عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 02-02-2020, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,663
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الإفراط والتفريط



لأنَّ عليَّ بن أبي طالب ما كان راضيًا بالتحكيم، ولكنَّهم هم الذين أرغَمُوه عليه، وقالوا له هذا القول إن لم تعد الأشتر وإلا صنَعْنا بك ما صنعنا بعثمان، وهذا تجدونه في "الملل والنحل"، هذا الكلام الذي أقوله في صفحة مائة وأربعة عشر.

وبعد التحكيم الذي لم يسفرْ عن شيءٍ، وهنا لنا وقفةٌ عندَ قضيَّة التحكيم، فنجدُ طلاب العلم في كتب التاريخ وفي كتب الأدب ما يُسِيء إلى الصحابة، والحكمان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري - رضي الله عنهما - اجتمعوا في دومة الجندل، وتفرَّقوا على لا شيء.

ولكن نجد في كتب التاريخ وكتب الأدب أنهم يقولون: لَمَّا اجتمع الحكمان حدَث بينهما التفاوُض فأحدهما قال عنه: إنَّه خدَّاع، والآخر قالوا عنه: إنَّه مُغفَّل.

أمَّا مَن وصَفُوه بالخديعة والمكر فهو عمرو بن العاص، ومَن وصفوه بالغَفلة فهو أبو موسى الأشعري، يقولون: إنَّ عمرو بن العاص طلَب من أبي موسى أنْ يقومَ ويُعلِن خلْع عليٍّ ومُعاوية؛ يعني: خلع الاثنين معًا، فيقولون: إنَّ أبا موسى قام وأخَذ عمامته وقال: إنِّي خلَعت عليًّا كما خلَعت عمامتي هذه، ثم تأتي التمثيليَّة من الجانب الآخَر فيقولون: إنَّ عمرو بن العاص أخَذ العمامة ورجعها على رأسه، وقال: ثبتُّ معاوية كما ثبتُّ عمامتي هذه، فمعنى ذلك أنَّ عمرو بن العاص خدَّاع، وأنَّ أبا موسى الأشعري مُغفَّل.

هذه الرواية التي نجدُها - أيها الإخوة - في كتب التاريخ هي من رواية أبي مخنف الرافضي المحترِق الكذَّاب، ولهذا نجدُ الرواية الأخرى ليس فيها هذه القصة في "البداية والنهاية".

ثم ممَّا يُبيِّن الكذب أنَّ معاوية - رضِي الله عنه - لم يكنْ في يوم من الأيَّام يُطالِب بالخلافة، ولم يقلْ في يومٍ من الأيَّام أنَّه أحقُّ بالخلافة من عليٍّ، وإنما كان يُطالِب بقتَلَة عثمان - رضِي الله عنه - فكيف تُحوَّل القضيَّة إلى خلعٍ وعدم خلعٍ؟!

معاوية لا يُطالِب بالخلافة، وإنما يُطالِب بالقتَلَة، وهذا ما يُبيِّن أنَّ الفكرة كلها كذبٌ، وهي من الرافضة الذين يريدون الطَّعن في الصحابة - رضي الله عنهم.

فأُنبِّه طلاب العِلم على أنَّ هذه القصة بهذا الأسلوب هي طَعْنٌ في الصحابة، وهي كذبٌ وافتراء عليهم، وأبو مخنف يعرفه طلاب العلم أنَّه رافضي محترق.

