
03-02-2020, 11:30 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة :
|
|
رد: مناقشة دفاعات الأشعرية المعاصرة في مسألة إيمان المقلد
مناقشة دفاعات الأشعرية المعاصرة في مسألة إيمان المقلد
. محمد براء ياسين
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد حكى أقوال الأشعرية في هذه المسألة في كتابه «درء تعارض العقل والنقل» في موضعين:
فقال في الموضع الأول: «وقد تنازع أصحاب الأشعري وغيرهم في النظر في قواعد الدين: هل هو من فروض الأعيان، أو من فروض الكفايات؟
والذين يجعلونه فرضاً على الأعيان، متنازعون: هل يصح الإيمان بدونه وتاركه آثم، أم لا يصح؟ على قولين.
والذين جعلوه شرطاً في الإيمان، أو أوجبوه، ولم يجعلوه شرطاً اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان، ولم يوجب العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام»[57].
وبالمقارنة بين هذا النص وبين نصوص أئمة الأشعرية آنفة الذكر يظهر أنه حكى أقوالهم كما حكوها هم، ولم ينسب القول بتكفير من ترك النظر التفصيلي لأحد منهم، بله أن يشنع عليهم بقولٍ لم ينسبه لهم.
وقال في الموضع الثاني: «فإن الأشعرية متنازعون في النظر: هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ وفي الواجب: هل هو المعرفة أو الاعتقاد الجازم المصمم؟ وهل يسمى ذلك علماً أم لا؟»[58]. ثم نقل كلاماً للجويني، وكلاماً لأبي إسحاق الإسفراييني.
ويظهر بالمقارنة بين نص الجويني الذي نقله ابن تيمية ونص الجويني الذي نقله أبو القاسم الأنصاري (ت512هـ)، والذي أشرنا له آنفاً؛ تطابقهما في المعنى، وإن اختلفت بعض الألفاظ.
أما مسألة تكفير العوام؛ وهي فرع عن هذه المسألة:
1- فثمة إشارةٌ تاريخية نود ذكرها هنا، وهي أن القول بتكفير العوام كان من الأقوال المستشنعة المنسوبة للمذهب الأشعري، في الحملة التي قامت ضدهم من جهة بعض ملوك السلاجقة في خراسان في منتصف القرن الخامس الهجري، والتي اضطر علماء الأشعرية للجواب عنها، فأجاب عنها أبو القاسم القشيري (ت 465هـ) في رسالته «شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة»، ونفاها عن الأشعري أبو محمد الجويني (ت 438هـ) في رسالة له، قبل وقوع الفتنة المذكورة[59].
وقد نسب القشيري في رسالته المذكورة هذا التشنيع للكرامية، ثم قال في جوابه: «والظن بجميع عوام المسلمين أنهم يصدقون الله تعالى في أخباره، وأنهم عارفون بالله مستدلون عليه بآياته، فأما ما تنطوي عليه العقائد ويستكن في القلوب من اليقين والشك فالله تعالى أعلم به، وليس لأحد على ما فى قلب أحد اطلاع، فنحن نحكم لجميع عوام المسلمين بأنَّهم مؤمنون مسلمون فى الظاهر، ونحسنُ الظنَّ بهم، ونعتقد أنَّ لهم نظراً واستدلالاً في أفعال الله وأنهم يعرفونه سبحانه والله أعلم بما فى قلوبهم»[60].
2- نقل أبو القاسم الأنصاري عن الجويني قوله: «في تكليف العوام النظر والاستدلال[61] في هذه المسائل التزام تكليف ما لا يطاق، فمآل هذا القول تكفير العوام. وإنما كُلِّفوا الاعتقاد السديد العري عن الشك والارتياب ولم يكلفوا العلم.. وهذا الاعتقاد الذي يُكتَفَى به من العوام لا يتأتى ولا يتميَّزُ عن اعتقاد المُخمِّن إلا إذا كان صادراً عن مبادئ النظر، وهو أن يستند إلى الدليل من حيث الجملة، وإن لم يحسن تحريره وتقريره، والانفصال عن الشبه التي تورد عليه، فإن العلم الحقيقي إنما يحصل عند هذه الأمور»[62].
