أنواع النَّسخ والحكمة من وجوده
ناصر عبدالغفور
المبحث الثاني: الحكمة من نسخ أحكام الإسلام بعضها ببعض:
من حِكم الله تعالى في نسخ أحكام الإسلام بعضها ببعض:
• التربية والتهذيب: حيث إن الله تعالى يشرع من الأحكام ما شاء، ثم ينسخها بأحكامٍ أنسبَ، فيكون الناس بالتشريع الأول قد تربَّوا وتمرنوا على العمل، فيأتي الحكم الجديد وهم على كامل الاستعداد للعمل به.
• التدرج: وهذا من أعظم ركائز الشريعة الإسلامية، ومن لُطف الله تعالى ورحمته بعباده؛ حيث إنه سبحانه لو باغَتهم بالحُكم مباشرة ربما لاشتد عليهم، لكن بالتدرج يكون الأمر أيسر وأدعى للقَبول والالتزام بأحكام الله تعالى.
فالناس في الجاهلية كانت لهم مواريث، وألِفوا أشياء صارت ملازمة لحياتهم لا تتصوَّرُ الحياة بدونها، كالخمر مثلاً، فكانت هذه الموروثات والاعتقادات والتقاليد مفاخرَ لهم مع ما فيها من باطل، فكان لا بد من إصلاح ذلك بالتدرج، والأخذ بالتغيير رويدًا رويدًا؛ ليكون أعون وأسلم في التربية، وأسرع في الامتثال.
وهذا يذكرني بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "إنما نزل أولَ ما نزل منه سورةٌ من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندَعُ الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندَعُ الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: ï´؟ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ï´¾ [القمر: 46]، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.."؛ جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه: 4993 - باب تأليف القرآن.
• بيان رحمة الله تعالى؛ إذ يشرع لهم ما هو أخف عليهم - وهذا في النَّسخ إلى بدل أخفَّ - وفي الحقيقة رحمة الله تعالى تتجلى حتى في النَّسخ إلى بدل أثقلَ لمن تأمل وتفكر.
المبحث الثالث: الحكمة من بعض أنواع النَّسخ:
المطلب الأول: الحكمة من نسخ الحكم دون التلاوة:
تكفل الإمام الزركشي ببيان ذلك؛ حيث قال: "وهنا سؤال، وهو أن يسأل: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟
والجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليُعرَف الحكم منه والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.
وثانيهما: أن النَّسخ غالبًا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة ورفع المشقة، وأما حكمة النَّسخ قبل العمل - كالصدقة عند النجوى - فيثاب على الإيمان به، وعلى نية طاعة الأمر"[29].
المطلب الثاني: الحكمة من نسخ التلاوة دون الحكم:
فقد يقال: لِمَ نسخت التلاوة؟ وهلا بقيت مع الحكم ليثاب الإنسان على القراءة كما يثاب على العمل بالحكم؟ والحكمة من هذا النوع من النَّسخ هي اختبار الناس وابتلاؤهم؛ ليعلم من يسارع في الاستجابة والعمل بالحكم بمجرد ظهوره واشتهاره دون المتواني والمتقاعس.
وفي هذا المعنى يقول صاحب الفنون[30] - كما نقل عنه الإمام الزركشي -: "إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي"[31].
المطلب الثالث: الحكمة من النَّسخ إلى بدل أخف:
ولعل الحكمة من هذا النوع من النَّسخ ظاهرة، وهي بيان رحمة الله تعالى بعباده؛ إذ رفع لهم حكمًا أثقل بحكم أخف عليهم، وذلك يستلزم شكره والمداومة على طاعته؛ فذلك عنوان محبته، وفي هذا المعنى يقول العلامة الزرقاني رحمه الله تعالى:
"أما الحكمة في نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه، فالتخفيف على الناس ترفيهًا عنهم، وإظهارًا لفضل الله عليهم ورحمته بهم، وفي ذلك إغراءٌ لهم على المبالغة في شكره وتمجيده، وتحبيبٌ لهم فيه وفي دينه"[32].
المطلب الرابع: الحكمة من النَّسخ إلى بدل مساوٍ أو أثقل:
لا ريب أن الحكمة من نسخ الحُكم إلى ما هو أثقل منه أو مساوٍ له في خفته أو صعوبته: الابتلاء والاختبار، وتمييز المؤمن الصادق المستجيب لأمر الله وأمر رسوله من المرتاب المتردد.
خاتمة:
تلك كانت بعض الأبواب التي ناقشت من خلالها موضوع "النَّسخ"، هذا الموضوع الهام الذي خصه العلماء بالبحث والدراسة والتحليل، سواء منهم الأصوليون، أو علماء الحديث، أو علماء القرآن وغيرهم، وما ذاك إلا لأهميته، وكيف لا يكون كذلك وقد تعلقت به بعض الأحكام الشرعية وجودًا وعدمًا، ثبوتًا ورفعًا.
ولا جرم - كما بينتُ بالأدلة والبراهين من الكتاب والسنة وأقوال العلماء الربانيين - أن النَّسخ حق ثابت، سواءٌ بين الشريعة المحمدية وما قبلها من الشرائع، أو داخل هذه الشريعة.
