منهجية إثبات الأهلة في ظل المتغيرات المعاصرة (2)؛
أ.د. محمد جبر الألفي
المبحث الثالث: اعتماد الحساب فـي إثبات الأهلة
لبيان اعتماد الحساب أو عدم اعتماده في إثبات الأهلة، ولتوضيح ما يتعلق بهذا الموضوع من مسائل، نقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب:
المطلب الأول: تحقيق القول في الحساب بين القطعية والظنية.
المطلب الثاني: مدى مشروعية الاعتداد بالحساب.
المطلب الثالث: خصوصية الجاليات الإسلامية وأثرها في اعتماد الحساب.
المطلب الرابع: الفرق بين العمل بالحساب في الصلاة وفي الصيام.
المطلب الأول: تحقيق القول في الحساب بين القطع والظن[84]
المراد من العمل بالحساب: حساب سير القمر في منازله لتثبيت وقت اجتماعه بالشمس ووقت انفصاله عنها، ووقت إمكانية الرؤية وعدمها، والبعد بين النيرين، ووقت مكث الهلال في الأفق وغير ذلك، حتى يمكن أن يعرف به متى يرى الهلال في أوائل الشهور القمرية.
وكانت الطريقة الحسابية (القديمة) تعتمد على الأجهزة المتوافرة في تلك العصور وعلى ما توصل إليه علماء الفلك والرياضيات، أما في العصر الحديث فقد تطورت هذه الأجهزة ومعطيات العلوم تطوراً مذهلاً، ولذا يحسن إيراد كلمة موجزة عن كل من الطريقتين.
الطريقة الحسابية القديمة:
اعتمدت هذه الطريقة – أساساً – على استقراء كمية كبيرة من الأرصاد، ومن ثم استخراج متوسطها، ومن أشهر الآلات التي استخدمت في ذلك ( الاسطرلاب )، وقد تم التوصل به إلى معرفة مقادير حركة الكواكب وأبعاد بعضها عن بعض، بالإضافة إلى تعيين مواضعها بالحس والمشاهدة، فتأسست بذلك مجموعة من "الأزياج"[85]، وهي جداول مثبت فيها مواقع الأجرام السماوية ومقادير حركاتها في الأزمنة المختلفة، اعتماداً على نتائج الرصد والمراقبة، وأمكن عن طريق ملاحظة كثير من الظواهر الفلكية التعبير عنها بعدد من العلاقات الحسابية والمثلثية.
وكان معروفاً لدى الأقدمين التفاوت في حركة القمر، بسب اختلاف مداره المركزي، وكذلك التغير في مستوى مداره، وتراجع خط العقدتين، وعوامل اضطراب حركة القمر، فكان من الطبيعي لديهم اختلاف مطالع الشمس والقمر ومغاربهما تبعاً للزمان والمكان.
ويمكن القول – بصفة عامة – أن الأقدمين قد توصلوا إلى وصف حركة القمر بشكل قريب مما هو معروف الآن، وكانت نتائجهم – في الغالب – متوافقة مع الواقع ولا تشذ عنه إلا نادراً، وكان مشهوراً عندهم أن الشهر الحقيقي هو المدة من الاجتماع إلى الاجتماع، فإذا وقع الاجتماع قبل الغروب كانت تلك الليلة من الشهر الآتي وإن لم تمكن الرؤية فيها، ومتى تأخر الاجتماع عن الغروب كانت هي واليوم الذي بعدها من الشهر الماضي (وهذا هو الشهر الحقيقي في اصطلاح الفلكيين). وقد فحص المتأخرون هذه الطرق فوجدوها في غاية الصحة والموافقة[86].
وقد حكم كثير من الفقهاء – الذين لهم قدم في علم الفلك والهيئة والحساب[87] – على الطريقة الحسابية القديمة بقطعية مقدماتها واستنادها إلى المحسوس. قال في العذب الزلال:"والحاصل: أن كل من أدرك طرفاً من فن الهيئة والتعديل، علم بالضرورة أن حسابات الأهلة وغيرها قطعية من غير فرق بين مسلم وأوربي ويهودي وغيرهم، حتى من أنكر ذلك يعد من أجهل الجهال عند سائر الأمم"[88].
