أنواع النَّسخ والحكمة من وجوده
ناصر عبدالغفور
المطلب الثالث: نسخ السنة بالقرآن:
وهذا القسم اختلف فيه أيضًا، بَيْدَ أن جمهور الفقهاء والمتكلمين على جوازه ووقوعه، ولم يخالف في ذلك إلا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في إحدى روايتيه؛ "لقوله تعالى: ï´؟ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ï´¾ [النحل: 44]، "ووجه الدلالة أنه - سبحانه - قد جعل السنَّة بيانًا للقرآن، والناسخ بيان للمنسوخ، ولو كان القرآن ناسخًا للسنة لكان القرآن بيانًا للسنة، وهذا لا يجوز"[21].
ولا ريب أن الصحيح قول الجمهور؛ وذلك لأن نسخ السنة بالقرآن لا يمتنع عقلاً؛ فكلاهما وحي من الله تعالى، كما أن هذا النَّسخ وقع، والوقوع من أقوى الأدلة على الجواز، بل هو أدل دليل على الجواز.
ومن أدلة الوقوع ما يلي:
• استقبال بيت المقدس في الصلاة لم يعرف إلا من السنَّة، وقد نسخه قوله تعالى: ï´؟ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ï´¾ [البقرة: 144].
• ومنها: أن الأكل والشرب والمباشَرة كان محرمًا في ليل رمضان على من صام، ثم نُسخ هذا التحريم بقوله تعالى: ï´؟ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ï´¾ [البقرة: 187].
• ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبرَمَ مع أهل مكة عام الحديبية صلحًا، كان من شروطه أن من جاء منهم مسلمًا رده عليهم، وقد وفَّى بعده في أبي جندل، وجماعةٍ من المكِّيِّين جاؤوا مسلمين، ثم جاءته امرأة فهمَّ أن يردها، فأنزل الله: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ï´¾ [الممتحنة: 10].
يقول العلامة الزرقاني رحمه الله تعالى: "أورد المانعون على هذا الاستدلال المعتمد على تلك الوقائع شبهة، قالوا في تصويرها: يجوز أن يكون النَّسخ فيما ذكرتم ثابتًا بالسنة، ثم جاء القرآن موافقًا لها، وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ السنة بالسنة، ويجوز أن الحكم المنسوخ كان ثابتًا أولاً بقرآن نُسِخت تلاوته، ثم جاءت السنة موافقة له، وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ قرآن بقرآن.
وندفع هذه الشبهة بأنها قائمة على مجرد احتمالات واهية، لا يؤيدها دليل، ولو فتحنا بابها وجعلنا لها اعتبارًا لَمَا جاز لفقيه أن يحكم على نص بأنه ناسخ لآخر إلا إذا ثبت ذلك صريحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ذلك باطلٌ بإجماع الأمة على خلافه، واتفاقها على أن الحكم إنما يسند إلى دليله الذي لا يعرف سواه بعد الاستقراء الممكن"[22]؛ اهـ.
المطلب الرابع: نسخ السنة بالسنة:
باعتبار تقسيم السنة إلى متواترة وآحاد، فإن نسخ السنة بالسنة يندرج تحته أربع صور: نسخ المتواتر بالمتواتر، ونسخ الآحاد بالآحاد، ونسخ أحدهما بالآخر.
1- نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة:
وهذا النوع مجمع عليه بين القائلين بالنَّسخ؛ قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني - 478 هـ - في ورقاته: "ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر"، لكن نقل العلامة الفوزان عن صاحب شرح الكوكب المنير أنه قال: "وأمثال نسخ متواتر السنة بمتواترها فلا يكاد يوجد"[23].
2- نسخ الآحاد بالآحاد:
وهذا النوع كذلك لا خلاف فيه بين القائلين بالنَّسخ؛ لأن الناسخ والمنسوخ في درجة واحدة، فلا مانع من أن ينسخ أحدهما الآخر.
ومن الأمثلة: حديث بريدة رضي الله عنه مرفوعًا: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها))؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم" يدل على أن النهي ثابت بالسنة.