وهذا النَّسخ لا يقتضي جهلاً من الله تعالى ولا بَداءة - تعالى الله علوًّا كبيرًا عن ذلك - بل إن علم الله تعالى كامل، علِم ما كان وما سيكون، بل علم ما لم يكن كيف إن كان سيكون؛ فهو سبحانه يعلم أن بعض الأحكام تكون صالحة في زمان دون غيره، وفي أحوال دون غيرها، فينسخ ما شاء بما شاء؛ تبَعًا لعلمه وحكمته، وكل نسخ كيفما كان نوعه - سواءٌ إلى بدل أخف أو أثقل أو بدون بدل - فهو عند التأمل محقِّق لمصالح العباد، سواءٌ في دنياهم أو دار المعاد.
وكيفما كان فالمسلم الذي علم حقيقة العبودية، لا يعترض على ربه، بل يسلِّمُ ويخضع وينقاد، ولا يورد أسئلةَ المرتابين الشاكِّين، ورحم الله تعالى الإمام أبا جعفر الطحاوي إذ يقول في عقيدته: "ولا تثبُتُ قدمُ الإسلام إلا على ظهرِ التسليم والاستسلام".
وصدق الله إذ يقول: ï´؟ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ï´¾ [الأنبياء: 23].
والله أعلم وأحكم، ونسبة العلم إليه سبحانه أسلم.
المراجع:
• الإتقان في علوم القرآن.
• البرهان في علوم القرآن.
• مناهل العرفان في علوم القرآن.
• جامع البيان في تأويل آي القرآن.
• أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.
• لباب التأويل في معاني التنزيل.
• تفسير ابن كثير.
• تيسير الرحمن.
• تفسير البحر المحيط.
• معجم مقاييس اللغة.
• مختار الصحاح.
• المفردات.
• الإحكام للآمدي.
• إرشاد الفحول.
• أصول الفقه الميسر.
• الأصول من علم الأصول.
• الإحكام لابن حزم.
• النكت على النزهة.
• البحر المحيط في أصول الفقه.
• مقدمة ابن الصلاح.
• فتح المغيث شرح ألفية الحديث.
• روضة الناظر وجنة المناظر.
• شرح مسلم للإمام النووي.
• السلسلة الصحيحة.
• صحيح جامع بيان العلم وفضله.
• شرح الورقات في أصول الفقه للعلامة عبدالله الفوزان.
• العقيدة الطحاوية.
[1] البحر المحيط في أصول الفقه: 3/ 155.
[2] روضة الناظر وجنة المناظر: 1/ 73.
[3] إرشاد الفحول: 1/ 353.
[4] رواه الحاكم في المستدرك وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا السياق".
[5] تفسير ابن كثير: 1/ 391.
[6] جامع البيان في تأويل آي القرآن: 3/ 496.
[7] تفسير ابن كثير: 2/ 233.
[8] جامع البيان في تأويل آي القرآن: 23/ 251.
[9] جامع البيان في تأويل آي القرآن: 23/ 248.
[10] البرهان في علوم القرآن: 2/ 39.
[11] شرح مسلم للإمام النووي: 10/ 29.
[12] السلسلة الصحيحة: 6/ 412.
[13] البرهان في علوم القرآن.
[14] الإتقان في علوم القرآن.
[15] إرشاد الفحول: 2/ 64.
[16] القول بجواز نسخ القرآن بالسنة لعله المشهور عن الإمام مالك، لكن الإمام ابن عبدالبر - رحمه الله تعالى - لما ذكر ما أجاب به الإمام أحمد حينما قيل له: " أتنسخ السنة شيئًا من القرآن؟ قال: "لا ينسخ القرآن إلا القرآن"، قال ابن عبدالبر: هذا قول الشافعي رحمه الله... وعلى هذا جمهور أصحاب مالك إلا أبا الفرج؛ فإنه أضاف إلى مالك قول الكوفيين في ذلك: إن السنة تنسخ القرآن؛ صحيح جامع بيان العلم وفضله: 488.
[17] وقد ذهب إلى الجواز من الظاهرية الإمام محمد بن حزم رحمه الله تعالى؛ فقد قال في الإحكام: "وبهذا نقول، وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضًا، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن، وبرهان ذلك ما بيناه في باب الأخبار من هذا الكتاب من وجوب الطاعة لِما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن، ولا فرق، وأن كل ذلك من عند الله تعالى: ï´؟ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ï´¾ [النجم: 3، 4]، فإذا كان كلامه وحيًا من عند الله عز وجل، والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز؛ لأن كل ذلك سواءٌ في أنه وحي.
[18] إرشاد الفحول: 2/ 70.
[19] الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 4/ 505.
[20] مناهل العرفان: 2/ 241.
[21] شرح الورقات في أصول الفقه للعلامة عبدالله الفوزان: 179.
[22] مناهل العرفان: 2/ 245.
[23] شرح الورقات: 182.
[24] شرح الورقات في أصول الفقه للعلامة عبدالله بن صالح الفوزان: 183 - 184.
[25] إرشاد الفحول: 2/ 68.
[26] مناهل العرفان: 2/ 252، بتصرف يسير.
[27] مناهل العرفان: 2/ 195.
[28] البحر المحيط: 3/ 156.
[29] البرهان في علوم القرآن: 2/ 39، وقد نقل هذا الجواب عنه الإمام السيوطي في الإتقان.
[30] وهو الإمام علي بن عقيل البغدادي - 513هـ - صاحب كتاب الفنون في أربعمائة مجلد، وهو من أضخم الكتب.
[31] البرهان في علوم القرآن: 2/ 37.
[32] مناهل العرفان: 2/ 196.