الطريقة الحسابية الحديثة:
بدأت الطريقة الحديثة من حيث انتهت سابقتها، فاستفادت من أرصادها ونتائجها وجداولها، ثم طورت أجهزتها بدقة فائقة وسرعة مذهلة، واعتمدت على القوانين العلمية التي تصف حركة القمر، وتربط بين سرعته والمسافة التي يقطعها، ومدى تأثير قوى التجاذب بين الكواكب، وقوى التنافر ( الطرد المركزي ) الناجمة عن حركتها الدورانية المركبة، وصياغة كل ذلك في قوالب رياضية بمساعدة قوانين الميكانيكا السماوية، مما كان له كبير الأثر على علم الفلك، فأثمر نجاحاً باهراً في إطلاق الصواريخ وارتياد معالم الفضاء، حتى وضع الإنسان قدمه على سطح القمر عام 1963م. وقد توصلت هذه الطريقة إلى تحديد الموقع الفعلي للقمر في أية لحظة وبشكل دقيق لا يتجاوز فيه الخطأ مجال الثواني، و"أمكن الحساب المسبق لمكان القمر في مداره لبضع سنين، وبدقة تصل إلى 2كم"[89].
وقد تم – مؤخراً – ترجمة كل ذلك إلى برامج بالغة الدقة، ما أن يتم إدخالها إلى الحاسوب حتى يقوم – فوراً – بإعطاء النتائج الصحيحة، حسب درجة الدقة المطلوبة، وبالتالي: التوصل إلى تحديد زمن بداية الشهر القمري ونهايته، ولحظة ولادة هلاله.
فالطريقة الحديثة تحدد – بشكل علمي موثوق به – مكان القمر في أية لحظة مستقبلية وعلى مدى عدة سنين، كما أنها تحدد البعد المطلق بين مسقط القمر على الكرة السماوية ومثيله الشمسي، وبالتالي: تحديد أول الشهر القمري بالتحقق من كافة الشروط الاعتبارية المتعلقة برؤية هلاله، وتتكفل المراصد الحديثة – فائقة التكبير – من تصحيح الإحداثيات كل بضع سنين، وتحديث القيم المرجعية اللازمة في الحساب بشكل يضمن الموثوقية في النتائج[90].
المطلب الثاني: مدى مشروعية الاعتداد بالحساب
اختلف الفقهاء في حكم العمل بالحساب ومدى مشروعية الاعتداد به – نفياً وإثباتاً، أو نفياً فقط – منذ أواخر القرن الأول الهجري، عندما نسب القول به إلى مطرف بن عبدالله الشخير[91]، وتبعه البعض وعارضه الجمهور، ويمكن تلخيص هذا الخلاف في اتجاهين[92]:
الاتجاه الأول:
المنع من العمل بالحساب وعدم الاعتبار به، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم، حيث اعتبروا دخول الشهر برؤية الهلال، وعند عدمها بإكمال العدة ثلاثين يوماً ،وهذا هو ما أناط الشرع به الحكم، فلا مدخل لغير ذلك في دخول الشهر. وهذه بعض أقوالهم في المسألة.
في المذهب الحنفي:
جاء في رسالة تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان:"قد صرح علماؤنا وغيرهم بوجوب التماس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فإن رأوه صاموا وإلا أكملوا العدة، فاعتبروا الرؤية أو إكمال العدة إتباعاً للأحاديث الآمرة بذلك، دون الحساب والتنجيم. وقد اتفقت عبارات المتون وغيرها من كتب علمائنا الحنفية على قولهم: يثبت رمضان برؤية هلاله وبعدّ شعبان ثلاثين، ومن المعلوم أن مفاهيم الكتب معتبرة، فيفهم منها أنه لا يثبت بغير هذين"[93].
في المذهب المالكي:
قال في الفواكه:"يفهم من تعبير المصنف وغيره ( برؤية ) أنه لا يعول على قول أهل الميقات: إنه موجود ولكن لا يرى، لأن الشارع إنما يعول على الرؤية لا على الوجود"[94].
في المذهب الشافعي:
ورد في المجموع:"قال الجمهور: ومن قال بتقديره تحت السحاب فهو منابذ لصريح باقي الروايات، وقوله مردود. ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله r: "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا" الحديث [95]. قالوا: ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم، لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار. والصواب: ما قاله الجمهور، وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة"[96].
في المذهب الحنبلي:
في المغني:"لو بنى – أي نية صوم رمضان – على قول المنجمين وأهل المعرفة بالحساب، فوافق الصواب، لم يصح صومه، وإن كثرت إصابتهم، لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه. قال النبي r :"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، وفي رواية: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه" – رواه أبو داود –"[97].