وقال الجويني في «العقيدة النظامية»: «جماهير الخلق من أهل السنة على عقد صحيح في الدين يتعلق بالمعتقَد على ما هو به، ولكن عقدهم ليس بمعرفة، فإن المعتقَد لا يعرف ضرورةً، وجماهير الخلق لا يستقلون بالأدلة. ولو امتحن الملقّبون بالإمامة فضلاً عن العوام بدلالة قاعدة واحدة لبقوا فيها حيارى، فإذا كانت المعرفة لا تثبت دون الأدلة ولا تحصل ضرورة، ولا يستقل بالأدلة كل من يعاني الكلام أيضاً فمعظم العقود ليست معارف، ولكنها عقود مستقرة صائبة مصمّمة. وما كلف الله الخلائق حقيقة معرفته ودرك اليقين في الدين، والدليل على ذلك أن الأولين ما كُلِّفوا تتبع الأدلة، وإنما طولبوا بعقد مصمم وشهادة والتزام أحكام، وهم إن بقوا في عاقبتهم على عقدهم ناجون فائزون»[63].
3- وقال أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) في كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»: «من أشد الناس غلواً وإسرافاً طائفة من المتكلمين؛ كفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانياً»[64].
4- وقال السنوسي في «شرح أم البراهين» بعد أن اختار القول بكفر المقلد: «واستُشكِل القول بأن المُقلِّدَ ليس بمؤمن، لأنه يلزمه تكفير أكثر عوام المسلمين وهم معظم هذه الأمة، وذلك مما يقدحُ فيما عُلِم أنَّ سيدنا ونبيَّنَا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً، وورد أن أمته المشرفة ثلثا أهل الجنة.
وأجيب بأن المراد بالدليل هو الدليل الجملي وهو الذي يحصِّل في الجملة للمكلف العلم والطمأنينة بعقائد الإيمان، بحيث لا يقول قلبه فيها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ولا يشترط النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبهة الواردة عليها، ولا القدرة على التعبير عما حصل في القلب من الدليل الجملي الذي حصلت به الطمأنينة.
ولا شك أن النظر على هذا الوجه غيرُ بعيد حصوله لمعظم هذه الأمة أو لجميعها فيما قبل آخر الزمان الذي يُرفَع فيه العلم النافِع ويكثرُ فيه الجهل المضرّ، ولا يبقى فيه التقليد المطابق فضلاً عن المعرفة عند كثير ممن يُظنُّ به العلم فضلاً عن كثير من العامة، ولعلنا أدركنا هذا الزمان بلا ريب، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»[65].
فهذه نصوص أئمة الأشعرية، وفيها التصريح بعدم تكفير العامة.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ذكر هذه المسألة في كتابه «درء تعارض العقل والنقل»: «وكذلك ذكر غير واحد من أئمة الكلام؛ من أصحاب الأشعري وغيرهم، ذكروا أن المعرفة بالله تعالى قد تحصل ضرورةً، وأنهم مع قولهم بوجوب النظر فإنهم يقولون بإيمان العامة، إما لحصول المعرفة لهم ضرورة، وإما لكونِهِم حصَلَ لهم من النظر ما يقتضي المعرفة، وإما لصحة الإيمان بدون المعرفة، ونقلوا صحة إيمان العامة عن جميعهم»[66].
ثم نقل ابن تيمية بعد كلامه هذا كلاماً للكيا الهراسي (ت 504هـ) تلميذ الجويني يقول فيه: «وأما علمائنا فكلهم مجمعون على أن العامة مؤمنون، وأنهم حشو الجنة»[67].
فابن تيمية يحكي أقوال الأشعرية في إيمان العامة كما حكوها هم، وينقل ألفاظ بعضهم في ذلك.
