الموضوع: العصمة
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 31-01-2020, 09:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,236
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العصمة

العصمة



علي محمد سلمان العبيدي

وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية:

الأنبياءُ صلوات الله وسلامُه عليهم معصومون من الإقرار على الذنوب كبارِها وصغارِها، وهم بما أخبر الله به عنهم من التوبة يرفع درجاتهم، ويُعظِم حسناتِهم؛ فإن اللهَ يحب التوابين، ويحب المتطهرين، وليست التوبة نقصًا، بل هي مِن أفضلِ الكمالات، وهي واجبةٌ على جميع الخَلْق؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ï´¾ [الأحزاب: 72، 73]، فغايةُ كلِّ مؤمن هي التوبة، ثم التوبةُ تتنوع، كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

والله تعالى قد أخبر عن عامة الأنبياء بالتوبة والاستغفار: عن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم؛ فقال آدم: ï´؟ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾ [الأعراف: 23]، وقال نوح: ï´؟ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾ [هود: 47]، وقال الخليل: ï´؟ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ï´¾ [إبراهيم: 41]، وقال هو وإسماعيل: ï´؟ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ï´¾ [البقرة: 128]، وقال موسى: ï´؟ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ï´¾ [الأعراف: 155، 156]، وقال تعالى: ï´؟ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [الأعراف: 143]، وقد ذكَر الله سبحانه توبةَ داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء، والله تعالى ï´؟ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ï´¾ [البقرة: 222]، وفي أواخرِ ما أنزل اللهُ على نبيِّه: ï´؟ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ï´¾ [النصر: 1 - 3].

وفي الصحيحين عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في افتتاح الصلاة: ((اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من الخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسِلْني من خطاياي بالثلج والبَرَد والماء البارد)).


وفي الصحيح أنه كان يقول في دعاءِ الاستفتاح: ((اللهم أنت الملِكُ، لا إلهَ إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذَنْبي؛ فاغفِرْ لي ذنوبي جميعًا؛ إنه لا يغفِرُ الذنوبَ إلا أنت)).

وفي الصحيح أيضًا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((اللهم اغفِرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، علانيته وسرَّه، أوَّلَه وآخِرَه)).

وفي الصحيحينِ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((اللهم اغفِرْ لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنتَ أعلمُ به مني، اللهم اغفِرْ لي هَزْلي وجِدِّي، وخطَئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، لا إله إلا أنت)).

ومثلُ هذا كثيرٌ في الكتاب والسنَّة، وقد قال الله تعالى: ï´؟ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ï´¾ [محمد: 19]؛ فتوبةُ المؤمنين واستغفارُهم هو من أعظم حسناتهم، وأكبر طاعاتهم، وأجلِّ عباداتهم التي ينالون بها أجلَّ الثواب، ويندفع بها عنهم ما يدفعُه من العقاب.

فإذا قال القائل: أي حاجة بالأنبياء إلى العبادات والطاعات؟ كان جاهلاً؛ لأنهم إنما نالوا ما نالوه بعبادتِهم وطاعتِهم، فكيف يقال: إنهم لا يحتاجون إليها؟ فهي أفضلُ عبادتهم وطاعتهم.

وإذا قال القائل: فالتوبة لا تكون إلا عن ذنبٍ، والاستغفار كذلك، قيل له: الذنب الذي يضرُّ صاحبَه هو ما لم يحصل منه توبةٌ، فأما ما حصل منه توبة، فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضلَ منه قبل الخطيئة؛ كما قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة أحسنَ منه حالاً قبل الخطيئة، ولو كانت التوبةُ من الكفر والكبائر؛ فإن السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار هم خيارُ الخليقة بعد الأنبياء، وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب، ولم يكن ما تقدم قبل التوبة نقصًا ولا عيبًا، بل لَمَّا تابوا من ذلك وعمِلوا الصالحات، كانوا أعظمَ إيمانًا وأقوى عبادةً وطاعةً ممن جاء بعدهم فلم يعرفِ الجاهلية كما عرَفوها.

إن الله - سبحانه وتعالى - لم يذكُرْ عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكَر توبته منه؛ ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين: إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها، وإما أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليها، لا سيما فيما يتعلَّقُ بتبليغ الرسالة؛ فإن الأمَّةَ متَّفقةٌ على أن ذلك معصومٌ أن يقرَّ فيه على خطأ؛ فإن ذلك يناقضُ مقصودَ الرسالة، ومدلولَ المعجزة.

ولكن المقصود هنا أن الله لم يذكُرْ في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه، كما ذكر في قصة آدم وموسى وداود، وغيرهم من الأنبياء.

وبهذا يُجيب مَن ينصر قول الجمهور الذين يقولون بالعصمة من الإقرار على مَن ينفي الذنوب مطلقًا؛ فإن هؤلاء من أعظمِ حُجَجهم ما اعتمده القاضي عياض وغيره؛ حيث قالوا: نحن مأمورون بالتأسِّي بهم في الأفعال، وتجويز ذلك يقدحُ في التأسي، فأجيبوا بأن التأسِّيَ إنما هو فيما أُقِرُّوا عليه، كما أن النسخ جائز فيما يبلِّغونه من الأمر والنهي، وليس تجويزُ ذلك مانعًا من وجوبِ الطاعة؛ لأن الطاعةَ تجبُ فيما لم يُنسَخ؛ فعدم النَّسخ يقرِّر الحُكم، وعدم الإنكار يقرِّر الفعل، والأصلُ عدمُ كل منهما.

.... وهو معصوم في التبليغ بالاتفاق، والعصمة المتفق عليها أنه لا يُقَرُّ على خطأ في التبليغ بالإجماع؛ فإنه لا معصومَ إلا الأنبياء؛ ولهذا لم يجب الإيمانُ بكل ما يقوله بشر إلا أن يكون نبيًّا؛ فإن الإيمان واجبٌ بكل ما يأتي به النبي؛ قال تعالى: ï´؟ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ï´¾ [البقرة: 136]، وقال تعالى: ï´؟ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ï´¾ [البقرة: 177]، وإذا كان الأمر كذلك، فمعلوم بالتواتر أن محمدًا ذكر أنه رسول كإبراهيم وموسى وعيسى، بل أخبر أنه سيد ولد آدم، وأن آدمَ فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وأنه لَمَّا أسري به وعرج إلى ربه، علا على الأنبياء كلِّهم؛ على إبراهيم وموسى وهارون ويحيى وعيسى وغيرهم، وأخبر أنه لا نبيَّ بعده، وأن أمتَه هم الآخِرون في الخَلق، السابقون يوم القيامة، وأن الكتابَ الذي أُنزل إليه أحسنُ الحديث، وأنه مهيمن على ما بين يديه من الكتب، مع تصديقِه لذلك، وحينئذٍ فإن كان عالِمًا بصِدق نفسه، فهو نبيٌّ رسول، ومَن قال هذا القول وهو يعلم أنه كاذب، فهو من أظلمِ الناس وأفجرِهم؛ ï´؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ï´¾ [الأنعام: 93]، وإن كان يظنُّ صِدق نفسه وليس كذلك، فهو مخطئ غالط ملبوس عليه، وإذا كان كذلك فلا بد أن يخطئَ فيما يخبِرُ به من الغيوب، ويظلم فيما يأمر به من العدل، ولا يتصور استمرارُه على هذا، بل لا بد أن يتبينَ له ولغيره أنه صادقٌ أو كاذب؛ فإن مَن ظن صِدْق نفسه في مثل هذه الدعوى وليس بصادق، يكونُ مِن أجهل الناس وأظلمِهم وأبعدِهم عن التمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والخير والشر.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.97%)]