الترجيح:
ولعل الراجح – والله تعالى أعلم – هو القول بإجزاء الإطعام لما يلي:
1- أن الآية الكريمة الموجبة لفدية إفطار المسن نصت على طعام مسكين، وتقديم الوجبات المطبوخة للمساكين يسمى إطعاماً حقيقة فهو الأصل[125].
2- ما صح من أثر أنس – رضي الله عنه - أنه أطعم المساكين لحماً وخبزاً عن إفطاره بسبب الكبر.
3- لورود المناقشة المؤثرة على أدلة القول المخالف.
المطلب الخامس : ما يترتب على تأخير الفدية حتى دخول رمضان آخر :
ما الحكم إذا أخر المسن الفدية الواجبة عليه حتى دخل رمضان آخر؟ هل تجب عليه بهذا التأخير فدية أخرى كما تجب الفدية بتأخير قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر عند بعض أهل العلم أم ليس الأمركذلك؟
لم أجد لغير علماء الشافعية في هذه المسألة قولاً -فيما اطلعت عليه-، والشافعية عندهم وجهان في هذه المسألة:
الأول: أنه لا شيء عليه في ذلك، وهو المذهب[126].
الثاني: أنه تجب عليه فدية أخرى للتأخير، ووصف النووي هذا الوجه بأنه شاذ وضعيف[127].
وأما علماء الحنفية والحنابلة فلم أجد لهم قولاً في هذه المسألة –حسب ما اطلعت عليه-، ولكن مذهبهم يقتضي أن يكون لهم قولان فيها:
القول الأول: أنه يأثم بالتأخير إذا أخرها من دون عذر ولا فدية عليه، وهذا مقتضى مفهوم مذهب الحنفية في هذه المسألة؛ لأنهم صرحوا بأن للمسن الخيار بين أن يخرجها في بداية الشهر جملة واحدة، أو في نهايته[128]، وهذا يعني أنهم يرون أنه لا خيار له في إخراجها بعد رمضان، فضلاً عن تأخيرها إلى دخول رمضان آخر، فإذا أخر يأثم لتأخير الواجب عن وقت أدائها.
وهو مقتضى ظاهر مذهب الحنابلة؛ لأن ظاهر مذهبهم أن فدية إفطار المسن تجب على الفور[129]، فإذا أخرها عن وقتها بدون عذر فإنه يأثم بذلك.
القول الثاني: أنه لا شيء على المسن في تأخير الفدية حتى دخول رمضان آخر، وهذا قياس مذهب الحنفية، في كيفية وجوب قضاء رمضان، لأنهم يرون أن قضاء رمضان يجب على التراخي مطلقاً[130]، والفدية بدل عن صوم واجب فتقاس الفدية على القضاء بجامع أن الفدية والقضاء بدلان عن صوم واجب، وهو أيضاً قياس مذهبهم في كيفية وجوب صدقة الفطر؛ لأنها تجب عندهم على التراخي، بجامع أنهما حق مالي وجبا عبادة[131].
وبناء على هذا يتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: يأثم بتأخيرها عن وقتها، وهو شهر رمضان الذي أفطره، ولا فدية عليه وهذا مفهوم مذهب الحنفية في وقت وجوبها، ومقتضى ظاهر مذهب الحنابلة فيه.
القول الثاني: أنه لا شيء عليه إذا أخرها حتى دخل رمضان آخر، وهذا مذهب الشافعية، وقياس قول الحنفية في كيفية وجوب قضاء رمضان، وفي باب صدقة الفطر.
القول الثالث: تجب عليه فدية أخرى إذا أخرها حتى دخول رمضان آخر، وهذا وجه عند الشافعية، ووصف بأنه شاذ ضعيف.
الأدلـة:
استدل أصحاب القول الأول بأن الفدية واجبة فتجب على الفور[132]، وبأنها كفارة من الكفارات فتجب على الفور كسائر الكفارات[133]. فإذا أخرها عن وقتها أثم لمخالفته أمر الشارع ولا فديةً أخرى عليه لعدم الدليل الموجب لذلك.
وأما أصحاب القول الثاني القائلون بأنه لا شيء عليه بأن فدية التأخير مختصة بتأخير القضاء، ولا قضاء على المسن، فلا تجب فدية أخرى بتأخير الفدية[134].
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن عدم إيجاب الفدية لا يعني عدم ترتب الإثم؛ لأن أداء الفدية في وقتها أمر واجب.
ولم أجد دليلاً للوجه القائل عند الشافعية بوجوب فدية أخرى على التأخير حتى دخول رمضان آخر –حسب ما اطلعت عليه-، ولعلهم قاسوا تأخير الفدية في هذه الحالة على تأخير القضاء حتى دخول رمضان آخر، لأنه تجب عندهم الفدية بتأخير قضاء رمضان حتى دخول رمضان آخر[135].
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن الفدية في مثل هذه الحالة تعتبر واجبةً بالنص ولا سبيل في إيجابها بالقياس؛ لأن فيها معنى العبادة.
ثم إن الفدية تفارق القضاء، فالفدية مالية والقضاء عبادة بدنية.
