عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-02-2020, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أثر اختلاف المطالع في بدء الصّوم والإفطار

أثر اختلاف المطالع في بدء الصّوم والإفطار
د. محمد محمود أحمد طلافحة





المطلب الثاني
‏الأدلة ووجوه الاستدلال بها
الفرع الأول
‏أدلة القائلين بأنه لا عبرة باختلاف
‏لمطالع ووجوه استدلالهم بها
أولاً: أدلتهم من القرآن الكريم
‏استدلوا بقول الله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[30].
وجه الاستدلال من الآية الكريمة:
اتفق المسلمون على معنى الآية في اعتبار رؤية الهلال سبباً في إيجاب صوم رمضان، فدل ذلك على أن رؤية الهلال هي شهود الشهر[31].
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: "شهد" بمعنى حضر، وفيه إضمار، أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلاً بالغاً صحيحاً مقيماً فليصمه[32]. فحاصل الاستدلال عنده أن العبرة بثبوت الشهر نفسه من أي مطلع كان، وذلك لأن الشارع أناط عموم الحكم - وهو وجوب الصوم - بثبوت الشهر نفسه، بشرط العلم به وأن يكون المكلف مقيماً في بلده بين أهله، فعليه أن يصوم متى كان صحيحاً معافىً، يقول ابن العربي في كتابه أحكام القرآن: "لا خلاف أنه يصومه من رآه، فأمّا من أخبر به فيلزمه الصوم؛ لأن رؤيته قد تكون لمحة، فلو وقف صوم كل واحد على رؤيته لكان ذلك سبباً لإسقاطه؛ إذ لا يمكن كل أحد أنه يراه وقت طلوعه، وإن وقت الصلاة الذي يشترك في دركه كل أحد ويمتد أمره يُعلم بخبر المؤذن، فكيف الهلال الذي يخفى أمره ويُقصر أمده"[33]. وليس ‏المراد بشهود الشهر رؤية الهلال من كل مكلف، بدليل أن في الناس من هو أعمي أو ضعيف البصر ومن لا يتيسر له رؤيته لأي سبب، كما أن الإجماع منعقد على أن التماس الهلال ليس فرض عين، ولو كانت الرؤية شرطاً لوجب على الجميع أن يرى الهلال، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب[34].
ثانياً: أدلتهم من السنة النبوية
استدلوا بنصوص الأحاديث النبوية التي تأمر بالصوم لرؤية الهلال والفطر لرؤيته، ومن هذه الأحاديث:
قوله "صلى الله عليه وسلم": "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له"[35].
وقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته، وأ‏فطروا لرؤيته"[36].
وجه الاستدلال من الحديثين السابقين: هو أن الخطاب عام، وقد عُلق بمطلق الرؤية في قوله "صلى الله عليه وسلم": "حتى تروا"، و "لرؤيته" فإذا حدثت الرؤية من قوم فإنه يصدق اسم الرؤية، فثبت ما تعلق به من عموم الحكم، فيعم الوجوب[37].
ومن المقرر أصولياً[38]: أنّ "المطلق يجرى على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد"، والمطلق يتحقق في أي فرد من أ‏فراده الشائعة في جنسه؛ بمعنى أنه إذا تمت رؤية قوم في أي مطلع من مطالعه في الأقطار الإسلامية فقد تحقق مسمّى الرؤية، فثبت ما تعلق به من عموم الحكم، فيعم الوجوب المسلمين في سائر أقطارهم، دونما اعتبار لاختلاف مطالعهم، مهما تباعدت وصار معنى الحديث الشريف: صوموا إذا تحققت رؤية الهلال أيّاً كان موقعها عملاً بالإطلاق.
لذا قال الإمام ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" : "وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها "[39].
ثالثاً: أدلتهم من الإجماع:
حيث نقل الشيخ موفق الدين بن قدامة في كتابه المغني: "أجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان، وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقات فوجب صومه على جميع المسلمين[40].
