مسائل فقهية معاصرة في الصيام 3-3
د. محمد بن هائل المدحجي
مسائل معاصرة عن الخارج من البدن وشروط المفطرات
الحمد لله رب العالمين، وصَلَّى الله وسَلَّم وبارك على نَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فتقدم الحديث عن أشياء تخرج من البدن وتؤثر على الصوم، وقلنا: بأن الفطر كما يحصل بما يدخل إلى البدن يحصل بما يخرج من البدن لكن في بعض الأحيان فقط، فيفسد الصوم بخروج المني يقظةً بشهوة بفعل الإنسان، وبتَعمُّد القيء، وتقدم الخلاف في الحجامة هل هي مفطرة أو لا؟
هناك بعض المسائل المعاصرة تتعلق بما يخرج من البدن، وهي مسائل طبية قد يحتاج إلى السؤال عنها ومعرفة أحكامها، من ذلك: تقدمت عملية التلقيح الصناعي لَـمَّا تحدثنا عن خروج المني وكونه من المفطرات، فقلنا: بأنه يُحتَاج في هذه العملية إلى أخذ الحيوانات المنوية من الرجل، وهذا يكون بإخراج المني في الغالب وهذا مُفطِّر، لكن ماذا عن المرأة حينما يتم أخذ البويضة منها من أجل التلقيح الصناعي، لو حصل هذا وهي صائمة هل يؤثر هذا في صحة الصوم، الرجل يفسد صومه كما تقدم، لكن ماذا عن المرأة؟
الجواب: أن استخراج هذه البويضة له طريقان:
الأول: من خلال المنظار المهبلي باستخدام الموجات فوق الصوتية، أو من خلال المنظار البطني فيتم أخذ هذه البويضة من المِبْيَض، تقدم الحديث عن كلا الأمرين، وقلنا: بأن المنظار المهبلي ليس مفطراً ولا يفسد الصوم، وأما ما يتعلق بالمنظار البطني، قلنا: بأن حكمه ينبني على خلاف الفقهاء رحمهم الله في الجائفة إذا جرح الإنسان نفسه أو أمر غيره أن يجرحه جرحاً يصل إلى الجوف وهي الجرح الجائفة، هل يفطر بذلك أو لا؟ وقلنا: بأن الصحيح ما ذهب إليه الحنفية والمالكية بأنه ليس مفطراً، وعلى ذلك فالمنظار البطني ليس مفطراً.
فكذلك هنا من جهة الوسيلة لإخراج البويضة، سواءً من خلال المنظار البطني أو المنظار المهبلي لا يُفطِّر، استخراج البويضة ليس من جنس ما يفطر، يعني: ليس هو كخروج المني دفقاً بشهوة، ولا يكون في ذلك لَذَّة، بل هو أشبه ما يكون بأي عملية جراحية يتم إجراؤها، وعلى ذلك فاستخراج البويضة في حال الصوم لا يفسد صوم المرأة.
مسألة أخرى: المرأة قد تحتاج إلى تنظيف الرحم فيما لو مات الجنين في بطنها، إذا كان موت الجنين بعد أن تبين خلقه، يعني: بعد مضي أكثر من واحد وثمانين يوماً من بداية الحمل، فهذه المرأة لا تصوم إذا خرج منها الدم لأنها نفساء، لكن لو مات الجنين قبل ذلك فهي ليست نفساء، وعلى ذلك لو خرج منها دم فهذا الدم دم فساد لا يعتبر حيضاً ولا يفسد الصوم، فإذا تم إجراء عملية التنظيف لهذه المرأة لإخراج الجنين إذا لم يقذفه الرحم، يتم إخراجه وإخراج الأشياء كالمشيمة ونحوها الموجودة، فهذه العملية إخراج الجنين ليس مفطرا، قد يصاحب ذلك خروج شيء من الدم، تقدم أن هذا الدم ليس نفاساً، وعلى ذلك هو دم فساد لا يؤثر في صحة الصوم.