بعد التحكيم الذي لم يُسفِرْ عن شيءٍ كما قُلنا قالوا لعلي - رضِي الله عنه -: حكم الرجال، لا حُكم إلا لله؛ يعني: أنهم هم الآن يأمُرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقالوا لعليٍّ: حكَّمت الرجال في كتاب الله، فقال علي - رضِي الله عنه -: كلمةُ حقٍّ أُرِيدَ بها باطلٌ؛ يعني: لا حكم إلا لله، والرجال هم يحكمون بما في كتاب الله، ويعرف طلاب العلم أنَّ ابنَ عباس لَمَّا ذهب يُناظِرهم، ووجدهم على تلك الحالة؛ أي: تلك العبادة حينما وصفهم بكثْرة العِبادة وأنَّ ركبة أحدهم مثل رُكَبِ البعير؛ يعني: من كثْرة الركوع، وكذلك السُّجود، ولكنَّهم يَعبُدون الله على جهلٍ، وهم بزَعْمِهم يُوجِّهون هذا الكلام لعليٍّ أنهم يأمُرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم انحازُوا إلى حرورة وهي قريةٌ بظهر الكوفة، وأعلَنُوا البراءة من علي - رضِي الله عنه - ومن الحكمَيْن، ومَن رضي بالتحكيم، بل وكفَّروهم بسبب ذلك.

والذي يعنينا في موضوعنا هذا من أمر الخوارج هو ذِكْرُ بعض آرائهم التي أعلَنُوها وبنوا مذهبَهم عليها؛ استِنادًا إلى قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبَيان السبب الذي دَعاهم إلى ذلك، فمن مَبادئهم الرئيسة تكفير علي بن أبي طالب - رضِي الله عنه - المشهود له بالجنَّة من المعصوم - صلَّى الله عليه وسلَّم.

والكافر لا يدخُل الجنَّة بالإجماع، وكذلك تكفير عثمان بن عفَّان ذي النورين المشهود له بالجنَّة، والذي تستحي منه ملائكة السماء كما جاء في الحديث الصحيح، ثم الحكمين ومَن رضي بالتحكيم من الصحابة - رضِي الله عنهم - لأنَّ ذلك الأمرَ عندهم مخالفةٌ لكتاب الله، وهذه معصيةٌ تُوجِب كُفرهم، والصحابة كما نعلم أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - وعدَهُم جميعًا بالحسنى وهي الجنَّة؛ قال - تبارك تعالى -: ï´؟ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ï´¾ [الحديد: 10].

ومعلومٌ بنَصِّ الكتاب والسُّنَّة أنَّ الكافر لا يدخُل الجنَّة.

ثانيًا: قولهم بتكفير مرتكِب الكبيرة في الدُّنيا، وتخليده في النار في الآخِرة؛ لأنَّه ارتكب منكرًا يُوجِب كفره، وهي الكبيرة، وهذا المنكر الذي ارتكبه يُخرِجه من الدِّين.

ثالثًا: القول بالخروج على الإمام الجائر في نظَرهم، بل على مُرتكِب المعصية؛ لأنها عندهم هي الكُفر البواح، وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندهم، وقد أعلنوا الخروج على الإمام عليٍّ وحارَبُوه كما هو معروف من التاريخ.

أمَّا سبب ذلك فهو جهلهم، وعدم فقههم في دِين الله.

الله - عزَّ وجلَّ - قال في كتابه: ï´؟ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ï´¾ [التوبة: 122]، فهذه الآية تُبيِّن أنَّ المتصدِّي للدعوة لا ينبغي له ذلك حتى يتعلَّم ويتفقَّه هو أولاً في دِين الله، ثم يدعو إلى ما تعلَّم.

والرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول: ((مَن يرد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدِّين))، هؤلاء الخوارج جانَبُوا هذا الأمر، الصحابة الذين حضروا التنزيل، وسمعوا من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونقَلُوا لنا هذا الدِّين بكامِله كتابًا وسُنَّةً، حكَموا عليهم بالكُفر، والمفروض أنْ يجلسوا عند أقدامهم، ويتَتلمَذُوا عليهم، ويَطلُبوا العلم عندهم، ولكنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد وصفهم للصحابة حينما قال ذلك الرجل للرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: اعدلْ فإنَّك لم تعدلْ، قال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خبت وخسرت، فمَن يعدل إنْ لم أعدل))، فقال عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه - للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ائذن لي أنْ أضرب عنقه، ماذا قال الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ ما قال له: إنَّه يستحق أنْ يُقتل، وهو مرتدٌّ بهذا الكلام الذي يقوله للرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكن قال له: ((دعْه)) اترُكه، وذكر التعليل.

