الإيجار: أهميته، مشروعيته، خصائص عقده
أ. د. محمد جبر الألفي
وفي حكم حديث لها بتاريخ 17/ 10/ 1990م رفضت محكمة النقض الفرنسية اعتبار العقد إيجارًا؛ لأن مدعي الإجارة لم يكن يستأثر بغلة الأرض؛ حيث إن حقه كان يقتصر على أن يجعل مواشيه ترعى العشب الذي ينمو في الأرض من شهر إبريل إلى شهر نوفمبر على مدى أربع سنوات، وكان مالك الأرض هو الذي يقوم بجني ما تنتجه هذه الأرض من البطاطس[56].
30- أما بالنسبة للمنتجات - كالمعادن والفحم والأحجار والرمال - فقد استقر القضاء الفرنسي على أنها لا يمكن إطلاقًا أن تكون محلاًّ لعقد إجارة؛ لأن المستغل يستولي على مادة الشيء وجوهره، وهذا يتناقض مع حقيقة الانتفاع، وخاصة ما يتعلق بالتزام المستأجر أن يرد الشيء المستأجر كاملًا عند انتهاء الإجارة[57]، وقد استمر الفقه الفرنسي في انتقاد هذا القضاء دون كلل أو ملل[58]؛ لأن مستأجر المنجم له حق استغلاله، مثل صاحب حق الانتفاع، طبقًا لنص المادة (598) مدني فرنسي.
وذهب بعض الفقه إلى اعتبار مثل هذا التعاقد ينتج عقدًا مختلطًا: فهو - أساسًا - عقد بيع يرد على منقول، وهو - تبعًا - عقد إيجار يرد على عقار[59].
31- موقف قانون المعاملات المدنية من تكييف العقد على الثمار والمنتجات: عرفت المادة (742) الإيجار بأنه تمليك منفعة مقصودة لمدة معينة لقاء أجر معلوم، وأكدت المادة (745) هذا المعنى بقولها: "المعقود عليه في الإجارة هو المنفعة"، وقد بينا فيما سبق: أن جمهور الفقهاء لا يجيزون إجارة الكرم والشجر لأخذ ثمره، أو إجارة المراعي لأخذ الكلأ الذي تنتجه؛ لأن المنفعة عندهم لا تتناول الأعيان من الثمر والكلأ، وقلنا أيضًا: إن بعض الفقهاء - وخاصة في مذهب مالك وأحمد - يفسرون "المنفعة" تفسيرًا يتسع لإدخال الأعيان التي تحدث شيئًا فشيئًا مع بقاء أصلها، وأن بعضهم أجاز - استثناءً - إجارة العين التي لا يمكن الحصول على منفعتها إلا باستهلاك أصلها؛ كإجارة الشموع للإضاءة[60]، وعلى ذلك: نفرق بين ثمرات الأرض المتجددة التي لا تنقص الأصل، وبين المنتجات التي لا يمكن الحصول عليها إلا باقتطاع جزء من أصلها.
أ - فإذا كان محل العقد هو الثمر المتجدد الذي يحدث شيئًا بعد شيء مع بقاء أصله، وكان التعاقد عليه لمدة معينة لقاء أجر معلوم، فلا نرى ما يمنع من اعتباره "إجارة"؛ مراعاة لتخيُّر "أنسب الحلول من مذهبي الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل"[61].
ب - أما إذا كان محل العقد منتجات لا يمكن الحصول عليها إلا باستهلاك أصلها أو باقتطاع جزء منه، فلا يصلح اعتبار العقد إجارة؛ لأن هذا التكييف يتعارض مع نص المادة (776) معاملات، التي تعتبر أن "الشيء المؤجَّر أمانة في يد المستأجر، يضمن ما يلحقه من نقص أو تلف أو فقدان ناشئ عن تقصيره أو تعدِّيه، وعليه أن يحافظ عليه محافظة الشخص العادي"، ولا ينسجم مع نص المادة (784/ 1) التي توجب "على المستأجر رد الشيء المؤجر عند انقضاء مدة الإيجار إلى المؤجر بالحالة التي تسلمه بها، إلا ما يكون قد أصاب الشيءَ من هلاك أو تلفٍ لسببٍ لا يدَ له فيه".
32- الإيجار المنتهي بالتمليك: لا يختلف الفقه ولا القضاء في تحديد ماهية العقد إذا اتفق المتعاقدان على نقل ملكية شيء معين مقابل أقساط محددة تدفع خلال مدة معلومة؛ فهذا هو البيع بالتقسيط (Vente a temperament)، الذي أجازه الفقه الإسلامي، واعتبره أحد صور بيع النسيئة[62]، ولكن يقع اللبس في تحديد ماهية العقد الذي يسميه الطرفان "عقد إيجار"، مع أن نيتهما تكون قد انصرفت إلى حقيقة البيع، ليتمكن البائع من ترويج بضاعته حيث يبيعها بأقساط يسهل على المشتري دفعها، وفي نفس الوقت يحتفظ بملكية المبيع؛ حتى يحصل على القسط الأخير من ثمنه، وقد اتخذ هذا العقد عدة صور في الحياة العملية، نكتفي منها بثلاثة نماذج: البيع الإيجاري، والإيجار المقترن بوعد بالبيع، والتمويل الإيجاري.