الترجيح:
ولعل الراجح – والله تعالى أعلم – هو القول الأول القائل بعدم جواز تأخير الفدية عن وقتها، وهو رمضان الذي أفطر فيه المسن، لكون الفدية حقاً واجباً فلا يصح تأخيرها عن وقتها، وبناء عليه فمن أخرها عن وقتها أثم كتأخير سائر الواجبات عن وقتها، وأما إيجاب فدية أخرى من أجل التأخير فلا دليل عليه.
ولا يصلح قياس تأخير الفدية على تأخير القضاء على قول من يوجب فدية لتأخير القضاء؛ لأن الفدية واجبة بنص شرعي، ولم يوجب النصُ كفارةً عند التأخير، فلا يقاس على غيرها.
المطلب السادس : الصيام عن المســن :
سبق البيان أن الواجب على المسن العاجز عن الصيام دفع الفدية عن فطره، ولكن هل يجزئ أن يصوم أحد عن المسن الحي بدلاً عن الفدية، سواء كان قادراً على دفع الفدية أو عاجزاً؟ وهل يقوم الصوم عنه مقام الفدية فيسقط به الواجب؟
اتفق أهل العلم على عدم إجزاء الصيام عن المسن الحي إذا كان قادراً على دفع الفدية[136]، على خلاف بينهم في وجوب الفدية كما سبق بيانه[137].
وقد نقل الإجماع على عدم إجزاء الصوم عن الحي عموماً ابن عبد البر والقاضي عياض رحمهما الله تعالى[138].
قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: «... وكذلك الصيام عن الحي، لا يجزئ صوم أحد في حياته عن أحد، وهذا كله إجماع لا خلاف فيه»[139].
وقال النووي -رحمه الله تعالى-: «قال القاضي وأصحابنا: وأجمعوا على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة، وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت»[140].
واختلف أهل العلم في الصيام عن المسن الحي العاجز عن الصيام والفدية على قولين:
القول الأول: عدم إجزاء الصيام عن المسن العاجز عن الصيام بنفسه وعن الفدية، وعلى هذا اتفقت المذاهب الأربعة[141].
القول الثاني: يتوجه إجزاء الصوم عنه إذا كان عاجزاً عن الصيام والإطعام، ونقل المرداوي هذا القول عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى[142].
قال المرداوي: «قال الشيخ تقي الدين: لو تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه لكبر ونحوه، أو عن ميت وهما معسران توجه جوازه»[143].
الأدلـة:
استدل أصحاب القول الأول القائلون بعدم الأجزاء بأدلة من الكتاب, والأثر، والإجماع، والمعقول:
أ- من الكتاب:
قوله سبحانه وتعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [144].
وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى نفى أن يكون للإنسان سعي غيره، وصيام غير المسن عن المسن ليس من سعيه، فلا يجزئ عنه.
ب- من الأثر:
1- قول ابن عباس رضي الله عنهما: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة»[145].
2- ما رواه الإمام مالك في الموطأ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: «لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد»[146].
وجه الاستدلال من الأثرين أن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- نهيا أن يصلي أحد عن أحد أو يصوم أحد عن أحد، وهذا عام في المسن وغيره، فلا يجزئ الصوم عن المسن، بل واجبه الفدية[147].
ج – من الإجماع:
لقد نقل الإجماع على عدم إجزاء الصيام عن الحي، ابن عبد البر والنووي كما سبق ذكره[148]، فيشمل ذلك المسن سواء كان عاجزاً عن الإطعام أم غير عاجز.
د- من المعقول:
1- أن الصوم عبادة بدنية محضة وجبت بأصل الشرع فلا تصح النيابة فيها عن الحي كالصلاة[149].
واستدل أصحاب القول الثاني وهو قول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لقولـه بأنه يتوجه الإجزاء عنه بأن الصوم عن المسن في هذه الحالة أقرب إلى المماثلة بالصوم الواجب على المسن الذي سقط عنه بالعجز، فيتوجه إجزاؤه[150].
ويمكن أن يناقشهذا الاستدلال بعدم التسليم بأنه أقرب إلى المماثلة، إذ لو كان كذلك لوجب ابتداء بعجز المسن عن الصوم، ولم يتطلب الأمر تحقق عجزه عن الفدية فلما لم يكن كذلك، دل على أن الإطعام أقرب. ثم إن الصوم وإن كان أقرب إلى المماثلة من الإطعام من حيث الاسم، إلا أنه لا صلة له بعمل من وجب عليه وهو المسن، فالإطعام من عمله هو، أما الصيام من عمل غيره، فلا يظهر صحة القول أنه أقرب إلى المماثلة.
يمكن أن يستدل لهذا القول بالقياس على إجزاء الصيام عن الميت بجامع العجز في كلا الحالين، فالميت كان عليه صوم وعجز عن أدائه بالموت فجاز الصوم نيابة عنه لإسقاط الواجب عنه، فكذلك المسن عاجز عن الصوم وعن بدله وهو الإطعام فجاز الصوم عنه لإسقاط الواجب.