الاتجاه الثاني:
اعتبار العمل بالحساب والأخذ بنتائجه، على خلاف بين أنصار هذا الاتجاه في اعتباره مطلقاً، أو في اعتباره بالنسبة للحاسب وحده، أو له ولمن صدقه. وعلى خلاف آخر في العمل بالحساب حال الصحو والغيم، أو حال الغيم وحده، وهل يعمل بالحساب نفياً وإثباتاً، أو نفياً فقط، كالقطع باستحالة الرؤية في زمن معين أو القطع بإمكانها، ونحو ذلك مما له تعلق بالحساب.
وأنصار هذا الاتجاه هم من أتباع المذاهب الفقهية المختلفة: فمن المذهب الحنفي: محمد بن مقاتل الرازي – من أصحاب محمد بن الحسن –[98] والقاضي عبدالجبار، وصاحب جمع العلوم[99]، والمرجاني ( أو الترجماني ) في ناظورة الحق[100] كما رأى العمل بالحساب وركن إليه بعض البغداديين من المالكية[101]، وذكر ابن بزبزة رواية ذلك عن مالك[102]، وحكى مثله ابن رشد عن الداودي[103]، وقد قال القرافي:"حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي" وكذلك ابن البناء وغيره من المالكية[104]. وأكثر من قال باعتبار الحساب في إثبات الأهلة هم من الفقهاء الشافعية، لما نسب من القول به إلى الإمام الشافعي في القديم[105]، منهم: ابن سريج[106]، والقفال الشاشي[107]، وأبو الطيب الطبري[108]، والسبكي[109]، وابن دقيق العيد[110]، والعبادي[111]، وغيرهم. ورأس هؤلاء نص عليه القرطبي بقوله:"وقد ذهب مطرف بن عبدالله الشخير، وهو من كبار التابعين، وابن قتيبة من اللغويين فقالا: يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى إنه لو كان صحوا لرئي، لقوله عليه السلام:"فإن أغمي عليكم فاقدروا له" أي: استدلوا عليه بمنازله ،وقدروا إتمام الشهر لحسابه"[112].
ويميل إلى اعتبار العمل بالحساب والأخذ بنتائجه عدد من العلماء المعاصرين، منهم: الشيخ محمد بخيت المطيعي[113]، والشيخ محمد رشيد رضا[114]، والشيخ طنطاوي جوهري[115] والشيخ المراغي[116]، والشيخ أحمد محمد شاكر[117] وغيرهم.
المطلب الثالث: أثر خصوصية الجاليات الإسلامية فـي اعتماد الحساب
أوردنا فيما سبق قولين للفقهاء، يرى أولهما أن الهلال إذا رئي في بلد لزم جميع البلاد العمل بهذه الرؤية والصيام بموجبها، ووفقاً لهذا الرأي: إذا ثبتت رؤية هلال رمضان في أي بلد إسلامي لزم الجاليات الإسلامية المنتشرة في كل أرجاء المعمورة الصوم، وإذا ثبتت رؤية هلال شوال لزمها الفطر، ولا ترد مسألة اعتماد الحساب في هذه الحالة.
ويرى القول الآخر أن لكل بلد مطلعه، وعلى هذا القول يجب كفائياً – أو يستحب – أن تخصص كل جالية إسلامية بعض من رزقهم الله حدة البصر وتعلموا كيفية الرؤية وشروطها لالتماس رؤية الهلال، وهذا يشكل مناسبة تدخل البهجة والسرور على أبناء الجالية. وقد لمست أثر ذلك عندما كنت مفتي المسلمين في فرنسا – منذ أكثر من ثلاثين عاماً – وكان المعمول به إيفاد عدلين لكل منطقة مرتفعة في باريس: منارة مسجد باريس وبرج إيفل وقمة مومارتر ... الخ لالتماس الهلال وتحريه في مظانه، بعد استطلاع مخرجات الأرصاد فيما يخص الموضوع، وفي نفس الوقت تتابع لجنة الرؤية إذاعات الدول العربية، فإذا ثبتت الرؤية تم إبلاغ هيئة الإذاعة والتلفزيون لإعلان ذلك، وكلف بعض الموظفين بالرد على المكالمات الهاتفية التي ترد إلى مسجد باريس من كل أنحاء فرنسا طوال الليل.