33- أ - البيع الإيجاري[63] (Hire-purchase) أو (********-Vente): تتلخص فكرة "البيع الإيجاري" في التعاقد على شيء، يتفق الطرفان على أنه مؤجر لمدة معلومة لقاء أجر دوري محدد، بحيث إذا دفع المستأجر هذا الأجر كله أصبح الشيء مملوكًا له في نهاية المدة، أما إذا أخلَّ بشروط التعاقد فإن العقد ينفسخ، ويعود الشيء إلى المؤجر، ولا يسترد المستأجر شيئًا مما دفعه.
وقد ظهر هذا العقد في إنجلترا عام 1846م، ولما زادت أهميته في الحياة العملية تدخل المشرع لتنظيمه عام 1938م، ثم عام 1954م، و 1957م، وفي ظل هذه التشريعات ظهر اتجاهان في تحليل هذا العقد:
يرى الاتجاه الأول أن هذا العقد أقرب إلى الإيجار منه إلى البيع؛ لأن الحائز يحصل على الشيء باعتباره مستأجرًا له، وله الحق في أن يتملكه بعد انتهاء مدة الإيجار مقابل دفع مبلغ إضافي.
ويرى الاتجاه الآخر أن هذا العقد أقرب إلى البيع منه إلى الإيجار؛ لأنه ينتهي بتملك الشيء، إذا رغب المشتري، مقابل ثمن يدفع على أقساط، بمجرد دفع القسط الأخير، ودون حاجة إلى إبرام عقد جديد[64].
34- فلما انتقلت فكرة "البيع الإيجاري" إلى فرنسا، برزت في العمل تفرقة بين التعاقد على المنقول، والتعاقد على العقار[65]: ذلك أن الانتفاع بالمنقول لمدة طويلة - وخاصة إذا كان من الأجهزة والمعدات - يفقده كثيرًا من قيمته الاقتصادية، ويقربه من نهاية عمره الافتراضي، مما يجعل المنتفع يزهد في تملُّكه بعد طول الاستعمال؛ لذا تدخل المشرع في 10/ 1/ 1978م لتنظيم هذا التعامل لحماية المستهلكين، وإبطال بعض شروط العقد باعتبارها شروطًا تعسفية.
أما القضاء فقد أكد أن البيع الإيجاري الوارد على المنقول يتضمن عملية قانونية لا تقبل التجزئة، تتكون من البيع والإيجار معًا، وكذلك المقابل الموحد، فتكييف العقد - إذًا - يجعله ذا طبيعة تعاقبية: يبدأ إيجارًا، وينتهي بيعًا، ولا يجوز اعتباره بيعًا منذ انعقاده؛ لأن المؤجر - البائع يظل مالكًا للعين، ويتحمل تبعة هلاكها طوال مدة الإيجار، إلا إذا كان هناك اتفاق مخالف[66].
35- والأمر يختلف إذا كان محل "البيع الإيجاري" عقارًا، فمع أنه يسمح "للمستأجر - المتملك" بالحصول على عقار مقابل دفعات منجمة، ودون دفع تقدمة مالية، فإنه يحرمه من كافة الضمانات إذا أعسر " المؤجر - المالك" أو أفلس، ثم إنه لا يملِك أي سلطة لإدارة هذا العقار، على الرغم من أن التزاماته تتجاوز التزامات المستأجر العادي، بل يمكن اعتباره "المالك المستتر".
أما طبيعة العقد فتظل كما هي في المنقول: العقد مختلط، ومحله على التعاقب: الانتفاع بالشيء مدة محددة، يعقبها تملك هذا العقار، وقد تدخل المشرع بقانون 12/ 7/ 1984م، لتنظيم العلاقة بين المتعاقدين؛ فأنشأ عقدًا جديدًا أسماه: "********-accession"؛ أي: الإيجار المقترن بوعد بالبيع.
36- ب - الإيجار المقترن بوعد بالبيع (********-accession)[67]: العقد المسمى بالإيجار المقترن بوعد بالبيع، ومن ثم يخضع لأحكام قانون 12/ 7/ 1984م، هو العقد الذي تتوافر فيه ثلاثة عناصر:
1- وعد بالبيع يلتزم به "المؤجر - المالك" لصالح "المستأجر - المتملك" إذا أبدى هذا الأخير رغبته في شراء العقار خلال مدة معينة.
2- الانتفاع بالعقار - مقابل عوض - لمدة سابقة على انتقال الملكية.
3- الوفاء - حتى وقت مزاولة حق الخيار - بالأجرة، ومقابل "الحق الشخصي لنقل ملكية المال".
فإذا تخلَّف أحد هذه العناصر الثلاثة، فإن العقد لا يخضع لأحكام قانون 12/ 7/ 1984م، بل يعتبر مجرد بيع إيجاري، أو إيجارًا مقترنًا بوعد بالتمليك، تطبق عليه أحكام قانون 13/ 7/ 1979م، السابق الإشارة إليه، أما إذا توافرت هذه العناصر الثلاثة، فإن قانون 1984 يمنح "المستأجر - المشتري" سلطة إدارة العقار طوال مدة الانتفاع، وإذا لم يُبدِ رغبته في شرائه خلال المدة المعينة يلتزم "المؤجر - البائع" برد المبالغ المستحقة له، ولا يحتفظ إلا بتعويض يساوي 1% من ثمن المبيع[68].
