفِّرُ ذُنوبَ سنتينِ، وما علينا أنْ نَنتظِرَ بعدَ هذا أيصومُه عليه السلامُ أم لا؟ ثم ذكَرَ قولَ عائشةَ أمِّ المؤمنين أنَّها قالت: إنْ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيترُكُ العملَ وهو يُحِبُّ أنْ يَعمَلَ به؛ خَشيةَ أنْ يَعملَ به الناسُ، فيُفرَضَ عليهم).
ويَلحَقُ بهذا أيضًا: قولُه في صفحة (83): (وقد بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ أفضلَ الصِّيامِ بعدَ شهرِ رمضانَ صيامُ شهرِ مُحرَّمٍ، ولم يَذكُرْ صيامَ يومِ عَرَفةَ في شهرِ ذي الحجةِ، مع أنَّ الأجرَ الذي ذُكِرَ في صومِ يومِ عَرفةَ أعظمُ؛ لأنه يُكفِّرُ السَّنةَ الماضيةَ والسَّنةَ الباقيةَ، وهذا يدُلُّ على أنَّ صومَ يومِ عَرفةَ غيرُ مشروعٍ في الدِّين)!
التعقيب: سبَق بيانُ ما في هذا الكلامِ مِن الخطأِ والجُرأةِ على دِين اللهِ تعالى، وقد حفَل هذا البحثُ بآراءِ عُلماء متقدِّمين ومتأخِّرين، ولكنَّ المؤلِّفَ لم يَلتفِتْ إلى أدلَّتِهم وقولِهم بمَشروعيةِ صيامِ يومِ عَرَفةَ لغيرِ الحاجِّ على سبيلِ التطوُّعِ لا الفرضِ.
وخُلاصةُ الكلامِ في هذه المسألةِ: أنَّ تعدُّدَ الأخبارِ والأحاديثِ الصحيحةِ عن صيامِ يومِ عَرَفةَ وفضْلِه، مع وجودِ أخبارٍ وأحاديثَ تدلُّ على عَدمِ صيامِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم له، وكذلك عَدمُ صيامِ بعضِ الصحابةِ فيه؛ كلُّ هذا يُجْمَعُ بَيْنَه، ولا يَنفي بعضُه بعضًا؛ فهو مِن باب تعدُّدِ الأوصافِ الصحيحةِ للأمْرِ الواحدِ، وفيه مِن السَّعةِ التي تُبِيحُ للمسلمينَ أنْ يأخُذوا بأيِّ وجهٍ دونَ حرَجٍ؛ فأمْرُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصيامِه وبَيانُ فضْلِه، ثم عَدمُ صومِه له على الدوامِ: أكبَرُ دليلٍ على سَعةِ الاختيارِ، وليس دليلًا على نفْيِ سُنَّيةِ أو مَشروعيَّةِ العملِ به، وعَدمُ فِعلِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لكلِّ ما حثَّ عليه وأمَرَ به لا يَنفي صِفةَ المشروعيةِ عمَّا قاله؛ لأنه يُشرِّعُ للمسلمينَ ما فيه خيرُهم ونفْعُهم، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليس مُطالَبًا بأنْ يَفعَلَ بنفْسِه كلَّ ما ألْزَمَ به أمَّتَه، وإلَّا سنَجِدُ أنفُسَنا قد ألْغَينا كثيرًا من أُمورِ الشرعِ التي أمَرَ بها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولم يَفعَلْها، كما أنَّه في حالةِ النهيِ أو الزَّجرِ عن الفعلِ لم يَقَعْ فيها قبْلَ أنْ يَنهى عنها، بل هي أُمورٌ تَضبِطُ تصرُّفاتِ المسلمِ، والمُشرِّعُ إنَّما يُعلِّمهم ويُرشِدُهم؛ لأنَّ الأوامرَ والنواهيَ تكونُ مُوجَّهةً لأفرادِ الأمَّةِ، فيَسمَعون ويُطيعون، ويأْتون منها ما استطاعوا، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التغابن: 16].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.45 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.16%)]