3- نسخ الآحاد بالمتواتر:
وهذا النوع لا خلاف فيه كذلك بين القائلين بالنَّسخ؛ وذلك لأن المتواتر أقوى من الآحاد، فلا مانع من نسخ الآحاد بالمتواتر.
4- نسخ المتواتر بالآحاد:
إذا كان جمهور العلماء متفقين على جواز الأنواع الثلاثة الماضية من نسخ السنة بالسنة، فقد اختلفوا في جواز هذا النوع الرابع شرعًا، واتفقوا على جوازه عقلاً؛ فذهب الجمهور إلى المنع، وذهب الظاهرية إلى الإثبات.
وقد استدل الجمهور على المنع بدليل عقلي وآخرَ سمعي:
• فالأول: أن المتواتر قطعي الثبوت، وخبر الواحد ظني، والقطعي لا يرتفع بالظني؛ لأنه أقوى منه، والأقوى لا يرتفع بالأضعف.
• والثاني: أن عمر رضي الله عنه رد خبر فاطمة بنت قيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى، مع أن زوجها طلقها وبتَّ طلاقها، وقد أقر الصحابة عمر على رده هذا، فكان إجماعًا، وما ذاك إلا لأنه خبر آحادي لا يفيد إلا الظن، فلا يقوى على معارضة ما هو أقوى منه، وهو كتاب الله إذ يقول: ï´؟ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ï´¾ [الطلاق: 6]، وسنة رسوله المتواترة في جعل السكن حقًّا من حقوق المبتوتة.
والذي تطمئن إليه النفس: ما ذهب إليه الظاهرية - كابن حزم وغيره - من الجواز؛ وذلك لأن حديث الآحاد إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالحق أنه يفيد العلم كما يوجب العمل، وإذا ثبت صار قطعيًّا؛ إذ ما الفرق بين ما تواتر وما لم يتواتر إذا صح الكل عن النبي صلى الله عليه وسلم.. إن التفريق بين المتواتر والآحاد كان من أسباب انحراف البعض، حتى ذهبوا إلى القول: إن حديث الآحاد حجة في الأحكام دون العقائد، وهذا باطل من عدة وجوه لا يتسع المجال لذكرها، وقد فنَّد العلامة المحدث ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى هذه الشبهة، ورد عليها بقوة في كتابه القيم: "الحديث حجة بنفسه".
ولو سلمنا جدلاً أن المتواتر يبقى أقوى من الآحاد؛ لكون الأول قطعيًّا، فنقول ما قاله العلامة عبدالله الفوزان: ".. القطعي: هو اللفظ، ومحل النَّسخ هو الحكم، ولا يشترط في ثبوته التواتر؛ لأن الدلالة باللفظ المتواتر قد تكون ظنية؛ لجواز أن يكون المرادُ غيرَ ذلك، فحينئذ لم يُرفَعِ الظنيُّ إلا بمثلِه"[24].
وقد مثل - رحمه الله تعالى - لذلك بحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة"؛ متفق عليه.
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن استقبال بيت المقدس إنما كان ثابتًا بالسنة المتواترة، فنُسخ بهذا الخبر وهو حديث آحاد؛ حيث عمل الصحابة به بمجرد سماعه في نسخ ما تقرر عندهم بطريق العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم، فدل على الجواز.
بهذا استدل العلامة الفوزان على الجواز، لكن وإن كنت مع الجواز، فإن هذا الدليل قد لا يسلم؛ لاحتمال أن يقال: إن النَّسخ إنما هو بالقرآن؛ لقوله: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها"، والله أعلم.
وقد رجح الإمام الشوكاني - رحمه الله تعالى - الجوازَ - وهو مذهب الظاهرية؛ حيث قال بعد أن أورد ما استدلوا به على صحة مذهبهم: "ومما يرشدك إلى جواز النَّسخ بما صح من الآحاد لِما هو أقوى متنًا أو دلالة منها: أن الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعيًّا، فالمنسوخ إنما هو هذا الظني، لا ذلك القطعي، فتأمل هذا"[25].
