الموضوع: آفة الاستعجال
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-02-2020, 09:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,150
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آفة الاستعجال

آفة الاستعجال



الشيخ حسن عبدالعال محمود


6- ومن آفات الاستعجال في حياتنا:
استعجال بعض الناس للشهوة المحرمة، وإيثارهم الدنيا العاجلة على الآخرة الآجلة، كما قال الله: ï´؟ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ï´¾ [القيامة: 20]، وتلك والله آفةٌ خطيرة، يكفي أن تعلم يا بنَ آدم، أن الذي أخرج أباك آدم من الجنة، أنه استعجل الأكل من الشجرة التي نُهِيَ عنها، فأكل منها هو وزوجه، فأخرجهما الله من الجنة.

7- الاستعجال على الرزق:
جاء في كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه دخل المسجد، وقال لرجل كان واقفًا على باب المسجد: أمسك عليَّ بغلتي، فأخذ الرجل لجامَها، ومضى وترك البغلة، فخرج عليٌّ وفي يده درهمان ليكافِئَ بها الرجل على إمساكه بغلتَه، فوجد البغلة واقفة بغير لجام، فركبها، ومضى ودفع إلى غلامه درهمين ليشتري بهما لجامًا، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين، فقال علي كرم الله وجهه: إن العبد لَيَحرِمُ نفسَه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزداد على ما قُدِّرَ له[10].

ب- الاستعجال المحمود:
ويكون في أمور الخير والمسارعة إلى أعمال الآخرة؛ من منطلق قول الله عز وجل: ï´؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ï´¾ [آل عمران: 133].

وقال سبحانه: ï´؟ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ï´¾ [الحديد: 21].

والإنسان لا يضمن ألا تأتيه المعوقات التي يصعب على الإنسان معها أن يؤدي ما عليه من طاعات، ولقد ذُكرت تلك المعوقات في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرما مفندًا، أو موتًا مجهِزًا، أو الدجالَ؛ فشرُّ غائبٍ يُنتظَرُ، أو الساعةَ؛ فالساعةُ أدهي وأمرُّ؟)) [11].

نذكر عدة أمور يستحب بل ربما يجب في بعضها العجلة:
1- الاستعجال في التوبة إلى الله:

يقول جل في علاه: ï´؟ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ï´¾ [النساء: 17، 18].

فالتوبة من الأمور العاجلة التي لا تحتاج إلى تسويف؛ فلربما أتى الموت بغتةً فيحتاج الإنسان أن يتوب، ولكن قد أُغلق باب التوبة دونه!

2- الاستعجال في أداء الحقوق إلى أصحابها:
عن عمر بن سعيد قال: أخبرنا ابن أبي مُلَيْكةَ، عن عقبة، قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصرَ، فسلم ثم قام مسرعًا، فتخطى رقابَ الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ((ذكرتُ شيئًا من تِبْرٍ عندنا؛ فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته))[12].

3- ومنها أيضًا: الاستعجالُ في أداء الدَّيْنِ؛ لخطورته:
عن أبي هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءَها، أدَّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافَها، أتلفه الله))[13].

عن جابر قال: تُوفِّي رجل، فغسلناه، وحنطناه، وكفناه، ثم أتينا به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ يصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه، فخطا خُطًى، ثم قال: ((أعليه دَيْنٌ؟))، قلنا: ديناران، فانصرف، فتحمَّلَهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحق الغريم، وبَرِئَ منهما الميِّتُ؟))، قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ((ما فعل الديناران؟))، فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيْتُهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الآن بردتْ عليه جلده))[14].

4- العجلة في أداء فريضة الحج:
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعجلوا إلى الحج - يعنى: الفريضةَ - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له))[15].

وفي رواية: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أراد الحج، فليَتعجَّلْ))[16].

وفي رواية لابن ماجه: عن ابن عباس عن الفضل (أو أحدهما عن الآخر) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أراد الحج، فليتعَجَّلْ؛ فإنه قد يمرضُ المريض، وتَضِلُّ الضالة، وتعرض الحاجة))[17].

5- ومن العجلة المحمودة - أيضًا -: تعجيل الفطر:
عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر))[18].

ثالثًا: سبل العلاج[19]:
1- إمعان النظر في الآثار والعواقب المترتبة على الاستعجال؛ فإن ذلك مما يهدئ النفس، ويحمل على التريث والتأني.