وأشير في هذا الصدد إلى أن خصوصية الجاليات الإسلامية في الغرب تعتبر مسوغاً لاعتماد الحساب في إثبات أوائل الشهور القمرية، بما لا يخل بمعطيات الرؤية الشرعية. ذلك أن الحسابات الدقيقة التي تقوم بها هيئات علمية موثوقة لا يمكن أن تتعارض مع نتائج الرؤية الشرعية المؤيدة بالمراصد الحديثة. وإذا حدث هذا التعارض فإنما يعود إلى اختلال في الحساب، أو كلل في البصر، أو قصور في الأجهزة المستعملة ... والله أعلم.
المطلب الرابع: الفرق بين العمل بالحساب فـي الصلاة والصيام
فرض الله تعالى على المسلمين خمس صلوات موزعة على مدار اليوم، ونصب زوال الشمس سبباً لوجوب الظهر، وغروبها سبباً لوجوب المغرب، وطلوع الفجر سبباً لوجوب الصبح، وأرسل جبريل بعلامات محددة تبين وقت العصر ووقت العشاء. قال تعالى:{ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر }[118]، وقال عز من قائل:{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون}[119]، قال المفسرون: هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات، حين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون: الصبح، وعشيا: العصر، وحين تظهرون: الظهر. والصلاة تسمى: سبحة ؛ فالآية أمر بإيقاع الصلوات في أوقاتها، وجاءت السنة العملية بتأكيد هذه الأوقات وتوضيحها، مما يدل على أن نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريق كان، لزمه حكمه، فلذلك اعتمد المسلمون الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات، امتثالاً لقول الله عز وجل:{وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب}[120].
وفرض الله تعالى على المسلمين صوم شهر رمضان، ونصب رؤية الهلال سبباً لشهود الشهر ووجوب الصوم، وجاءت السنة العملية بتأكيد سبب الصوم، وهو رؤية الهلال خارجاً عن شعاع الشمس، فقال r: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ولم يقل: صوموا وأفطروا لنفس خروج الهلال عن شعاع الشمس، فخروج الهلال عن شعاع الشمس ليس هو سبب الصوم، كما في الصلاة التي جعل سببها "دلوك الشمس"، فإن خفيت الرؤية – "فإن غم عليكم – فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي رواية:"فاقدروا له"، فنصب الشارع الحكيم رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين سبباً لوجوب الصوم، ولم يتعرض لخروج الهلال عن شعاع الشمس[121].
وبهذا التقرير يتبين الفرق بين العمل بالحساب في الصلاة – التي جعل سبب وجوبها نفس الوقت – وبين العمل بالحساب في الصوم – الذي جعل سبب وجوبه الرؤية، وليس نفس الوقت – والله أعلم.
المبحث الرابع: المجامع الفقهية وقضية إثبات الأهلة
منذ أضاء نور الإسلام، وانتشرت هدايته في شتى البقاع، وجمعت بلاده وحدة دينية وسياسية، والمسلمون في كل إقليم يصومون لرؤية الهلال ويفطرون لرؤيته متى ثبتت هذه الرؤية لديهم، ولم نسمع أن أحداً أطلق صيحات استنكار بسبب اختلاف المسلمين في صومهم وفطرهم تبعاً لاختلاف المطالع عندهم.
فلما أصاب المسلمين داء الشقاق والتشرذم، وانضووا تحت كيانات مستقلة مصطنعة، وتمكن الهوى من أفئدتهم وسيطر على تصرفاتهم، فخالفوا أقرب جيرانهم في مواقيت أعيادهم نتيجة الاختلاف معهم في الاتجاه المذهبي أو السياسي، حينئذ عمت فوضى الاجتهاد، وادعى من لا خلاق لهم رؤية الهلال – مع استحالة رؤيته علمياً – وصادفت دعواهم هوى في نفوس بعض المسئولين ليزيدوا من شقة الخلاف، حتى أعلنت بعض البلدان الإسلامية الصوم والفطر بفارق يومين أو ثلاثة عن بلدان تشترك معها في المطالع أو في جزء من الليل، مما يستحيل تصوره عقلاً.
لهذا – ولغيره من الأسباب – دعا بعض الحكماء من أصحاب الغيرة على هذا الدين وأهله إلى محاولة جمع شمل المسلمين، وإخضاع الفتوى لاجتهاد جماعي، يلتقي فيه العالم الفقيه مع العالم في الاجتماع أو الاقتصاد أو الطب أو الفلك أو غير ذلك من العلوم والفنون، يبحثون النازلة بتجرد وموضوعية في ظل التطور المذهل الذي تشهده كافة ميادين العلم والمعرفة، وتنقله وسائل الاتصال – لحظة وقوعه – إلى كل أرجاء المعمورة.