يمكن أن يناقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: عدم التسليم بالأصل المقيس عليه وهو إجزاء الصيام عن الميت، كما هو رأي كثير من المخالفين[151].
الثاني: أنه على فرض التسليم بالأصل المقيس عليه فإنه قياس في مقابل النص والإجماع كما سبق بيانه فلا يصلح.
الترجيح:
ولعل الراجح – والله تعالى أعلم – هو القول بعدم إجزاء الصوم عن المسن الحي ولو عجز عن الصوم والإطعام، لما يلي:
1- لقوة أدلة هذا القول وسلامتها من المناقشة، فقد استدل أصحابه بأدلة من الكتاب، والأثر الصحيح، والإجماع، والمعقول.
2- لضعف دليل القول المخالف، وورود المناقشة المؤثرة عليه.
3- لورود النص في الصيام عن الميت وأما الحي فلم يرد عن الشارع ما يدل على الصيام عنه والصيام بالنيابة عبادة والعبادات توقيفية.
المطلب السابع : إعسار المسن عن دفع الفدية
ما الحكم إذا عجز المسن الذي يجوز له الفطر عن دفع الفدية، هل تسقط عنه أو تبقى في ذمته فإذا أيسر وجب عليه دفعها؟
اختلف أهل العلم القائلون بوجوب الفدية على المسن في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها لا تسقط عنه بالعجز، بل تجب في ذمته فإذا أيسر وجب عليه إخراجها، وإلى هذا ذهب الشافعية في قول[152]، والحنابلة على المذهب[153].
القول الثاني: أنها تسقط عنه بالعجز حال الوجوب، ولا تجب عليه حتى لو أيسر فيما بعد، وهذا ظاهر مذهب الحنفية[154]، وبه قال الشافعية على المذهب[155]، وهو قول عند الحنابلة[156].
الأدلـة:
استدل أصحاب القول الأول بدليلين من المعقول:
1- أن الفدية الواجبة على المسن بدل عن الصوم الواجب، فكما لا يسقط الصوم بالعجز عنه فيجب القضاء، فكذا لا يسقط بدله ويبقى في ذمته فإذا أيسر وجب عليه إخراجها[157].
2- أن الفدية الواجبة في حق المسن كالقضاء الواجب في حق المريض والمسافر، فكما لا يسقط القضاء بالعجز عنه بعد القدرة عليه، فكذا الفدية، بجامع أن كليهما بدل عن صوم واجب[158].
3- أن الفدية على المسن في هذه الحالة حق واجب فلا تسقط بالعجز عنه. كما لا تسقط سائر الحقوق الواجبة كفدية الحج والديون[159].
استدل أصحاب القول الثاني القائلون بسقوطها بأدلة من الكتاب والمعقول:
أ- من الكتاب:
قول الله سبحانه وتعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... } [160].
وجه الاستدلال: أن المسن عاجز في هذه الحالة فلا تجب عليه الفدية، لأنه غير مكلف بما لا يستطيع، فإذا سقطت عنه وقت الوجوب فتسقط عنه بعد ذلك.
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأنه مسلم به مادام عاجزاً، ولكن لا يسلم به بعد القدرة عليه، لأنه لم يبق عاجزاً؛ فالفدية حق واجب في هذه الحالة.
ب– من المعقول:
1- أن الفدية في هذه الحالة ليست بدلاً عن الجناية لتبقى في ذمة المسن، بل هي بدل عن صوم عجز عن أدائه فتسقط بالعجز عنها[161].
2- أن المسن عاجز عن دفع الفدية حال التكليف فتسقط عنه[162].
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن الفدية لا تسقط عنه إذا قدر عليها؛ وذلك لأن وقت التكليف بالنسبة للمسن في هذه الحالة ليست محصورة في وقت دون وقت كسائر التكاليف الشرعية والحقوق الواجبة.
الترجيح:
والراجح -والله تعالى أعلم- – هو القول الأول، وهو أن تبقى الفدية في ذمة المسن حتى يقدر عليها، وإن مات قبل أن يقدر عليها فلا إثم عليه للعذر، لقولـه تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... } [163].
ولقوة أدلة هذا القول وورود المناقشة المؤثرة على أدلة القول الثاني.
[1] ينظر: المبسوط 3/100، وبدائع الصنائع 2/146، وفتح القدير 2/356، والاختيار لتعليل المختار 1/135.
[2] ينظر: الحاوي الكبير 3/332، والمجموع 6/259، ومغني المحتاج 1/592، وروضة الطالبين 2/382.
[3] ينظر: المغني 4/395، والمحرر 1/228، وكشاف القناع 2/309.
[4] ينظر: المجموع 6/259، والمغني 4/594.
[5] ينظر: الكافي لابن عبد البر 1/340، والتفريع 1/310، وبداية المجتهد 1/351.
[6] ينظر: روضة الطالبين 2/382.
[7] ينظر: المحلى 6/362.
[8] ينظر: الاستذكار 10/213، والمجموع 6/259، والمغني 4/594.
[9] ينظر: الكافي لابن عبد البر 1/340، والتفريع 1/310، وبداية المجتهد 1/351.