أولاً: ذكر وصفهم؛ أي: وصف الخوارج، فوصفهم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالجهل بالقُرآن، وعدم فِقههم فيه؛ حيث قال لأصحابه حينما قال له ذلك الرجل: اعدلْ فإنَّك لم تعدلْ، فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خبت وخسرت، فمَن يعدل إنْ لم أعدلْ))، فقال عمر - رضِي الله عنه -: دَعْنِي اضرب عنقَه، فقال له: ((دعْه، فإنَّ له أصحابًا يحقر أحدكم صَلاته مع صَلاتهم، وصِيامه مع صِيامهم، يقرَؤُون القُرآن لا يتجاوَز حناجرهم، أو تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام مُروق السَّهم من الرَّمِيَّة)) الحديث؛ رواه مسلم في "صحيحه" كتاب الزكاة.

فهؤلاء لم يفقهوا من القُرآن شيئًا إلا تلاوته، ومن أين لهم أنْ يفقهوا وهم لم يحضروا عند الصحابة ويطلبوا العلم عليهم.

وقد عبَّر ابن عمر - رضي الله عنهما - عن جهلهم - أي: عن جهل الخوارج - كما في "صحيح البخاري" في كتاب المرتدين باب قتل الخوارج، قال: إنَّ هؤلاء عمدوا إلى آياتٍ نزَلتْ في الكفار، فطبَّقوها على المؤمنين، فهم بجهْلهم ادَّعوا أنَّ عليَّ بن أبي طالب خالَف، ولا بُدَّ من تغيير ذلك المنكر الذي ارتكبه، وعملوا ما عملوا بجهْلهم.

والحديث عن جهل الخوارج بنصوص الكتاب والسُّنَّة يَطُول ولكنَّني أردت التنبيهَ عليه لأنَّه قاسمٌ مُشترَك بين أولئك وبين بعض المعاصِرين الذين ينحون مَنحاهم، ويأخُذون بجوانب من أفكارهم، والقاسم المشترك هو الجهل وعدم الفقه في الدِّين، نحن لا نتحدَّث عن الخوارج في أمرٍ تاريخي، وننبش كما يقولون ما تحت التراب أو في القبور، نحن نتكلَّم في أمرٍ واقع المسلمين وحالهم، ولكنَّ مذهب الخوارج ومنهجهم الذي كان في ذلك الزمان هو موجودٌ الآن، التكفير بالمعاصي موجودٌ، مرتكب الكبيرة وتخليده في النار موجودٌ، الخروج موجودٌ.

كلُّ ما قالوه موجودٌ، ولكنْ بأساليب مختلفة، والرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما ذكَر في الحديث يقول: ((مَن يُرِدِ الله به خيرًا يُفقِّهه في الدِّين)).