وقد انعكس شيء من ذلك على موضوع هذا البحث فانعقدت عدة مؤتمرات وندوات لبحث قضية إثبات الأهلة، نذكر منها على سبيل المثال:
مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: 1386هـ - 1966م، وكذلك قرار اللجنة الشرعية الفلكية بالأزهر برئاسة الشيخ محمود شلتوت: 1979م.
مؤتمر توحيد أوائل الشهور العربية: ماليزيا 1389هـ.
لجنة التقويم الهجري الموحد، الدورة السادسة: استنبول 1398هـ - 1978م.
المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة: 1400هـ ( بيان توحيد الأهلة من عدمه )، 1401هـ ( القرار ).
مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي:
جدة 1406هـ - 1985م.
عمان 1407هـ - 1986م، وفي هذه الجلسة قدم فريق علماء جامعة الملك عبدالعزيز – قسم علوم الفلك تقريراً علمياً – فقهياً.
ندوة إثبات الأهلة: الكويت 1409هـ.
وفي هذا الإطار يمكن طرح عدة تساؤلات:
أولاً: ما مدى إلزام قرارات المجامع الفقهية بالنسبة للعامة ؟
والجواب: أن قرارات المجامع الفقهية تمثل نوعاً من الاجتهاد الجماعي، بني على بحوث علمية جادة تعتمد المناهج الصحيحة للبحث ومقارنة الأدلة، وعرضت للنقاش في جلسات علنية، ثم اتخذ القرار بناء على الرأي الذي رجحته الأكثرية.
ولا نزعم أن هذا الاجتهاد ملزم للعامة أو لغيرهم، إلا إذا حكم ولي الأمر بالعمل به، فمن المقرر شرعاً: أن حكم الحاكم يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية.
ثانياً: ما الحكم عند اختلاف قرارات المجامع في موضوع معين ؟
والجواب: أن كل واحد من هذه المجامع تعرض للمسألة المطروحة للنقاش ببحوث أعدها علماؤه، وتمت دراستها وترجيح ما رآه الأكثرية مقارباً للدليل ومحققاً للمصلحة.
ولا مانع – شرعاً – من اختلاف هذه القرارات في نفس القضية، فمجال الاجتهاد واسع، وبابه مفتوح لكل من استجمع شروطه، والمجتهد مثاب على اجتهاده في حالتي الصواب والخطأ. وما لم يأمر ولي الأمر بتنفيذ رأي محدد صادر عن أحد هذه المجامع، يظل الاجتهاد الفردي قائماً، ويعمل غير المجتهد بما تطمئن إليه نفسه من هذه القرارات.
ثالثاً: موقف المخالف لما اجتمع عليه الناس أو سوادهم الأعظم.
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تترى في الحث على إتباع سبيل المؤمنين، والاجتهاد الجماعي يكون – غالباً – أقرب إلى الصواب، لأن كل فرد يبرز رأيه ويحاور غيره، إضافة إلى أن الاجتهاد الجماعي يضم – إلى جانب الفقهاء – عدداً من المتخصصين في علوم شتى، بحيث يكمل بعضهم البعض الآخر، وفي الأثر:" ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن".
ومع ذلك: فإذا اجتمع سواد الناس على أمر معين فإنه لا يعني إنكار الاجتهاد الفردي بحال من الأحوال، ويظل حق الأفراد في الاجتهاد ثابتاً، مادام القائم به قد استجمع الشروط المقررة للاجتهاد، وكان لرأيه مسـوغ مقبول.
[84] لمزيد من البحث المفصل في هذا الموضوع ، يراجع: إحسان ميرعلي ، إثبات الأهلة ، مرجع سابق ، ص 113 – 120 وص 319 – 378 وما أشار إليه من مراجع ، وبخاصة: ابن تيمية ، رؤية الهلال والحساب الفلكي. حسين كمال الدين ، دورتا الشمس والقمر وتعيين أوائل الشهور العربية باستعمال الحساب. السبكي ، العلم المنشور في إثبات الشهور. طنطاوي جوهري ، رسالة الهلال فايجرت وتسومرمان ، الموسوعة الفلكية ، ترجمة عبدالقوي عياد ومحمد جمال الدين الفندي. محمد فريد وجدي ، دائرة معارف القرن العشرين. هربرت سبنسر ، الفلك العام ، ترجمة عبدالحميد سماحة وآخرين.