37- جـ - التمويل الإيجاري (Leasing) أو (Credit-Bail)[69]: ظهر هذا العقد في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي عام 1953م تحت اسم: (Leasin)، ثم انتقلت فكرته إلى فرنسا حوالي عام 1962م تحت اسم: (Credit-Bail)، وبعد ذلك ظهر في مصر تحت اسم: (التأجير المالي)[70]، وتتلخص فكرة هذا العقد في وجود علاقة ذات أطراف ثلاثة: الطرف الأول يسعى لاستئجار معدات وتجهيزات وآلات وعقارات لاستخدامها في مشروع إنتاجي، والطرف الثاني يتمثل في الشركات المتخصصة في إنتاج وبيع هذه الأجهزة، أما الطرف الثالث فهو مؤسسة ائتمان لتمويل المشروعات، تشتري هذه الأجهزة أو العقارات من الشركات المتخصصة، وتؤجرها لصاحب المشروع الإنتاجي لمدة تقارب العمر الافتراضي لهذه الأجهزة بأجر مرتفع يضمن لها استرداد ثمن الأجهزة أو العقارات مع هامش ربح مناسب، وبانتهاء مدة الإيجار يستطيع المستأجر: إما إنهاء العقد ورد الأشياء المؤجرة، وإما تملُّك العقار والأجهزة، نتيجة وعد انفرادي سابق، ويثمن غالبًا ما يتفق عليه عند بداية التعاقد، وإما تجديد عقد الإيجار لمدة أخرى بأجر أقل[71].
وإزاء انتشار هذا العقد بصورة مذهلة، تدخل المشرع الفرنسي لتنظيمه في 2/ 7/ 1966، ثم في 6/ 1/ 1986م، وراقبت محكمة النقض بدقة تطبيقاته المختلفة، حتى إنها حكمت في 19/ 11/ 1991م بأن التمويل الإيجاريَّ لا يمكن أن يمارسه بصفة معتادة إلا المؤسسات الائتمانية، وإلا اعتبر العقد باطلًا[72]، أما تكييف هذا العقد فلا يزال الفقه القانوني مختلفًا عليه، نظرًا لطبيعته المركبة، ولو أن القضاء قد اعتبره إيجارًا يتضمن كثيرًا من الشروط الجزائية، وليس بيعًا ائتمانيًّا[73].
38- موقف قانون المعاملات المدنية من الإيجار المنتهي بالتمليك: لم يتعرض قانون المعاملات المدنية لحكم الإيجار المنتهي بالتمليك، لا في النظرية العامة للعقد، ولا في عقد البيع أو عقد الإيجار، إلا ما جاء في المادة (513) من أنه: "1 - يجوز للبائع، إذا كان الثمن مؤجلًا أو مقسطًا، أن يشترط تعليق نقل الملكية إلى المشتري حتى يؤدي جميع الثمن، ولو تم تسليم المبيع، 2 - وإذا تم استيفاء الثمن تعتبر ملكية المشتري مستندة إلى وقت البيع"، وقد جاء في المذكرة الإيضاحية تعليقًا على هذه المادة: "وهي مستمدة من المواد (187، 188) من المجلة، (454، 455) من مرشد الحيران، وهذه المادة تقابل المواد (487) أردني، (430) مصري، (398) سوري، (534) عراقي.
أما أن هذه المادة مستمدة من المواد (187/ 188) مجلة، (454/ 455) مرشد الحيران، فهذا محل شك: لأن اشتراط البائع تعليق نقل الملكية إلى المشتري حتى يؤدي جميع الثمن، لم يكن جائزًا في ظل مجلة الأحكام العدلية، ولأن المادتين (454/ 455) من مرشد الحيران تتعلقان بحق البائع في حبس المبيع لاستيفاء جميع الثمن، ولو قدم له المشتري رهنًا أو كفيلًا.
وأما أن هذه المادة تقابل المواد (487) أردني، (430) مصري، (398) سوري، (534) عراقي، فهذا يصح بالنسبة للمادة (487) من القانون المدني الأردني؛ لما بينها وبين المادة (513) معاملات مدنية من التطابق التام، والأمر يختلف قليلًا بالنسبة لسائر المواد المذكورة: ذلك أن المشرع في كل من مصر وسوريا والعراق واجَهَ بحزم موضوع البيع الإيجاري الذي قصد به حقيقة البيع بالتقسيط، ولكن تم إظهاره في صورة عقد إيجار، فنص في المواد المذكورة على ما يلي[74]: "1 - إذا كان البيع مؤجل الثمن، جاز للبائع أن يشترط أن يكون نقل الملكية إلى المشتري موقوفًا على استيفاء الثمن كله، ولو تم تسليم المبيع، 2 - فإذا كان الثمن يدفع أقساطًا، جاز للمتعاقدين أن يتفقا على أن يستبقي البائع جزءًا منه تعويضًا له عن فسخ البيع، إذا لم توفَّ الأقساط، ومع ذلك يجوز للقاضي تبعًا للظروف أن يخفض التعويض المتفق عليه وَفْقًا للفقرة الثانية من المادة 224[75]، 3 - وإذا وفيت الأقساط جميعًا، فإن انتقال الملكية إلى المشتري يعتبر مستندًا إلى وقت البيع، 4 - وتسري أحكام الفقرات الثلاثة السابقة ولو سمى المتعاقدان البيع إيجارًا"، أما إذا اتجهت نية المتعاقدين إلى إبرام عقد إيجار مقترن بوعد بالبيع، فإنه يخضع لأحكام الإيجار، ولا تنتقل الملكية إلى المستأجر، إذا أبدى رغبته في ذلك، إلا بعد انتهاء عقد الإيجار، ولا يكون لانتقال الملكية أثر رجعي، وهذا ما جرى عليه القضاء في مصر؛ حيث قرر أن تكييف البيع الإيجاري وتقرير ما إذا كان بيعًا أم إيجارًا يرجع إلى قصد المتعاقدين، الذي تستخلصه محكمة الموضوع مستهدية بنصوص العقد[76]، وهو ما نرى الأخذ به في ظل قانون المعاملات المدنية، تطبيقًا لنص المادة (258/ 1): "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني"، ونص المادة (265/ 2): "إذا كان هناك محل لتفسير العقد، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل، وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقًا للعرف الجاري في المعاملات"، وقد نص قانون المعاملات التجارية في المادة (121) على أن: "تسري أحكام البيع بالتقسيط.. ولو سمى المتعاقدان البيع إيجارًا".