ومن هنا نجدُ أنَّ كثيرًا من الكُتَّاب المعاصرين وقَعُوا فيما وقَع فيه أولئك، فالكاتب قد يكونُ عنده عاطفة إسلاميَّة، ولكنَّ دراسته ليست شرعيَّة، ولم يحضرْ عند علماء الفقه في الدِّين، وإنما درَس دراسة إمَّا مدنيَّة، دراسة معاصرة، ثم هو يحبُّ الإسلام، وعنده عاطفةٌ جيَّاشة، فيكتُب بعض الأشياء التي يقرَؤُها الشاب؛ وهي في الحقيقة مُؤثِّرة في توجيه الشباب؛ لأنَّ هؤلاء الشباب ليس عندهم فقهٌ في الدِّين، ولم يحضروا عند العلماء، بل تجدُ الأساليب التي اتُّخذتْ لأنْ يَحُول أولئك بين الشباب وبين العلماء، فيُنفِّرونهم منهم بأساليب مختلفة، بأنَّ هؤلاء لا يفهَمُون واقع الأمَّة، ولا يعرفون ما يُحاكُ لها، وإنما هم مُقتصِرون على الكتب المعيَّنة، بل بعضهم قال: إنَّه ليس عندهم إلا الحيض والنِّفاس، هكذا قالوا، هذا قالوه علنًا وكتَبُوه، ووجهوا به أسئلةً في بعض المحاضرات، فهذا القول الذي يحدُث من أولئك هو تزهيدٌ لطلاب العلم في الحضور لأولئك العُلَماء الذين يُفقِّهونهم في دِينهم مثلما زهد الخوارج في عدم التفقُّه على الصحابة - رضوان الله عليهم - ولو تفقَّهوا عليهم لما قالوا ما قالوه، وهؤلاء لو تفقَّهوا على العلماء الذين يعرفون واقع الأمَّة، ويعرفون الشريعة الإسلاميَّة، ويعرفون أحكامها، وما هي المصالح التي تترتَّب على ما يُقال، وما هي المفاسد التي تترتَّب على ما يُقال.

وحينما يقرأ الشباب هذه الكتابات الحماسيَّة أيضًا يُشاهِدون الواقع؛ أي: يشاهدون الظُّلم ويشاهدون التجاوزات التي تحدُث، فيحدث عندهم ردُّ الفعل الذي لم يربطوه بالنصوص الشرعيَّة.

أقرأ عليكم نصًّا، هذا النص كتَبَه كاتبٌ مُعاصِر دفعته عاطفته الدينيَّة إلى إصدار أحكام عامَّة تشمل المجتمع كله دون استِثناء، وهذا غلطٌ فاحش من صاحبه؛ لأنَّ الشباب من طلاب العلم الذين عندهم العاطفة الجيَّاشة، ويريدون أنْ ينشروا الإسلام، وتكون له هَيْمَنته وكلمته كما كان في عهد النبوَّة والخلفاء من بعده، إذا قرأت هذا المقطع من بعض الكتب المتداولة وفيها قول الكاتب وهو يتحدَّث عن المجتمع الإسلامي كله - عفا الله عنا وعنه - قال: "البشريَّة بجملتها بما فيها هؤلاء الذين يُردِّدون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمة لا إله إلا الله بلا مَدلولٍ ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثمًا وأشدُّ عذابًا يوم القيامة؛ لأنهم ارتدُّوا إلى عِبادة العباد من بعد ما تبيَّن لهم الهدى، ومن بعد أنْ كانوا في دين الله، ثم قال: فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أنْ تقف طويلاً أمامَ هذه الآيات[2].

سمعنا النص، البشريَّة كلها ارتدَّت بما فيها الذين يُؤذِّنون في اليوم خمس مرَّات: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، رسول الله ماذا قال؟ قال: ((أُمِرتُ أنْ أُقاتل الناسَ حتى يشهَدُوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله)).