[85] من أشهر تلك الأزياج: الصابي للبتاني، والكبير لابن الشاطر ، والحاكمي لابن يونس ، والشامل لأبي الوفاء ، والشاهي للطوسي ، والموافق لابن عزور ، وتاج الأزياج لابن أبي الشكر. وقد تولى علماء أمريكيون وإيطاليون وفرنسيون تحقيق أفضلها ونشره.
[86] محمد بن عبدالوهاب المراكشي ، العذب الزلال ، ص 468 نقلاً عن ابن البناء في المنهاج ، ومثله في ص 749.
[87] كالقرافي المالكي ، والسبكي الشافعي ، والمطيعي الحنفي.
[88] المراكشي ، العذب الزلال ، ص 469.
[89] أ. فايجرت وهـ. تسومرمان ، الموسوعة الفلكية ، ترجمة: عبدالقوي عياد ومحمد جمال الدين الفندي ، ص 157.
[90] إحسان ميرعلي ، إثبات الأهلة ، ص 327.
[91] زاهد من كبار التابعين ، روى عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة ، توفي سنة 87هـ (ابن سعد ، الطبقات: 7/141 – 146 (
[92] بسط النووي هذا الخلاف في المجموع: 6/290 قائلاً:"فحصل في المسألة خمسة أوجه: أصحها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك ، ولكن يجوز لهما دون غيرهما ، ولا يجزئهما عن فرضهما. والثاني: يجوز لهما ويجزئهما. والثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم. والرابع: يجوز لهما ، ويجوز لغيرهما تقليدهما. والخامس: يجوز لهما ، ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم.
[93] ابن عابدين ، مجموع رسائل: 1/222 – 223.
[94] النفراوي ، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: 1/352.
[95] سبق ذكر الحديث وتخريجه في الحاشية رقم (39).
[96] النووي ، المجموع: 6/276.
[97] ابن قدامة ، المغني بتحقيق التركي: 4/338.
[98] السبكي ، العلم المنشور ، ص 10.
[99] حاشية ابن عابدين: 2/92 نقلاً عن القنية. ورسائله: 1/223.
[100] نهاد صالح طوسون ، ثبوت الأهلة ، ص 106 ، 108.
[101] ابن دقيق العيد، الإحكام شرح عمدة الأحكام: 2/8.
[102] نفس الموضع السابق.
[103] العذب الزلال ، ص 471.
[104] ابن رشد ، بداية المجتهد: 1/284 ، فقد نقل عن ابن سريج قول الشافعي:"من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ، ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي – قد غم – فإن له أن يعقد الصوم ويجزئه".
[105] النووي ، المجموع: 6/279. السبكي ، العلم المنشور: ص12.
[106] النووي ، المجموع: 6/280.
[107] الموضع المتقدم نفسه.
[108] الموضع المتقدم نفسه.
[109] السبكي ، العلم المنشور في إثبات الشهور: ص 12 ، 23 – 24.
[110] ابن دقيق العيد ، الإحكام شرح عمدة الأحكام: 2/8. وابن دقيق العيد هو محمد بن علي القشيري المنفلوطي ، اشتغل بمذهب مالك وأتقنه ، ثم اشتغل بمذهب الشافعي ، وأفتى في المذهبين ، توفي سنة 702هـ.
[111] قليوبي وعميرة ، حاشيتان على شرح المحلي على المنهاج: 2/63 ، وجاء فيهما:"قال العلامة العبادي إنه إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤيته ، لم يقبل قول العدل برؤيته ، وترد شهادتهم بها ، وهو ظاهر جلي ، ولا يجوز الصوم حينئذ، ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة".
[112] القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن: 2/293
[113] محمد بخيت المطيعي ، إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة ، ص 81/82.
[114] محمد رشيد رضا ، تفسير المنار: 2/151 "والحساب المعروف في عصرنا هذا يفيد العلم القطعي .. ويمكن للأئمة المسلمين وأمرائهم الذين يثبت عندهم أن يصدروا حكماً بالعمل به فيصير حجة على الجمهور".
[115] طنطاوي جوهري ، رسالة الهلال ، ص47.
[116] أحمد محمد شاكر ، أوائل الشهور العربية ، مكتبة ابن تيمية ، ص15.
[117] المرجع السابق ، الموضع ذاته.
[118] سورة الإسراء: من الآية 78.
[119] سورة الروم: الآيتان 17 ، 18.
[120] سورة الإسراء: من الآية 12.
[121] القرافي ، الفروق: 2/179.