39- حكم الإيجار المنتهي بالتمليك في الفقه الإسلامي: القاعدة الفقهية العامة التي يمكن تكييف صور هذا العقد على أساسها أن "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني"، بمعنى أنه ينبغي استقراء ملابسات التعاقد للوصول إلى النية المشتركة لطرفيه، فإذا كشفت هذه النية عن عقد بيع بالتقسيط، عد العقد بيعًا، ولو سماه المتعاقدان إجارة، وبناءً على ذلك:
أ - البيع الإيجاري (Hire-Purchase) أو (********-Vent)، الذي يتفق فيه الطرفان على أن الشيء المؤجر لمدة معلومة لقاء أجر دوري محدد، بحيث إن المستأجر إذا دفع الأجرة كلها يصبح مالكًا له في نهاية المدة - يعتبر بيعًا ساترًا لعقد إيجار، وتعتبر "الأجرة" ثمنًا للمبيع يدفع على أقساط محددة، ويترتب على هذا التكييف الفقهي للعقد انتقال ملكية الشيء من "المؤجر - البائع" إلى "المستأجر - المشتري" بمجرد العقد - على رأي جمهور الفقهاء - لأن حكم العقد ثبت بجعل الشارع، ولا دخل لإرادة العاقدين في تعديله[77]، أما على رأي غير الجمهور - كالقاضي شريح وابن شبرمة وابن سيرين وبعض المالكية وكثير من الحنابلة - فإنه يمكن تكييف هذا العقد على أنه بيع أدرج فيه شرط جزائي، مؤداه: عدم انتقال الملكية إلى المشتري إلا بعد الوفاء بكافة الأقساط، وحينئذ يصبح مالكًا بأثر رجعي[78].
ب - الإيجار المقترن بوعد بالبيع (********-accession)، يلزم المؤجر بتمليك العين للمستأجر إذا رغب في ذلك خلال فترة محددة، يمكن تكييفه على أنه عقد بيع بالتقسيط إذا ثبت أن الأقساط المدفوعة لا تتناسب وأجرَ المثل، وكانت نية الطرفين منصرفة إلى انتقال الملكية إلى المستأجر بأثر رجعي، أما إذا كانت الأقساط المدفوعة تتناسب وأجرَ المثل، وكانت نية الطرفين منصرفة إلى انتقال الملكية إلى المستأجر بعد انتهاء الإيجار، فإنه يكون عقد إيجار مصحوبًا بوعد بالبيع، وهذا الوعد لا يلزم البائع قضاءً - على رأي جمهور الفقهاء - ولكن يستحب الوفاء به.
أما على رأي ابن شبرمة، الذي يرى أن "الوعد كله لازم، ويقضى به على الواعد ويجبر"[79]، فإن عقد الإيجار يستمر حتى نهاية مدته، ثم يبدأ عقد بيع بالشروط التي تضمنها الوعد[80].
ج - التمويل الإيجاري (Leasing) أو (Credit-Bail) يمكن تكييفه، من حيث العلاقة بين مؤسسة الائتمان المالكة للأشياء المؤجرة والمستأجر صاحب المشروع الإنتاجي، بأنه عقد إيجار يتضمن كثيرًا من الشروط غير المألوفة في الإجارات، ولكن ارتضاها الطرفان؛ ليحقق كل منهما منفعة مشروعة، وخاصة أن المستأجر لا يلتزم بشيء بعد انتهاء مدة الإجارة، بل هو مخيَّر بين رد ما استأجره إلى مؤسسة الائتمان لتؤجره لآخرين أو لتبيعه، أو تجديد عقد الإيجار لمدة أخرى بشروط جديدة، أو تملك الأشياء المستأجرة نتيجة وعد سابق التزمت به المؤسسة المالكة، وتحددت شروطه من قبل، ويكون انتقال الملكية بدون أثر رجعي[81].
أما حقيقة هذا العقد من الناحية الاقتصادية، فإنها تتمثل في أن الشركات الخاصة بإنتاج وبيع هذه الأجهزة أو ملاك العقارات، يبيعونها لصاحب المشروع الإنتاجي بالتقسيط، وتقوم مؤسسة الائتمان المالي بدفع ثمنها واعتباره قرضًا، على أن تمثل تلك الأجهزة أو العقارات تأمينات عينية لصالح هذه المؤسسة إلى أن يتم سداد القرض[82].
40- وقد لجأت بعض البنوك الإسلامية إلى "حيلة شرعية" تبرر بها جواز عمليات "التأجير المنتهي بالتمليك"، فقالت: "إذا وقع التعاقد بين مالك ومستأجر على أن ينتفع المستأجر بمحل العقد، بأجرة محددة، بأقساط موزعة على مُدَد معلومة، على أن ينتهي هذا العقد بملك المستأجر للمحل، فإن هذا العقد يصحُّ إذا روعي فيه ما يأتي:
أ - ضبط مدة الإجارة، وتطبيق أحكامها طيلة تلك المدة.
ب - تحديد مبلغ كل قسط من أقساط الأجرة.