المرأة قد تُخدَّر قبل إجراء هذا التنظيف، تقدم بأن التخدير لا يؤثر على صحة الصوم ما دام الإنسان سيفيق جزءً من النهار، يبقى أن هذه المرأة قد يحتاج إلى إعطائها المُغذِّيات، فإذا أعطيت المغذي أفطرت بهذا ففطرها بسبب المغذي ليس بسبب التخدير وليس بسبب التنظيف.
من المسائل كذلك: إزالة الشحوم أو شفط الدهون، هذه الآن عمليات موجودة ويتم إجراؤها باستخلاص هذه الدهون من مخازنها تحت الجلد، هذه الدهون والشحوم التي يتم إزالتها ليست من جنس المفطرات الخارجة، يعني: ليست كالمني وليست كالقيء فهي ليست مفطرة، والأصل عدم التفطير إلا بدليل.
الإشكال في مثل هذه العمليات أنه يتم ضخ سائل في منطقة الشفط تزيد ثلاثة أضعاف عن كمية الدهون التي سيتم شفطها من أجل تسهيل عملية إخراج هذه الدهون، وهذا السائل يحتوي على مواد مخدرة وعلى أملاح، عدد من الأشياء التي يتضمنها مثل هذا السائل، هذه السوائل لا يتم امتصاصها فيما يظهر، لا تصل إلى المعدة ولا يتغذى بها البدن، هي فقط لتسهيل عملية إزالة هذه الدهون والشحوم، وعلى ذلك الذي يظهر أن هذه العملية لا يؤثر على صحة الصوم.
مسألة رابعة: أخذ الخِزْعَات من البدن، يعني: العَيِّنَات من الأعضاء من أجل فحصها كما في الاشتباه في بعض أحوال الأورام مثلاً، فيأخذون عَيِّنَة إما بإبرة كما في اشتباه سرطان الثدي مثلاً تؤخذ العينة بإبرة، أو من الأجزاء الداخلية كعَيِّنَة مثلاً من الكبد، هنا سنحتاج إلى التنظير البطني لأخذ هذه العَيِّنَة، فما حكم أخذ هذه العينات؟
واضح أن هذه العَيِّنَات التي خرجت ليست من جنس الأشياء المفطرة، نعم فيما يتعلق بالتنظير البطني لأخذ العينة تقدم ذكر الخلاف في التنظير البطني وأن الصحيح أنه ليس مفطراً، لكن هناك حالة أخذ خِزْعَة من الرئة، في هذه الحالة سيكون المنظار منظار مَعِدِي عن طريق الفم، وتقدم معنا الحديث عن المنظار المَعِدِي وأنه ليس مفطراً لأنه لا يستقر وإنما يدخل ويخرج اللهم إلا أن يُطْلَى بمادة، الغالب في هذا المنظار أنه يُطْلَى بمادة دهنية فيحصل الفطر بها، كذلك يتم وضع المُخدِّر في القصبة الهوائية والذي قد يدخل إلى المعدة أيضاً ففي مثل في هذه الأحوال يكون التفطير حصل لا بالمنظار نفسه ولا بأخذ العينة، وإنما بأخذ هذه المواد دخلت عبر الفم إلى المعدة.
بهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن جميع الجزئيات المتعلقة بالمفطرات، وعَلِّي أُعيد ذكر المفطرات إجمالاً:
هي الأكل والشرب وما كان بمعنى الأكل أو الشرب مما يحصل به تَغذِّي البدن، والجماع، وتَعمُّد إنزال المني يقظةً بشهوة، وتَعمُّد القيء، وتقدم الخلاف في الحجامة، هذه المفطرات حتى تكون مفطرة يحصل أثرها ويفسد الصوم بها لا تكون مفطرة إلا بثلاثة شروط تقدمت الإشارة إليها سريعاً، وهي: أن يفعلها الإنسان وهو عالم عامد ذاكر، فإذا فعلها جاهلاً أو من غير تَعمُّد أو ناسياً فإنه لا يفطر بذلك.
إذاً الشرط الأول: أن يكون عالماً، فإذا كان جاهلاً فقد قال الله جل وعلا: ï´؟ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ï´¾[الأحزاب:5] ، ï´؟ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ï´¾[البقرة:286] ، والجاهل مخطئ، سواءً كان هذا الجهل في الحكم أو في الوقت، فإذا كان الجهل في الحكم كأن لا يعرف أن تَعمُّد القيء من المفطرات مثلاً فهذا يعذر بجهله.