2- دوام النظر في كتاب الله عز وجل؛ فإن ذلك يبصرنا بسنن الله في الكون، وفي النفس، وفي التشريع، ومع العصاة والمكذبين، والبصيرة بهذه السنن تهدِّئُ النفس، وتساعد على التأني والتروي، قال الله تعالى: ï´؟ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ï´¾ [الأنبياء: 37]، ï´؟ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ï´¾ [الإسراء: 9].

3- دوام المطالعة في السنة والسيرة النبوية؛ فإن ذلك مما يوقعنا على مقدار ما لاقى النبي صلى الله عليه وسلم من الشدائد والمحن، وكيف أنه تحمل وصبر، ولم يستعجل، حتى كانت العاقبة له، وللمنهج الذي جاء به.

ومعلوم أن الوقوف على ذلك مما يضبط حركةَ المسلم، اقتداء وتأسيًا به صلى الله عليه وسلم ï´؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ï´¾ [الأحزاب: 21].

4- مطالعة كتب التراجم والتاريخ؛ فإن ذلك مما يعرفنا بمنهج أصحاب الدعوات والسلف في مجابهة الباطل، وكيف أنهم تأنوا وتريَّثُوا حتى مُكِّن لهم، وهذا بدوره يحمل على الاقتداء والتأسي، أو على الأقل المحاكاة والمشابهة على حد قول القائل:
فتشبَّهوا إن لم تكونوا مِثلَهم
إن التشبُّهَ بالرجال فلاحُ


5- مجاهدة النفس، وتدريبها على ضرورة التريث والتأني والتروي؛ فإنما الحلم بالتحلم، ومن يتصبَّرْ يُصبِّرْه الله، والرجولة لا تكون إلا بذلك.

6- الانتباه إلى الغاية أو الهدف الذي من أجله يحيا المسلم؛ فإن ذلك يحول دون الاستعجال، ويحمل على إتقان المقدمات، والوقوف عندها، وعدم تجاوزها إلى النتائج.

خاتمة:
إن على أرباب الاستعجال أن يعلموا أن لله في خلقه سننًا لا تتبدَّلُ، وأن لكل شيء أجلاً مسمًّى، وأن الله لا يَعْجَل بعجلة أحد من الناس، وأن لكل ثمرة أوانًا تنضج فيه، فيحسن عندئذٍ قطفُها، والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها، فهو لا يملك ذلك، وهي لا تملكه ولا الشجرة التي تحملها، إنها خاضعة للقوانين الكونية التي تحكمها وتجري عليها بحساب ومقدار.

العجلة في غير موضعها تدل على ضعف العقل، وقلة رزانته، وغلبة الشهوة عليه؛ ولهذا قال ابن القيم: لا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول، وجاء في الحديث: ((التأني من الله، والعجلة من الشيطان)).

وإذا كانت العجلة في أصلها مذمومة ومنقصة، فنقيضها، وهو التواني والكسل والتردد والتخاذل، كلُّها رذائل، لا تليق بحكيم.


[1] مستدرك الحاكم، تعليق الحافظ الذهبي في التلخيص: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[2] صحيح ابن حبان، قال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.

[3] رواه مسلم.

[4] رواه مسلم.

[5] رواه البخاري.

[6] رواه مسلم.

[7] رواه البخاري.

[8] رواه البخاري.

[9] رواه مسلم.

[10] كتاب المستطرف في كل فن مستظرف؛ للأبشيهي.

[11] رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن).

[12] رواه البخاري.

[13] رواه البخاري.

[14] رواه أحمد، تعليق شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن؛ من أجل عبدالله بن محمد بن عقيل، فإنه يعتبر به في المتابعات والشواهد، فيُحسَّنُ حديثه، وباقي رجال الإسناد: ثقاتٌ رجالُ الصحيح.

[15] رواه أحمد، تعليق شعيب الأرناؤوط: حسن.

[16] أبو داود، قال الشيخ الألباني: حسن.

[17] رواه ابن ماجه: قال الشيخ الألباني: حسن.

[18] رواه البخاري.

[19] انظر كتاب: "آفات على الطريق"؛ للدكتور السيد محمد نوح.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.56%)]