جـ - نقل الملكية إلى المستأجر في نهاية المدة بواسطة هبتها إليه، تنفيذًا لوعد سابق بذلك بين المالك والمستأجر"[83].
41- ثانيًا - الإيجار والإعارة: بين الإجارة والإعارة فروقٌ لا تسمح بوقوع لَبْسٍ بينهما، فعلى الرغم من أن كلًّا منهما عقد يفيد تمليك منفعة شيء لمدة معينة، فإن هذا التمليك في الإجارة لقاء أجر معلوم، وفي الإعارة بغير عوض[84]؛ ولذلك كان عقد الإيجار من عقود المعاوضة، على عكس الإعارة التي تندرج تحت طائفة عقود التبرع، وقد سبق أن ذكرنا أن الإيجار من العقود الرضائية، التي يكفي لانعقادها مجرد تطابق إرادتي المؤجر والمستأجر[85]، أما الإعارة فإنها من العقود العينية، طبقًا لما ورد في المادة (850) معاملات: "تتم الإعارة بقبض الشيء المعار، ولا أثر للإعارة قبل القبض"، كذلك تقدَّم أن الإجارة عقد ملزم للجانبين، فتسري عليه أحكام الدفع بعدم التنفيذ وأحكام الفسخ إذا توافرت شروط كل منهما[86]، والأمر يختلف بالنسبة للإعارة؛ فهي عقد ملزم لجانب واحد هو المستعير[87]، أما التزام المعير بعدم استرداد العارية المقيدة بزمن أو عمل قبل انتهاء مدتها، والتزامه بعدم استرداد العارية غير المقيدة بزمن ولا عمل قبل انتهاء المدة المعتادة في إعارة مثلها[88]، فإنه ليس التزامًا ناشئًا من العقد نفسه، بل يرجع لأسباب أخرى تالية للعقد، تمشيًا مع قاعدة: "العرف كالشرط، والعادة محكمة"[89].
وعلى الرغم من هذه الفروق الجوهرية بين الإجارة والإعارة، فإن التمييز بينهما قد يدق في بعض الحالات التي تستدعي تحليل عناصر العقد لبيان طبيعته القانونية، ونكتفي من ذلك بهذه الأمثلة:
42- أ - إذا باع شخص لآخر دارًا واستبقى لنفسه حق سكناها مدة معينة، أو باع شخص لآخر أرضًا واستبقى لنفسه حق زراعتها مدة محددة، أو باع شخص لآخر سيارة واستبقى لنفسه حق استعمالها فترة معلومة، فما أساس ثبوت هذا الحق للبائع؟ وما الأحكام التي يمكن أن تطبق إذا حدث نزاع بين البائع والمشتري خلال هذه الفترة؟
ذهب البعض إلى أن ثبوت حق البائع في هذه الحالات يستند إلى عقد إعارة، حتى يفلت من أحكام الإجارة[90].
ويرى البعض أن ثبوت هذا الحق يستند إلى عقد إيجار؛ لأن كلًّا من البائع والمشتري راعى في تقدير الثمن هذا الانتفاع، فيكون انتفاعًا بمقابل، ولا يجوز اعتباره إعارة، بل هو عقد إيجار[91].
وهناك رأي يعتبر أن "الأولى أن يقال: إن حق سكنى الدار جزءٌ من ثمنها، ويكون الثمن في هذه الحالة مكونًا من عنصرين: العنصر الغالب، وهو المبلغ المسمى من النقود، وعنصر آخر ثانوي هو حق سكنى الدار لمدة سنة، ومن ثَم يكون العقد في مجموعه بيعًا لا إيجار فيه"[92].
ونحن نرى تكييف هذا العقد بأنه بيع جرى فيه اتفاق الطرفين على تأجيل تسليم المبيع مدة محددة، أو كما يقول الفقهاء: "عقد مقيد بشرط"[93]، كإيصال المبيع إلى المنزل، وخياطة الثوب.. وقد روي عن عثمان أنه باع دارًا واستثنى سكناها شهرًا"[94].
43- ب - يحدث كثيرًا أن يتضمن عقد التعيين في وظيفة أو عمل تأمين مسكن مناسب على نفقة جهة التعيين، فهل يعتبر الموظف أو العامل مستعيرًا لهذا المسكن، أو يعتبر مستأجرًا له؟
يرى جمهور الشراح تكييف هذا الاتفاق على أنه يتضمن إجارة؛ لأن جهة التعيين وضعت في اعتبارها أن أجرة هذا المسكن جزء من الراتب، ويكون الموظف أو العامل مستأجرًا للسكن، خلافًا لما ذهبت إليه بعض الأحكام من أن العقد إعارة[95].
ونحن نرى أن هذا التكييف لا يستقيم مع ما نصت عليه المادة (747) من قانون المعاملات المدنية: "1 - يشترط أن تكون الأجرة معلومة؛ وذلك بتعيين نوعها ومقدارها إن كانت من النقود، وبيان نوعها ووصفها وتحديد مقدارها إن كانت من غير النقود، 2 - وإذا كانت الأجرة مجهولة جاز فسخ الإجارة، ولزمت أجرة المثل عن المدة الماضية قبل الفسخ"؛ ولذا فنحن ننضم إلى الرأي الذي يعتبر أن العقد في مجموعه عقد عمل، على أساس أن الانتفاع بالمسكن جزء عيني من الأجر أو الراتب، ومن ثم لا نكون بصدد إجارة ولا إعارة[96].