لكن لا يعذر الإنسان بأي جهل، بل إذا وقع منه تفريط في التَّعَلُّم فإنه لا يعذر في هذه الحالة، لذلك يختلف العذر بالجهل من شخص إلى آخر وبحسب المُفطِّر أيضاً، ومدى إمكان وقوع الجهل ممن الشخص به، يعني: لو جاء شخص في الرياض يقول: لا أعرف أن الأكل والشرب من المفطرات، هل تقبلون منه؟ لا يمكن أن يقبل منه عذر الجهل ولو كان صادقاً أنه جاهل، هذا يدل على تفريط عظيم منه، لكن شخص أسلم حديثاً هذا يُتصوَّر منه أن يجهل أن الأكل والشرب من المفطرات، قد يعتقد أنه صيام عن اللحوم مثلاً دون الخضروات، فإذا كان حديث عهدٍ بإسلام يُقبَل منه.
تَعمُّد القيء قد يجهله الإنسان ولو كان في المدينة، الجِمَاع ليس كذلك، لكن إذا كان في بادية بعيدة قد يجهل هذا ويقع في مثل هذا الجهل، فالجهل عذرٌ لكن بحسبه ليس بكل الأحوال.
كذلك الجهل بالوقت، لو أن إنساناً استيقظ نظر إلى الساعة فإذا هي الثالثة وما زال هناك نصف ساعة على الأذان فقام يأكل، فإذا به يُفاجأ بسماع صوت إقامة الصلاة، انتبه إلى الساعة فإذا هي قد توقفت، هذا أكل وشرب بعد طلوع الفجر لكنه جاهل بالوقت يظن بقاء الليل، فهذا الصحيح أن صومه صحيح، جمهور أهل العلم يقولون: عليه القضاء، لكن اختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول المزني من الشافعية أنه لا يفطر بهذا وهذا هو الراجح: ï´؟ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ï´¾[البقرة:286] ، ويدل عليه حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه.
عدي بن حاتم أسلم متأخراً بعد السنة التاسعة من الهجرة أو في السنة التاسعة من الهجرة، ولما سمع قول الله جل وعلا: ï´؟ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ï´¾[البقرة:187] ، وضع عقالاً أبيض وعقالاً أسود تحت وسادته، فظل يأكل وينظر حتى طلع الفجر، وفي بداية طلوع الفجر لا يمكن التمييز لأنه لم يحصل الإسفار وانتشار الضوء، فطلع الفجر وهو ما زال يأكل حتى انتشر الضوء بمَيَّز بينهما فتوقف، فلما ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم في الصباح تبسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: « إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيْض » ، يعني: وسادتك هذه عريضة جداً كيف أدخلت تحتها الليل والنهار، فبين له أنه ليس المقصود العقال الأبيض والعقال الأسود، بل المقصود أن يتبين الليل من النهار، أو النهار من الليل.
وأيضاً في حديث أسماء في الصحيح قالت: أفطرنا في يوم شديد الغيم، ثم طلعت الشمس، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء، لكن يقيد هذا أيضاً بألا يكون قد حصل من الإنسان تفريط، يعني: افترض أنك في البيت تنتظر الأذان فسمعت أذاناً فأفطرت، ثم تبين أن الأذان الذي سمعته أذان المذياع لمنطقة أخرى مثلاً، أو أن المؤذن أخطأ فأذن وما زال هناك دقيقة أو دقيقتين على الأذان، أنت معذور بهذا لو أفطرت، لكن لو جاءك طفل صغير لم يبلغ وقال لك: أَذَّن أَذَّن، وأنت لم تسمع الأذن وقبلت خبره وجعلت تأكل، هذا تفريط لأن مثل هذا الطفل لا يمكن أن يقبل خبره وأنت لم تسمع الأذان ولم تنظر إلى الساعة ولم تَتَحرَّ، في هذه الحالة يجب القضاء، إذاً: يجب أن يكون قد حصل من الإنسان تفريط.