وفي قصَّة أسامة مع الأنصاري الذي كان يُشارِكه في مُطارَدة المشرِك في غزوة الحرقات، وقال ذلك الرجل: لا إله إلا الله حينما رفع عليه السيف، فكفَّ عنه الأنصاري لأنَّه علم أنَّ هذه الكلمة عصَمت دمه، وأسامة قتله، فلمَّا بلغ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال له: ((أقتلته بعد أنْ قال: لا إله إلا الله))، قال: إنما قالها تعوُّذًا - يعني: خوفًا من السيف - قال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((هلا شقَقْتَ عن قلبه حتى تعلم أنَّه قالها تعوُّذًا))، فمِثل هذا النصِّ الذي يسطر، ويقرَؤُه الشباب الذي عِنده الحماسة، ولا يعلم النصوص الشرعيَّة وهي كما سمعنا أنَّ مَن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا يجوز تكفيره إذا ارتكب خطأ حتى تُقام عليه الحجَّة، وتُزال عنه الشُّبهة، ولكنَّ الحكم على البشريَّة كلها بأسْرها بما فيها المؤذِّنون بأنهم ارتدُّوا عن لا إله إلا الله فإنَّ هذا له حُكم غلط، وهذا يصيبُ الشباب بخيبة أمَل، ويندَفِعون إلى أنْ يقتلوا هؤلاء لأنهم كفَّار، ثم أيضًا ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا الأسلوب أسلوبٌ عاطفي، وليس أسلوبًا علميًّا ولم يُبْنَ على قواعد شرعيَّة، لا من كتابٍ ولا من سُنَّة، قوله: فالعصبة المسلمة، مع أنَّه قال البشريَّة كلها ارتدَّت فأين هذه العصبة المسلمة، فهمنا من كَلامه أنَّه يقول: البشريَّة كلها ارتدَّت، ثم يقول: فالعصبة المسلمة، إذًا بَقِي من البشريَّة ناس (عصبة) على الإسلام، فهذا الحكم العام - الذي يصدر عن عاطفةٍ - ينبغي أنْ يُنظَر فيه، ولا ينبغي للشباب أنْ يندفعوا لمثْل هذه الأمور؛ لأنها في الحقيقة تدفَعهم إلى أنْ يُهلِكوا أنفسهم، ويُهلِكوا الآخرين، فهذا الحكم العام على البشريَّة كلها بما فيها الذين يُردِّدون على المآذن كلمة لا إله إلا الله، وأنهم مُرتدُّون، وأشدُّ عَذابًا يوم القيامة؛ لأنهم ارتدُّوا إلى عِبادة العباد، كيف ينظُر الشباب المسلم إلى المجتمعات المسلمة، فالكاتب عمَّم حُكمَه على البشريَّة كلها؛ والسبب لأنَّه لا يعرف النُّصوص الشرعيَّة التي تمنَع هذا الحكم المطلق، فرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول في الأحاديث المتواترة التي سمعتم ذكرها: ((أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهَدُوا ألا الله إلا الله، وأنِّي رسول الله...)) الحديث.

أمَّا البشريَّة كلها فما ارتدَّت، حاشا وكلا، وإنما تحدُث الردَّة من بعضهم، نحن لا نمنع أنْ يكون هناك أناسٌ مرتدُّون عن دين الله - عزَّ وجلَّ - لكنَّ الحكم على البشريَّة كلها بهذا الحكم لا يجوز، وهناك قاعدةٌ ذكرها شيخ الإسلام ابن تيميَّة وهي قوله في "الفتاوى" في المجلد الثاني عشر في رسالةٍ أسماها "الكيلانيَّة"، وربما يكون في الصفحة 466، قال: "مَن ثبت إسلامُه بيقين فلا يزول عنه إلا بيقين، ولا يزول عنه بالشكِّ، بل لا يزول عنه حتى تُقام عليه الحجَّة، وتُزال عنه الشبهة"؛ لأنه يُفرِّق بين القول والقائل.

فحَكَمَ هذا الأديب على المجتمع كله لأنَّه لا يُفرِّق بين القول والقائل.

القول قد يكون كُفرًا والقائل ليس بكافر، وقول شيخ الإسلام هذا مبنيٌّ على قواعد صحيحة؛ لأنَّ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - نهى عن التكفير كما في حديث عبدالله بن عمر المتفق عليه: ((مَن قال لأخيه: كافر، فإنْ لم يكن كذلك وإلا رجعت عليه))، فينبغي للمسلم أنْ يتجنَّب مثل هذا التعبير العام.