44- جـ - يقع كثيرًا أن الإدارة أو إحدى المؤسسات أو بعض المحسنين يضع تحت تصرف جمعية خيرية مكانًا لاستعماله؛ مدرسة، أو مستشفى، أو دار مناسبات، ويقوم كل من هؤلاء بتحرير عقد ينص فيه على تأجير هذا المكان للجمعية الخيرية لمدة طويلة بإيجار رمزي، أو بإيجار معتاد تم قبضه، أو جرى التنازل عنه، ويكاد يجمع الشراح على أن هذا العقد عقد عارية مستترة باسم الإيجار؛ كالهبة المستترة باسم البيع[97].
ونحن نرى تكييف هذا التعاقد بأنه "حق انتفاع" قرره المالك للجمعية الخيرية بمقتضى تصرف قانوني، طبقًا للمادتين (1333) و(1334) من قانون المعاملات المدنية، وهذا التصرف القانوني يتمثل في "الهبة" التي عرفتها المادة (614) معاملات بأنها: "1 - الهبة تمليك مالٍ أو حق مالي لآخر حال حياة المالك دون عوض، 2 - ويجوز للواهب ـ مع بقاء فكرة التبرع ـ أن يشترط على الموهوب له القيام بالتزام معين، ويعتبر هذا الالتزام عوضًا"، فهذا التكييف أقرب إلى النية المشتركة للمتعاقدين من اعتبار التعاقد إعارة، وعلى ذلك يخضع هذا التصرف لأحكام حق الانتفاع، وخاصة ما ورد في المادة (1336) معاملات، التي تقضي بأن "يراعى في حقوق المنتفع والتزاماته السند الذي أنشأ حق الانتفاع".
45- ثالثًا - الإيجار والإيداع: يختلف عقد الإيجار عن عقد الوديعة اختلافًا جوهريًّا؛ لأن "الإيجار: تمليك المؤجر للمستأجر منفعة مقصودة من الشيء المؤجر لمدة معينة، لقاء أجر معلوم"[98]، و"الإيداع: عقد يخوِّل به المودِع شخصًا آخر حفظ ماله، ويلتزم هذا الشخص بحفظ هذا المال، ورده عينًا"[99]، و"ليس للمودَع عنده أن يطلب أجرة على حفظ الوديعة، أو أجرة للمحل الذي وضعت فيه، إلا إذا اشترط ذلك عند الإيداع، أو جرى عرف خاص به"[100]، ولا يجوز للمودَع عنده أن يستعمل الوديعة أو يرتب عليها حقًّا لغيره، بدون إذن المودِع"[101]، وعلى المودَع عنده رد الوديعة ومنافعها وثمارها إلى المودِع عند طلبها في أي وقت[102]، ومع ذلك، تدق التفرقة بين الإيجار والإيداع في بعض الحالات، الأمر الذي أثار خلافًا في الفقه والقضاء حول التكييف الصحيح لها، من هذه الحالات:
46- أ - إيجار الخزائن الحديدية: (Contrat de coffer - fort)[103]:
تعد المصارف - في أماكن خاصة - خزائن تؤجرها لعملائها لإيداع ما يخشون عليه من المقتنيات الثمينة، أو الوثائق الهامة، ويتقاضى المصرف من العميل مبلغًا معينًا مقابل ذلك، ويسلمه مفتاح الخزانة دون أن يطلع على ما بداخلها، ويحتفظ بمفتاح آخر لاستعماله في حالات الضرورة القصوى؛ كالحريق والفيضان.. إلخ، والمصرف ملتزم بالمحافظة على الخزانة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإبقائها في حالة جيدة، فما طبيعة هذا التعاقد؟
كان الرأي الغالب في الفكر القانوني وفي أحكام القضاء يعتبر أن هذا عقد إيجار، وليس عقد إيداع[104]؛ ذلك أن المصرف يسلم المستأجر مفتاح الخزانة ليضع فيها ما يشاء، فلا يتسلم منه ما يريد إيداعه، ولا يتعهد برده، ومع ذلك كانت بعض الأحكام - مع تكييفها العقد بأنه إجارة - تخضعه لأحكام خاصة بالإيداع، فتعتبر المصرف مسؤولًا عن تلف أو اختفاء الأشياء المودَعة بالخزانة، إلا في حالة القوة القاهرة[105].
غير أن هذا الرأي أصبح مرجوحًا، وغلب عليه رأي آخر يذهب إلى أن هذا العقد إيداع لا إجارة؛ لأن نية الطرفين انصرفت أساسًا إلى إلزام المصرف بالمحافظة على الخزانة، والعميل إنما تعاقد مع المصرف لاعتماده على أن واجب الحفظ يمثل الجانب الجوهري في هذا العقد[106].
وقد صادف هذا الرأي نقدًا شديدًا - مثل سابقه - لأن المصرف لا يعلم شيئًا عن محتويات الخزانة، ولم تنتقل حيازتها إليه، وإنما تظل الحيازة للعميل[107]؛ ولذلك رأى البعض أن هذا العقد هو استئجار للخزانة، ثم هو وديعة للخزانة عند المصرف[108]، ورأى البعض الآخر أنه عقد مختلط، تجتمع فيه الوديعة مع الإيجار[109]، وذهب رأي إلى أنه عقد من نوع خاص، يمكن تسميته: "عقد الحفظ، أو الحراسة Contrat de garde"[110]، أما محكمة النقض الفرنسية فلم تعُدْ تهتم بإلحاق هذه العملية التعاقدية بأحد العقود المسماة، وإنما تعتبر أنه عقد مستتر (Contrat de garde)، ينشأ عنه "التزام بنتيجة"[111]، وفي حكم حديث جدًّا، اعتبرت المحكمة - فيما يبدو من عباراتها - أن التزام المصرف بالحفظ "التزام بوسيلة"[112].