المبحث الرابع: نسخ الإجماع والقياس والنَّسخ بهما:
مسألة نسخ الإجماع والقياس والنَّسخ بهما من المسائل الشائكة التي اختلف فيه العلماء على أقوال، وقد ذهب الجمهور إلى منع نسخ الإجماع والنَّسخ به، وكذا القياس إلا إذا كان قطعيًّا.
المطلب الأول: نسخ الإجماع والنَّسخ به:
جمهور الأصوليين على أن الإجماع لا يجوز أن يكون ناسخًا ولا منسوخًا، واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون ناسخًا بأن المنسوخ به إما أن يكون نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا، ولا جائز أن يكون نصًّا؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون له نص يستند إليه، خصوصًا إذا انعقد على خلاف النص، وإذًا يكون الناسخ هو ذلك النص الذي استند إليه الإجماع، لا نفس الإجماع، ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع إجماعًا؛ لأن الإجماع لا يكون إلا عن مستنَد يُستند إليه مِن نص أو قياس؛ إذ الإجماع بدون مستندٍ قولٌ على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم ضلالة، والأمة لا تجتمع على ضلالة، ومستند الإجماع الثاني لا بد أن يكون نصًّا حدث بعد الإجماع الأول؛ لأن ذلك النص لو تحقق قبل الإجماع الأول ما أمكن أن ينعقد الإجماع على خلافه، ولا ريب أن حدوث نص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم محال، فما أدى إليه - وهو نسخ الإجماع بالإجماع - محال، ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع قياسًا؛ لأن الإجماع على خلاف القياس يقتضي أحد أمرين، إما خطأ القياس، وإما انتساخه بمستند الإجماع، وعلى كلا التقديرين فلا يكون الإجماع ناسخًا، واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون الإجماع منسوخًا بأن الإجماع لا يعتبر حجةً إلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذًا فالناسخ له إما أن يكون نصًّا أو قياسًا أو إجماعًا، ولا جائز أن يكون نصًّا؛ لأن الناسخ متأخر عن المنسوخ، أو لا يُعقَل أن يحدُث نص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع قياسًا؛ لأن نسخ الإجماع بالقياس يقتضي أن يكون الحكم الدال على الأصل حادثًا بعد الرسول، وهو باطل، ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع إجماعًا؛ لِما سبق، وأما قولهم: هذا الحكم منسوخ إجماعًا، فمعناه أن الإجماع انعقد على أنه نُسخ بدليل من الكتاب أو السنة، لا أن الإجماع هو الذي نسخه[26].
والقول بأن الإجماع لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا هو قول الجمهور كما أسلفت، وخالفهم بعض المعتزلة فجوزوا أن يكون الإجماع ناسخًا لغيره.
المطلب الثاني: نسخ القياس والنَّسخ به:
اختلف العلماء في نسخ القياس والنَّسخ به، فمنهم من منع ذلك مطلقًا، ومنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من فصَّل، وهم الجمهور؛ حيث ذهبوا إلى جواز نسخ القياس والنَّسخ به إن كان قطعيًّا، وإلى المنع إن كان ظنيًّا، والمقصود بالقياس القطعي ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، ويمثل لذلك بقياس صب البول في الماء الراكد على البول فيه؛ إذ لا فارق قطعًا بينهما، فيأخذ حكمه.
1- أدلة المانعين والرد عليها:
استدل المانعون لنسخ القياس والنَّسخ به مطلقًا بأن نسخه يقتضي ارتفاع حكم الفرع مع بقاء حكم الأصل، وهذا لا يعقل، ورد من وجهين:
• أن نسخ القياس لا يقتضي ما ذكروه، بل يقتضي ارتفاع حكم الأصل تبعًا لارتفاع حكم الفرع.
• لا مانع عقلاً من أن ينسخ الشارعُ الفرعَ بناءً على أنه اعتبر قيدًا في العلة، لم يكن معتبرًا من قبل، وهذا القيد موجود في الأصل دون الفرع.