وطلاب العلم يعلمون محنة القول بخلق القرآن على أنَّ المعتزلة ومَن معهم لبَّسوا على المأمون وعلى المعتصم حتى اعتنق هذه الفكرة، وهي القول بأنَّ القرآن مخلوق، وأهل السُّنَّة والجماعة يقولون: القرآن كلام الله منه بدا وإليه يعودُ.

وتجدُ في كتب أهل السُّنَّة جميعًا هذا التعبير العام، مَن قال: القرآن مخلوق، فهو كافرٌ، وتجدون في كتب أهل السُّنَّة أنهم لم يقولوا عن المعتزلة أنهم كفار، مع أنَّ المعتزلة يقولون بخلق القرآن، فلم يقولوا: إنَّ المعتزلة كفَّار، ولكنهم كفَّرُوا الشخص المعيَّن الذي أُقِيمت عليه الحجَّة وأُزِيلت عنه الشُّبهة، يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -: إنَّ الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السُّنَّة والجماعة الذي واجَه تلك المحنة وقُتِل فيها مَن قُتِل، وضُرِب مَن ضُرِب، وسُجِن فيها مَن سُجِن، وجد أولئك الذين يَدْعُون إلى البدعة التي هي الكُفر؛ لأنَّ القول بأنَّ القُرآن مخلوق كفرٌ، ثم هم يثيبون مَن يقبل تلك الدعوة؛ أي: مَن قبل قولهم أعطوه المال وأعطوه الوظيفة، وتقبل شهادته، وإذا كان مأسورًا يفكُّون أسره، أمَّا مَن امتنع عن ذلك فإمَّا أنْ يقتلوه كما قُتِلٌ عددٌ من العلماء، وإمَّا أنْ يضربوه الضربَ المبرح كما ضربوا الإمامَ أحمد، وإمَّا أن يسجنوه ولا يعطونه وظيفةً، ولا يقبَلون شَهادته، ولا يفكُّون أسْره إذا كان مأسورًا عند الكفَّار حتى يأتي مَن يمتحنه، فمَن قال: القرآن مخلوق، دفعوا عنه الفدية وأخرجوه، ومَن قال: غير مخلوق، قال: اتركوه لأنَّه كافر في رأيهم، ومع هذا ومع أنَّ المعتصم هو الذي باشَر الضرب، واعتقد تلك العقيدة وأرادوا أنْ يُطبِّقوها وينفذوها على المسلمين بالقوَّة، ماذا قال الإمام أحمد عن المأمون وعن المعتصم؟

استغفَرَ لهم، دعا لهم؛ ولهذا يقول ابن تيميَّة: لو كانوا عنده كُفَّارًا لما استغفر لهم؛ لأنَّ الاستغفارَ للكافر لا يجوزُ بنصِّ الكتاب والسُّنَّة، فهو لم يُكفِّرهم مع أنهم دعوا إلى تلك البدعة التي هي الكُفر؛ لأنَّه يقول: إنَّ أولئك عندهم شبهةٌ عقليَّة لم يستطيعوا أنْ يتخلَّصوا منها، بل قال أكثر من ذلك في ردِّه على البكري في الرسالة المعروفة باسم "الاستغاثة" أنَّه قال: كنت أقول للجهمية الذين ينكرون علوَّ الله - عزَّ وجلَّ - وتعرفون مذهبهم، يُنكِرون العلوَّ، والذهبيُّ ألَّف كتابه المسمى بـ"العلو" في الردِّ على أولئك الذين ينكرون علوَّ الله في خلقه فـï´؟ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ï´¾ [طه: 5] كما أخبر عن نفسه في سبع آيات، وكذلك الأحاديث الكثيرة وليلة الإسراء والمعراج، والأدلَّة كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، متواترةٌ في علو الله - عزَّ وجلَّ - كتابًا وسنَّةً وفطرةً، يقول: كنت أقول لشيوخهم: لو قلت بقولكم لكفرتُ، وأنتم عندي لستُمْ بكفار.