وبالمناسبة: يقول العلماء: إذا شَكَّ الإنسان في طلوع الفجر يجوز له أن يأكل، وإذا شك في غروب الشمس لا يجوز له أن يأكل، إذا شك الإنسان في طلوع الفجر الأصل أن الليل باقٍ والإنسان يجوز له أن يأكل وأن يشرب في الليل، يقول: ربما طلع الفجر أو ربما لم يطلع يجوز الأكل، في آخر الصوم الأصل أن النهار باقٍ حتى يعلم أو يغلب على ظنه أن الشمس قد غربت، فإذا قال: لا أدري ربما الشمس وربما لم تغرب، هو شاك في هذا الأمر، نقول له: لا يجوز لك أن تأكل الآن لأن الأصل أن النهار باق.
إذاً هذا الشرط الأول: أن يكون عالماً.
الثاني: أن يكون عامداً، فلو كان غير مُتعمِّد كأن يطير حلقه غبار فيبتلعه أو يدخل في بركة أو في مسبح ومن غير قصد يدخل الماء إلى جوفه، أو يتمضمض أو يستنشق فيدخل الماء إلى جوفه من غير قصد، أو امرأة تتذوق الطعام بطرف لسانها، وكما تقدم أن هذا جائز للحاجة، فتفاجأ بأن هذا الطعام في حلقها، هذا كله من غير قصد: ï´؟ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ï´¾[الأحزاب:5] ، فهذا لا يؤثر في صحة الصوم.
كذلك إذا كان الإنسان مكرهاً، يعني: لو جاء أشخاص فأمسكوا بك وأدخلوا الماء إلى فمك قسراً أكرهوك على أن تشرب، فهل تفطر بهذا؟ الجواب: لا، الله جل وعلا يقول: ï´؟ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ï´¾[النحل:106] ، هذا في أصل الدين من أكره على قول كلمة الكفر لا يكفر، فما دون ذلك من باب أولى، لذا من أكره على الإفطار ليس فقط ليس عليه إثم بل لا يفسد صومه، لأن فعل المُكْرَه كلا فعل، لنفترض أن رجلاً فاجراً يُكرِه امرأته على الإفطار فأدخل الماء إلى فمها، فنقول لها: أكملي صومك فصومك صحيح، لأن فعل المُكْرَه كلا فعل.
إذاً: عالم عامد.. الأخير: ذاكر، فالناسي لا يؤاخذ بنسيانه: ï´؟ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ï´¾[البقرة:286] ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ نَسِىَ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ » ، فلا يؤاخذ بهذا فرضاً كان أو نفلاً فيكمل صومه، لكن السؤال هنا وهذا مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم: إن رأيته يأكل أو يشرب وأنت تعلم بأنه ناس، هل تتركه وتقول: أطعمه الله وسقاه أو تنبهه من أجل حرمة الشهر؟ كونه ليس مؤاخذاً لا يعني أني أنا لستُ مؤاخذاً في تذكيره.
هما قولان لأهل العلم، اختار الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه أنه يجب عليك أن تذكره، واختار الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله إلى أنك تتركه أطعمه الله وسقاه، هذان قولان والأصح أنك تذكره لحرمة الشهر وهو يحب أن تذكره، لا أظن أنه يحب أن يبقى ناسياً فيأكل ويشرب.
هناك قصة لطيفة أختم بها يذكرها بعض أهل العلم، يقولون: رجل عنده عنقود من العنب جعل يأكل منه عنبةً عنبة وهو ناسٍ أنه صائم حتى أتمه إلا عنبة واحدة فتذكر أنه صائم، فقال: إن كنتُ قد أفطرتُ بهذه العنبات كلها سأكمل هذه العنبة، وإذا كنت لم أفطر بكل هذه العنبات فلا أظن واحدة ستؤثر فأكلها، هذا أفطر أو لم يفطر؟ أفطر بهذه العنبة، قد يقول قائل: ألا يُعذر بجهله؟ الجواب: إن الأكل والشرب مما لا يعذر به بالجهل كما تقدم، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام.
والله أعلم، وصَلَّى الله وسَلَّم وبارك على نَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آله وصحبه وسَلَّم تسليماً كثيراً .