وقد نظم قانون المعاملات التجارية "إيجار الخزائن" بالمواد (467 - 477)، فأخضعه لمزيج من أحكام الإجارة وأحكام الإيداع، منضمًّا بذلك إلى أحدث الأفكار القانونية وأحكام القضاء المعاصر.
47- ب - عقود المخازن والمعارض والمواقف: إذا اتفق تاجر مع صاحب مخزن أو "ثلاجة" على أن يضع هذا التاجر بضاعة له في المخزن أو في الثلاجة لمدة معينة، لقاء مبلغ معلوم، فما طبيعة هذا التعاقد؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نحلل نصوص الاتفاق: فإذا ثبت أن صاحب المخزن أو الثلاجة يلتزم بتسليم البضائع من التاجر، وردها له، والمحافظة عليها - كان العقد إيداعًا بأجر، وعلى العكس من ذلك: إذا كان صاحب المخزن أو الثلاجة لا يلتزم بأكثر من أن يجعل تحت تصرُّف صاحب البضاعة مكانًا يضع فيه بضاعته، ويتولى بنفسه المحافظة عليها، كان العقد إيجارًا، وليس وديعة[113]، وينطبق نفس الحكم على الاتفاق الذي يقضي بأن يضع الشخص سيارته في أحد المواقف التي يقدمها بعض الأشخاص لقاء أجر معين؛ فإن كان صاحب الموقف لا يلتزم بأكثر من وضع مكان تحت تصرف السائق، عُدَّ هذا العقد إيجارًا، وباتباع نفس المعيار يمكن تكييف العقد الذي يتفق فيه أحد العارضين مع إدارة المعرض على تخصيص مكان له، يعرض فيه بضاعته أو فنه أو مخترعاته، لقاء مبلغ معلوم؛ فإن كانت المعروضات في عهدة إدارة المعرض، وتلتزم بالمحافظة عليها، يكون العقد إيداعًا، وعلى العكس من ذلك يكون العقد إيجارًا إذا لم تلتزم إدارة المعرض، أما إذا التزم بتحديد المكان، والمحافظة على السيارة، فالعقد يكون إيداعًا[114]، بغير وضع المكان المحدد تحت تصرف العارض، وتترك له مهمة المحافظة على هذه المعروضات[115].
48- رابعًا - الإيجار والمقاولة: تنص المادة (872) من قانون المعاملات المدنية على أن: "المقاولة عقد، يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئًا أو يؤدي عملًا، لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخر"، ويبدو من هذا التعريف أن عقد المقاولة يختلف اختلافًا جوهريًّا عن عقد الإيجار الذي يتمثل في: "تمليك المؤجِّر للمستأجر منفعةً مقصودة من الشيء المؤجَّر، لمدة معينة، لقاء أجر معلوم"، فلا محل إذًا للخلط بينهما.
ومع ذلك عرضت حالات أمام الفقه والقضاء، التبس فيها الإيجار بالمقاولة، الأمر الذي اقتضى تحليل كل حالة وبيان طبيعتها، من هذه الحالات:
أ - نقل المسافرين بالسيارات أو القطارات أو السفن أو غير ذلك من وسائل المواصلات: هل يكيف بأنه عقد إجارة للمكان المخصص للمسافر، أو بأنه عقد مقاولة يلزم الناقل بأداء عمل معين؟ لقد استقر الفقه والقضاء على إخضاع هذا العقد لأحكام المقاولة؛ لأن الناقل هو الذي يملِك السيطرة الكاملة على وسيلة النقل[116].
ب - عقد النزول في فندق: لا يجوز وصفه بأنه إجارة للمكان المحدد للنزيل؛ لأن إدارة الفندق تقدم له خدمات هامة، وتراقب جيدًا حسن استعماله للفندق، وما فيه، والتزامه بعدم مخالفة ما تضعه من تعليمات[117].
ج - استئجار سيارة مع سائقها: يعتبر إجارة ما دام المستأجر مستقلًّا عن مكتب التأجير، وهو الذي يلقي بأوامره على السائق[118].
د - استئجار مقعد في ملعب أو مسرح أو نحو ذلك: اعتبر عقد مقاولة رغم تسميته "إجارة"؛ لأن العنصر الجوهري في التعاقد هو ما يقدمه الملعب أو المسرح من عروض[119]، وينطبق نفس الحكم على الاشتراك في خدمة الهاتف أو الفاكس أو المياه أو الكهرباء أو الغاز، أو ما شابه ذلك[120].
هـ - الاتفاق مع إحدى الصحف على استئجار محل فيها للإعلان، مقابل مبلغ معين: لا يعتبر عقد مقاولة، بل هو عقد إيجار[121]، أما الاتفاق مع مالك بناءٍ على نشر إعلانات على حوائط البناء أو فوق سطحه: فإنه يكون عقد إيجار إذا اقتصر على تمكين المعلِن من القيام بما يتطلبه وضعُ الإعلان، أما إذا التزم المالك بإجراءات وضع الإعلان فإن العقد يعتبر عقد مقاولة[122].