ونسبة القول بتكفير العامة إلى الأشعرية إنما جاءت من بعض الطوائف الأخرى، فجاءت من الكرامية كما ذكره القشيري (ت 465هـ)، وجاءت من الماتريدية، إذ نسب شارح «الفقه الأكبر» إلى الأشعرية تكفير العوام، واستقبح قولهم[68].
وقد اتضح مما تقدم أن دفاع بعض الأشعرية المعاصرين عن مذهبهم في إيمان المقلد بنفي نسبة القول بالتكفير للمذهب غير صحيح، كما أن نسبتهم لأهل السنة القولَ بالتشنيع على الأشعرية بتكفير العوام غير صحيحة أيضاً.
وبعد أن انتهينا إلى هذا، وحصل المقصود، تجدر الإشارة إلى أمرين:
الأول: أن الأشعرية وإن لم يقولوا بتكفير العوام بناء على مسألة إيمان المقلد، فقد وقع في كلام بعضهم ذمّ العوام لعدم اعتقادهم لمسائل هي من خصائص المذهب الأشعري المخالفة لاعتقاد أهل السنة، ويكون العوام فيها على الفطرة والسنة، كمسألة إثبات العلو لله تعالى، وتأثير الأسباب في المسببات، وإثبات الحكمة والتعليل لأفعال الله تعالى[69].
الثاني: أن القول بوجوب النظر التفصيلي سواء على الكفاية أو الأعيان؛ قد ينطوي على إيجاب الاستدلال بأدلة بدعية، كدليل الأعراض وحدوث الأجسام، فثمة حاجة للنظر في أقوال الأشعرية في حكم الاستدلال بهذا الدليل، لكن هذا البحث خارج عن المقصود، وإنما حسنت الإشارة له لتعلقه بالمسألة. والله أعلم.
[1] الطريقة النافية لوجود القول بتكفير المقلد في المذهب الأشعري نُسِبت للآمدي (ت 631هـ) في «أبكار الأفكار»؛ فنسبها له ابن زكري التلمساني (ت 900هـ) في نظمه «محصل المقاصد»، واللقاني في «نهاية المريد» (1/200-201)، والبيجوري (ت 1277هـ) في «تحفة المريد» (ص78)، وكلام الآمدي (ت 631هـ) في «الأبكار» (1/164)، وفي مراده من حكاية إجماع الأصحاب على خلاف قول أبي هاشم احتمالٌ، وهو أن يكون المحكي الاتفاق على خلافه هو القول باشتراط النظر التفصيلي للإيمان، وليس النظر الإجمالي.
وسلك هذه الطريقة: التقي السبكي (ت 756هـ) في فتاواه (2/365)، والجلال المحلي (ت 864هـ) كما نقله عنه اللقاني في «نهاية المريد» (1/199)، والوهراني (ت 929هـ) في «الجيش والكمين» (ص38).
وأشار السنوسي (ت 895هـ) في «شرح الوسطى» (ص38)، و«شرح الصغرى» (ص15) إلى إنكار بعضهم لوجوده القول بتكفير المقلد قولًا من أقوال الأشعرية.
[2] في النسخة المطبوعة: «ما ادعاه على مخالفه»، وينعكس بهذا المعنى. والتصويب من «عمدة القاري» (1/182).
[3] في النسخة المطبوعة: «الباحثين»، والتصويب من «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1 /204).
[4] «شرح الإرشاد» (1/142).
[5] «شرح الإرشاد» (1/142-143).
[6] انظر «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).
[7] «المختصر الكلامي» (ص111).
[8] «شرح معالم أصول الدين» (ص660)، ونقل كلامه السنوسي في «شرح الكبرى» (ص41)، وذكر مضمونه اللقاني في «هداية المريد لجوهرة التوحيد» (1/199)، وقال: «وغلّطه فيه بعض أهل عصره، على أنه هو نفسه عزى لمن ذكر في بعض كتبه عدم الجواز، لا عدم الصحة».
[9] «شرح معالم أصول الدين» (ص45).