يقول: قولكم هذا أنا أعلم أنَّه كفرٌ، ولو قلت به لأكوننَّ كافرًا، ولكن أنتم عندي لستُم بكفَّار، ثم قال: إنَّ عندهم شبهةً عقليَّةً لم يستطيعوا أن يتخلَّصوا منها، وهذا الحكم في الأمور الخفيَّة التي لا يفهَمُ الحكم فيها إلا أهل العلم، بخلاف الأمور الظاهرة؛ كترك الصلاة مثلاً، وجحْد الصلاة والحج، ذكر هذا الحافظ ابن منده في كتاب "الإيمان" 2/362 باب 44، وتقدَّمت الإشارة إليه في الأمور الظاهرة المشهورة التي لكلِّ مسلم إذا رأى مَن يُخالِفها ينكر عليه بالأسلوب الحسن.

فالشاهد من هذا أنَّ المسلم يجبُ عليه أنْ يقفَ مع النصوص من الكتاب والسُّنَّة، ولا نُكفِّر إلا مَن كفَّره الله ورسوله، ولا نُفسِّق إلا مَن فسَّقَه الله ورسوله؛ لأنَّ هذا الحكم لله ولرسوله وليس لشهوات البشَر وما يريدون أنْ يعملوا.

الفرقة الثانية: هم المعتزلة، والمعتزلة هم الذين ألقوا إلى المعتصم والمأمون بتلك الفكرة، وقَبِلاها منهم، ثم جعَلُوا لأنفُسهم أصولاً خمسةً يرجعون إليها، الأصول الخمسة موجودةٌ في كتاب اسمه "الأصول الخمسة"؛ للقاضي عبد الجبار المعتزلي، هذه الأصول الخمسة منها:
الأصل الأول: وسمَّوه التوحيد؛ وهو نفي الصفات عن الله - عزَّ وجلَّ - فهذا يُسمُّونه توحيدًا وفي عُرفهم يسمُّونه التنزيه.

الأصل الثاني: المنزلة بين المنزلتين، وهو أنَّ مَن ارتكب معصية خرَج من الإيمان ولم يَدخُل في الكُفر، بل يقفُ في الطريق، ثم أعطَوْه حُكمًا في الدُّنيا وهو أنَّه يُعامَل معاملةَ المسلم، وإذا مات يُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه ويرثُ ويورث، أمَّا إذا مات فيُطبِّقون عليه الأصل الثالث من أصولهم الخمسة، وهو إنفاذ الوعيد؛ أي: إنهم يُوجِبون على الله - عزَّ وجلَّ - أنَّه إنْ توعَّد على ذنبٍ بإدخال صاحِبِه النارَ أنْ يُدخِله النار، وإذا أدخَلَه النار ليس عندهم شفاعةٌ لإخراج العُصاة بل يخلد فيها، فهو لا يخرُج من النار؛ إذًا هم وافَقوا الخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة في الآخرة بأنَّه خالدٌ مخلَّد في النار.

الأصل الرابع: سموه العدل، والعدل عندهم مَعناه: أنَّ العبد يخلق أفعاله، فيقولون: لو أنَّ الله يخلق أفعال العبد كما قال الله - عزَّ وجلَّ -: ï´؟ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ï´¾ [الصافات: 96]، كما يقول أهل السُّنَّة ولكنهم يقولون: إذا كان الله يخلق أفعاله فكيف يخلق الفعل في العبد ثم يُعاقبه عليه؟ هذا ظلمٌ، إذًا ما هو العدل عندهم؟