49- خامسًا - التمييز بين عقد الإيجار وحق الانتفاع: بين الإجارة وحق الانتفاع نسب قريب: فإذا كان "الإيجار تمليك المؤجر للمستأجر منفعة مقصودة من الشيء المؤجَّر[123]، فإن "الانتفاع حق عيني للمنتفع باستعمال عين تخص الغير، واستغلالها ما دامت قائمة على حالها"[124]، وإذا كانت المنفعة في الإجارة تكتسب بعمل قانوني، هو عقد الإيجار، فإن حق الانتفاع يمكن أن يكتسب كذلك بعمل قانوني (المادة 1334 معاملات)، وإذا كانت الإجارة مؤقتة بمدة معلومة (المادة 755 معاملات)، فكذلك حق الانتفاع ينتهي "بانقضاء خمسين سنة، ما لم ينص سند إنشائه على مدة أخرى"[125]، وإذا كان "الشيء المؤجر أمانة في يد المستأجر.. وعليه أن يحافظ عليه محافظة الشخص العادي"[126]، فإن على صاحب حق الانتفاع "أن يُعنى بحفظ الشيء المنتفع به عناية الشخص المعتاد"[127]، و"إذا انقضت مدة إيجار الأرض قبل أن يدرك الزرع لسببٍ لا يدَ للمستأجر فيه، ترك بأجر المِثل حتى يتم إدراكه وحصاده)[128]، فكذلك "إذا انقضى الأجل المحدد للانتفاع، وكانت الأرض المنتفع بها مشغولة بزرعه، تركت الأرض للمنتفع بأجر المثل حتى يدرك الزرع ويحصد"[129]، وفي إيجار الأراضي الزراعية يلتزم المستأجر بإجراء "الإصلاحات التي يقتضيها الانتفاع المعتاد بالأرض، وصيانة آلات السقي، والمصارف، والطرق، والقناطر، والآبار"[130]، ولا يختلف الأمر بصدد حق الانتفاع؛ ذلك أن:
"1 - المنتفع ملزم أثناء انتفاعه بالنفقات المعتادة التي يقتضيها حفظُ العين المنتفع بها، وأعمال الصيانة، 2 - أما النفقات غير المعتادة والإصلاحات الجسيمة، التي لم تنشأ عن خطأ المنتفع، فإنها تكون على المالك"[131]، وإذا كان من المقرر أنه: "لا ينتهي الإيجار بوفاة أحد المتعاقدين"[132]، فإن قانون المعاملات المدنية لم يعتبر "موت المنتفع سببًا من أسباب انتهاء حق الانتفاع؛ أخذًا بما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والمالكية من أن المنافع تورث باعتبارها أموالًا؛ (المغني ج 6 ص 42، والذي جاء به أن موت المكتري - أي المستأجر - وهو مالك للمنفعة، لا يترتب عليه انتهاء عقد الإيجار)، وقد خالف ذلك الحنفيةُ، المادة (35) من مرشد الحيران"[133].
50- ومع ملاحظة هذا التشابه الكبير، توجد في فقه القانون فروق جوهرية بين عقد الإيجار وحق الانتفاع، منها:
1- حق المنتفع حق عيني، بمعنى أنه يوزع السلطات المقررة للمالك على ملكه، فينتزع منها حق الاستعمال وحق الاستغلال، ويقررها للمنتفع، ولا يُبقي لمالك العين بعد ذلك إلا حق التصرف؛ ولهذا يسميه القانون "مالك الرقبة"، ومن هنا يمكن القول:
إن العمل القانوني الذي يكتسب به حق الانتفاع قد أنشأ أولًا حقًّا شخصيًّا بين مالك العين والمنتفع، محله انتقال هذا الحق، وبمجرد تنفيذ هذا الالتزام الشخصي ينشأ حق آخر من طبيعة مختلفة، هو حق عيني قرره القانون، يمنح المنتفع سلطة مباشرة على الشيء محل حق الانتفاع، يتيح له استعماله واستغلاله[134].
والأمر جدُّ مختلف فيما يتعلق بالإجارة: ذلك أن عقد الإيجار لا ينشئ إلا حقًّا شخصيًّا؛ أي: رابطة قانونية بين المؤجر والمستأجر، وتنفيذ العقد لا يترتب عليه تغيير طبيعة هذا الحق الشخصي، ولا إنشاء حق جديد، عيني أو شخصي، وإنما تترتب بمقتضى العقد التزاماتٌ مستمرة ومتبادلة على عاتق كلٍّ من الطرفين، حتى إذا انتهى تنفيذ هذه الالتزامات المتبادلة بواحد من أسباب انتهاء عقد الإيجار، انتهت تبعًا لذلك الرابطة القانونية بين المؤجر والمستأجر[135].
ولذلك حرص قانون المعاملات المدنية على إبراز هذا الفرق، حين نص في المادة (1333) على أن "الانتفاع حق عيني للمنتفع، باستعمال عين تخص الغير، واستغلالها، ما دامت قائمة على حالها"، وحين نص في المادة (110) على أن "الحقوق العينية الأصلية هي حق الملكية والتصرف والانتفاع والاستعمال والسكنى والقرار (المساطحة) وحقوق الارتفاع والوقف وما يعتبر كذلك بنص القانون"، بينما نص في المادة (124) على أن "تتولد الالتزامات أو الحقوق الشخصية عن التصرفات والوقائع القانونية"، وفي المادة (761) على أن "يلتزم كل من المتعاقدين بتنفيذ ما اشتمل عليه العقد (أي الإجارة) بصورة تحقق الغايةَ المشروعة منه"، وفي المادة (787) على أنه "لا يجوز للمستأجر أن يؤجر الشيء المؤجَّر كله أو بعضه إلى شخص آخر إلا بإذن المؤجِّر أو إجازته".
يتبع