[10] «العقيدة الوسطى مع شرحها» (ص23).
[11] «شرح الكبرى» (ص12)، «شرح الصغرى» (ص14). ونسب في «شرح المقدمات» (ص94) القول بالاكتفاء لكثير من المحققين. وعلل اليوسي (ت 1102هـ) الاختلاف بين النسبة الأولى والثانية أنه في الأولى أراد جمهور الكلاميين وفي الثانية غيرَهم، أو أن في النسبة الثانية رجوعاً عن الأولى. «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/196).
[12] «حاشية الدسوقي على الصغرى» (ص55).
[13] «شرح الصغرى» (ص15).
[14] (ص75).
[15] «نهاية المريد» (1/197).
[16] (ص39).
[17] (ص13)، وذكر أن المشهور القول بصحة إيمانه مخالفاً السنوسي.
[18] (ص77).
[19] (ص35).
[20] (ص70).
[21] «حاشية الدسوقي» (ص57) و«حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/206).
[22] «حاشية الدسوقي» (ص56)، و«تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص41).
[23] «حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين» (ص56 -57).
[24] «الشامل في أصول الدين» (ص122).
[25] «المختصر الكلامي» (ص112). انظر «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).
[26] وهو المسمى «عمدة أهل التوفيق والتسديد» (ص12-13).
[27] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).
[28] (ص38-39).
[29] (ص15).
[30] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).
[31] (ص56-57).
[32] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/206).
[33] في المطبوع (أو) والتصويب من «شرح السنوسي على الصغرى» (ص16).
[34] «المتوسط في الاعتقاد» (ص113-114).
[35] «شرح السنوسي على أم البراهين» (ص16).
[36] «حاشية الدسوقي» (ص62).
[37] «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص39).
[38] «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص40).
[39] «شرح معالم أصول الدين» (ص46).
[40] «المختصر الكلامي» (ص112). انظر «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).
[41] «شرح أم البراهين» (ص15).
[42] «حاشية الدسوقي» (ص56)، «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص41)، «تحفة المريد على جوهرة التوحيد» (ص77)، «حاشية الشرقاوي على شرح الهدهدي على أم البراهين» (ص45).
[43] «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص39).
[44] «حاشية الدسوقي» (ص62).
[45] (ص660).
[46] (1/163-164).
[47] «شرح المعالم في أصول الدين» (ص45).
[48] (ص113).
[49] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (ص45). ونقل الباجوري في «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص35) تقريرَ اليوسي في أن الدليل التفصيلي لا يتوَقَّفُ عليه الإيمان حتى عند من قال بوجوبه على الأعيان.
[50] (ص17).
[51] (ص45).
[52] (ص34-37).
[53] (ص55).
[54] (ص70).
[55] (ص30).
[56] «الدر الثمين والمورد المعين على الضروري من علوم الدين» لميارة (1/55).
[57] «درء تعارض العقل والنقل» (7/408).
[58] « درء تعارض العقل والنقل» (7/440).
[59] «تبيين كذب المفتري» (ص115).
[60] «طبقات الشافعية» للسبكي (3/419).
[61] أي: التفصيلي، بدليل ما بعده.
[62] «الغنية في الكلام» لأبي القاسم الأنصاري (1/245-246)، وقارن بـ« درء تعارض العقل والنقل» (7/440).
[63] «العقيدة النظامية» (ص268).
[64] «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» (ص75).
[65] «شرح أم البراهين» (ص17-18).
[66] «درء تعارض العقل والنقل» (7/357).
[67] «درء تعارض العقل والنقل» (7/358).
[68] «شرح الفقه الأكبر» (ص15).
[69] انظر كلام السنوسي في «شرح الكبرى» (ص37)، وكلامه هذا في صدد مناقشته لعصريه ابن زكري التلمساني (ت 900هـ) الذي كان يعدّ فطرة العوام مجبولة على التوحيد، وإن عجزوا عن التعبير.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|