يقولون: العدل هو التنزيه لله عن الظُّلم، ولا يكون كذلك إلا أنْ نقول: إنَّ العبد يخلق فِعلَه، ومعنى ذلك: أنهم جعَلُوا مع الله شُرَكاء في توحيد الربوبيَّة الذي لم يشركْ فيه أحدٌ، بل كلُّ الأمم آمَنتْ بهذا التوحيد إلا فرعون فقد أنكَر ذلك، ولكن أنكره بلسانه لا بقلبه؛ قال - تعالى -: ï´؟ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ï´¾ [النمل: 14]، حينما قال: ï´؟ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ï´¾ [النازعات: 24]، ï´؟ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ï´¾ [القصص: 38]، قاله وهو كاذبٌ يعلم أنَّه عبد وأنه مَربوب، وأنَّ له خالقًا وهو الله، قال: ï´؟ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ï´¾ [النمل: 14]، فالشاهد على أنهم جعلوا كلَّ الناس شركاء لله - تبارك وتعالى - في هذا القسم من التوحيد، وهو الخلق والإيجاد، فالعبد يخلق فعله.

الأصل الخامس: وهو موضوعنا في هذه المحاضرة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جعَلُوه أصلاً من أصولهم، وهو عند أهل السُّنَّة أصلٌ من الأصول، لكن يُدعَى له كما سمعنا بالأسلوب الحسن المناسب، لكن عندهم فسَّروه بالخروج على الحاكم الجائر.

وقد قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذا الموضوع في الحاكم الجائر قال: ((وإنْ ضرَب ظهرك وأخَذ مالك))، وشدَّد في عدَم الخروج عليه لأنَّ المفاسد المترتِّبة على المصالح التي نريدُها أعظم من المفاسد التي تحدُث، والرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إلا أنْ ترَوْا كُفرًا بَواحًا عندكم فيه من الله برهان))، فعندهم الجور كفرٌ وبرهان، لكنْ عند أهل السُّنَّة والجماعة كما في "صحيح البخاري": ((إلا أنْ ترَوْا كُفرًا بَواحًا عندكم فيه من الله برهان))، والحديث الآخر: ((ما صلوا)).

ثم العلماء الربانيين الذين يعرفون ما يصلح الأمَّة، وما يفيدها في دُنياها وآخِرتها، قالوا: حتى لو وجد الكفر البواح، ولم تكُن هناك القوَّة التي تُمكِّن من إزالة ذلك الكافر بالأسلوب الحسن المناسب فلا يجوزُ الخروج، لماذا؟ لأنَّ ذلك الحاكم وإنْ كان بهذه الصورة فهو لا يمكن أنْ يترُك الكرسي ويقول لهم: تعالوا خُذوه وأنا متنازلٌ، ذلك لا يمكن، بل عنده زبانيةٌ وقوَّته، والذين معه كلهم سيفتكون بأولئك، وسيصير سفك دماء وخراب الديار أكثر من المصلحة التي نريدُ أنْ نُحقِّقها، أمَّا إذا أمكن إزاحته بدون سفك دماء ويدون تخريبٍ للديار والأموال، فهذا هو المطلوب، وإن لم يمكن فلا يجوزُ ذلك.

نختم حديثَنا هذا بما سمعتم، ونرجو من الله - عزَّ وجلَّ - أنْ ينفعنا بما سمعنا، وأن يُعلِّمنا ما جهلنا، وألا يُسلِّط علينا بذنوبنا مَن لا يخافُ الله فينا ولا يرحمنا.


وأعودُ للكلام السابق فأشكر الإخوة القائمين على هذه الجمعيَّة في دعوتهم للإخوة الذين شارَكوا في هذه الموضوعات المتنوِّعة التي تشمل أمور الإسلام جميعًا؛ عقيدةً وعبادةً ومعاملةً، كما أشكر الإخوة الحضور الذين حضروا ليسمعوا هذه الكلمات، ومعذرة إنْ أطلتُ عليهم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم، وآخِر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.


[1] أبو السعود 2/71، المنار - المنار 4/64.

[2] انظر: "في ظلال القرآن" ج2/1057، الطبعة الشرعية سنة 23، 1415 هـ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.16 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]