2- أدلة المجيزين والرد عليها:
القياس دليل شرعي لم يقُم دليل عقلي ولا نقلي على امتناع نسخه أو النَّسخ به، وما كان كذلك فهو جائز.
ونوقش هذا الاستدلال بأن إطلاقهم هذا يستلزم التسوية بين ظنيِّ القياس وقطعيِّه، ويستلزم جواز ارتفاع القطعي منه بالظني، وكلاهما غير مقبول عقلاً ولا نقلاً.
3- أدلة الجمهور:
فرَّق الجمهور - كما سبق - بين القياس القطعي والظني؛ فأجازوا نسخه والنَّسخ به إن كان قطعيًّا، ومنعوا ذلك إن كان ظنيًّا، واستدلوا على ذلك بأن نسخ القياس والنَّسخ به إن كان قطعيًّا لا يترتب عليه محال عقلي ولا شرعي، بخلاف إذا كان ظنيًّا، فإن نسخه والنَّسخ به يستلزم محالاً عقليًّا أو شرعيًّا.
الفصل الثاني: الحكمة من وجود النَّسخ:
خلافًا لما قد يزعمه البعض من عدم وجود أي حكمة من النَّسخ، فإن للنسخ حِكمًا جليلة، وفوائد عظيمة، سواءٌ تعلق الأمر بنسخ الشريعة الإسلامية لِما قبلها من الشرائع، أو النَّسخ الحاصل في هذه الشريعة نفسها.
المبحث الأول: الحكمة من نسخ الإسلام لما قبله من الشرائع:
تظهر هذه الحكمة في كون الإسلام آخر الأديان، وشريعته خاتمة الشرائع صالحة لكل زمان ومكان، مما يجعلها مهيمنة على كل ما سبقها من الشرائع، والله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسبها وأحوالها وزمانها، وما زالت البشرية في نمو ونضجٍ وتطور إلى أن صارت إلى ما هي عليه في آخر عصورها، مما يجعلها تحتاج لشريعة - هي أعظم الشرائع، وأكمل الشرائع - تفي بحاجياتها الدينية والدنيوية، وتلبي مطالبها العاجلة والآجلة، وتحل مشاكلها المختلفة، وتواجه مستجداتها، وهذه لا شك هي شريعة الإسلام الخاتمة لكل الشرائع.
• يقول الشيخ الزرقاني في مناهله: "حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف ختامًا للأديان، ومتممًا للشرائع، وجامعًا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ومرونة القواعد جمعًا وفَّق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله؛ من أفراد وأسر، وجماعات وأمم وشعوب، وحيوان ونبات وجماد، مما جعله بحق دينًا عامًّا خالدًا إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها!"[27].
ومن الحكم في هذا النوع من الشرائع: ما ذكره الإمام الزركشي - رحمه الله تعالى، فبعد أن نقل شيئًا من كلام الفخر الرازي في المطالب العلية قال:
"وذكر غيره في ذلك وجوهًا، منها: أن الخَلْق طُبعوا على الملالة من الشيء، فوضع في كل عصر شريعة جديدة؛ لينشطوا في أدائها، ومنها: بيان شرف نبينا عليه السلام؛ فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها، ومنها: ما فيه من حفظ مصالح العباد؛ كطبيب يأمر بدواء في كل يوم، وفي اليوم الثاني بخلافه للمصلحة، ومنها: ما فيه من البشارة للمؤمنين برفع الخدمة ومؤنتها عنهم في الجنة؛ فجريان النَّسخ عليها في الدنيا يؤذِن برفعها في الجنة، يمحو الله ما يشاء ويثبت، وذكر الشافعي في الرسالة أن فائدة النَّسخ رحمةُ الله بعباده، والتخفيف عنهم، وأُورِد عليه أنه قد يكون بأثقل، وجوابه أنه رحمة في الحقيقة بالوجوه التي ذكرنا"[28].
يتبع