فيفهم من قوله: أن الشهر قد ثبتت ولادته برؤية الثقات للهلال في أول ليلة منه، في أي مطلع من مطالع الأقطار الإسلامية فوجب الصوم في حق المسلمين كافة لتعلق الوجوب بثبوت انعقاد الشهر، كما تعلق به سائر الأحكام الشرعية من حلول الدين أو الطلاق[41].
رابعاً: أدلتهم من القياس: قياس البلدان البعيدة على الضواحي والمدن القريبة من بلد الرؤية لعدم وجود دليل على اختصاص كل منهما بحكم، فالبيّنة العادلة ممثلة بشهادة الثقات قد أثبتت رؤية الهلال، فوجب الصيام، كما في حالة ‏تقارب البلدان. فالعلّة إذا كانت هي "مطلق الرؤية" استوى بعد ذلك القريب والبعيد من الأقطار، إذ اشتراط التباعد تقييد، ولا دليل عليه[42].
الفرع الثاني
‏أدلة القائلين باعتبار اختلاف المطالع
‏ووجوه الاستدلال بها
‏الدليل الأول: أدلتهم من القرآن الكريم
استدلوا بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[43].
وجه الدلالة من الآية الكريمة السابقة: هو أن معنى "شهد" هو "رآه" فيجب الصيام على من رأى هلال الشهر دون من لم يره، فقد علقت الآية وجوب الصوم على مشاهدة الشخص الهلال، وهو خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم[44]، ولكن مصروف عن ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد، فدل على أن من لم يَر الهلال لا يلزمه الصيام.
الدليل الثاني: أدلتهم من السنة النبوية
أولاً: استدلوا من السنة النبوية بحديث كريب مولى عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- وفيما يلي نصّه:
"عن كُرَيب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: قَدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وإنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رايته؟ فقلتُ: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم"[45].
‏وجه الاستدلال بحديث كريب:
أنّ عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- لم يعمل برؤية أهل الشام؛ وعلل ذلك في آخر الحديث بقوله: "هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أنه حفظ من رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر، فلأهل الشام رؤيتهم، ولأهل المدينة رؤيتهم.
ثانياً: استدلوا - أيضاً - من السنة النبوية بحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له"[46].
‏وجه الاستدلال بحديث ابن عمر رضي الله عنهما.
أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" علّق صيام رمضان على رؤية أهل البلد للهلال، وبما أن أهل البلد الآخر لم يروه فلا يلزمهم الصيام.
الدليل الثالث: القياس
القياس على اختلاف مطالع الشمس المنوط به اختلاف مواقيت الصلاة، فهي معتبرة شرعاً، ومنعقد عليها بالإجماع، فلما كان لكل بلد شروقه وغروبه، ‏وظهره وعصره تبعاً لاختلاف مطالع الشمس، وجب أن يكون لكل بلد صيامهم، تبعاً لاختلاف مطلع الهلال عندهم، بجامع أنهما أوضاع كونية، تؤثر في اختلاف أوقات العبادات وانعقاد الأهلة[47].
الدليل الرابع: استدلوا بفعل الصحابة الكرام
حيث إنّه لم ينقل عن عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم- أنهم كانوا إذا رأوا الهلال يكتبون إلى الآفاق، ولو كانت الرؤية تلزم أهل الآفاق الأخرى بالصوم لكتبوا إليهم. فدل ذلك على عدم لزوم أهل بلد لم يروا الهلال برؤية غيرهم، ولو كان لازماً لهم لأبلغوهم، إذ لا يتصور إهمالهم لأمور الدين[48].
الدليل الخامس: أدلتهم من المعقول
استلوا بالمعقول، فقالوا: إنّ السبب هو الشهر، وانعقاده في حق قوم الرؤية، لا يستلزم انعقاده في حق آخرين مع اختلاف المطالع[49].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.54%)]