عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 23-01-2020, 03:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (315)
تفسير السعدى
سورة طه
من الأية(71) الى الأية(80)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة طه

" قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى " (71)
فصارت بينة ورحمة للمؤمنين, وحجة على المعاندين فـ " قَالَ " فرعون للسحرة: " آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ " أي: كيف أقدمتم على الإيمان من دون مراجعة مني ولا إذن؟ استغرب ذلك منهم, لأدبهم معه, وذلهم, وانقيادهم له في كل أمر من أمورهم, وجعل هذا من ذاك.
ثم استلج فرعون في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان, واستخف بقوله قومه, وأظهر لهم أن هذه الغلبة من موسى للسحرة, ليس لأن الذي معه الحق, بل لأنه تمالأ هو والسحرة, ومكروا, ودبروا أن يخرجوا فرعون وقومه من بلادهم.
فقبل قومه هذا المكر منه, وظنوه صدقا " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ " مع أن هذه المقالة التي قالها, لا تدخل عقل من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة بالواقع.
فإن موسى, أتى من مدين وحيدا.
وحين أتى لم يجتمع بأحد من السحرة ولا غيرهم, بل بادر إلى دعوة فرعون وقومه, وأراهم الآيات.
فأراد فرعون أن يعارض ما جاء به موسى, فسعى ما أمكنه, وأرسل في مدائنه من يجمع له كل ساحر عليم.
فجاءوا إليه, ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة, وهم حرصوا غاية الحرص, وكادوا أشد الكيد, على غلبتهم لموسى, وكان منهم ما كان فهل يمكن, أن يتصور مع هذا, أن يكونوا دبروا, هم وموسى, واتفقوا على ما صدر؟ هذا من أمحل المحال.
ثم توعد فرعون السحرة فقال: " لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ " كما يفعل بالمحارب الساعي بالفساد, يقطع يده اليمنى, ورجله اليسرى.
" وَلَأُصَلِّبَنّ َكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ " أي: لأجل أن تشهروا وتختزوا.
" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى " يعني بزعمه هو وأمته, وأنه أشد عذابا من الله, وأبقى قلبا للحقائق, وترهيبا لمن لا عقل له.

" قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا " (72)
ولهذا لما عرف السحرة الحق, ورزقهم الله من العقل, ما يدركون به الحقائق, أجابوا بقولهم: " لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ " الدالات على أن الله هو الرب المعبود وحده, المعظم المبجل وحده, وأن ما سواه باطل, ونؤثرك على الذي فطرنا وخلقنا.
هذا لا يكون " فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ " مما أوعدتنا له, من القطع, والصلب, والعذاب.
" إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا " أي: إنما توعدنا به, غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا, ينقضي ويزول ولا يضرنا.
بخلاف عذاب الله, لمن استمر على كفره, فإنه دائم عظيم.
وهذا كأنه جواب منهم لقوله: " وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى " .
وفي هذا الكلام, من السحرة, دليل على أنه ينبغي للعاقل, أن يوازن بين لذات الدنيا, ولذات الآخرة, وبين عذاب الدنيا, وعذاب الآخرة.

" إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى "(73)
" إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا " أي: كفرنا ومعاصينا, فإن الإيمان مكفر السيئات, والتوبة تجب ما قبلها.
وقولهم, " وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ " الذي عارضنا به الحق, هذا دليل على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدم, وإذا أكرههم فرعون إكراها.
والظاهر - والله أعلم - أن موسى لما وعظهم كما تقدم في قوله " وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " أثر معهم, ووقع منهم موقعا كبيرا, ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة.
ثم إن فرعون ألزمهم ذلك, وأكرههم على المكر الذي أجروه, ولهذا تكلموا بكلامه السابق, قبل إتيانهم, حيث قالوا: " إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا " فجروا على ما سنه لهم, وأكرههم عليه.
ولعل هذه النكتة, التي قامت بقلوبهم, من كراهتهم لمعارضة الحق بالباطل وفعلهم, ما فعلوا على وجه الإغماض, هي التي أثرت معهم, ورحمهم الله بسببها, ووفقهم للإيمان والتوبة.
والله خير مما أوعدتنا من الأجر والمنزلة والجاه, وأبقى ثوابا وإحسانا لا ما يقول فرعون " وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى " يريد أنه أشد عذابا وأبقى وجميع ما أتى من قصص موسى مع فرعون, يذكر الله فيه إذا أتى على قصة السحرة, أن فرعون توعدهم بالقطع والصلب, ولم يذكر أنه فعل ذلك, ولم يأت في ذلك حديث صحيح.
والجزم بوقوعه, أو عدمه, يتوقف على الدليل, والله أعلم بذلك وغيره.

" إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا " (74)
يخبر تعالى أن من أتاه, وقدم عليه مجرما - أي: وصفه الجرم من كل وجه, وذلك يستلزم الكفر - استمر على ذلك حتى مات, فإن له نار جهنم, الشديد نكالها, العظيمة أغلالها, البعيد قعرها, الأليم حرها وقرها, التي فيها من العقاب, ما يذيب الأكباد والقلوب.
ومن شدة ذلك, أن المعذب فيها, لا يموت ولا يحيا, لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة يتلذذ بها, وإنما حياته, محشوة بعذاب القلب, والروح, والبدن, الذي لا يقدر قدره, ولا يفتر عنه ساعة, يستغيث فلا يغاث, ويدعو فلا يستجاب له.
نعم إذا استغاث, أغيث بماء كالمهل, يشوي الوجوه, وإذا دعا, أجيب بـ " اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ " .
ومن يأت ربه مؤمنا به مصدقا لرسله, متبعا لكتبه " قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ " الواجبة والمستحبة, " فَأُولَئِكَ لَهُمُالدَّرَجَ اتُ الْعُلَا " أي: المنازل العاليات, في الغرف المزخرفات, واللذات المتواصلات, والأنهار السارحات, والخلود الدائم, والسرور العظيم, فيما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر كل قلب بشر.
" وَذَلِكَ " الثواب, " جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى " أي: تطهر من الشرك, والكفر, والفسوق, والعصيان.
إما أن لا يفعلها بالكلية, أو يتوب مما فعله منها.
وزكى أيضا نفسه, ونماها بالإيمان والعمل الصالح.
فإن للتزكية معنيين, التنقية, وإزالة الخبث, والزيادة بحصول الخير.
وسميت الزكاة زكاة, لهذين الأمرين.

" ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى " (77)
لما ظهر موسى بالبراهين, على فرعون وقومه, مكث في مصر, يدعوهم إلى الإسلام, ويسعى في تخليص بني إسرائيل, من فرعون, وعذابه.
وفرعون في عتو ونفور, وأمره شديد على بني إسرائيل, ويريه الله من الآيات والعبر, ما قصه الله علينا في القرآن.
وبنو إسرائيل, لا يقدرون أن يظهروا إيمانهم ويعلنوه, قد اتحذوا بيوتهم مساجد, وصبروا على فرعون وأذاه.
فأراد الله تعالى أن ينجيهم من عدوهم, ويمكن لهم في الأرض, ليعبدوه جهرا, ويقيموا أمره.
فأوحى إلى نبيه موسى, أن يواعد بني إسرائيل سرا, ويسيروا أول الليل, ليتمادوا في الأرض, وأخبره أن فرعون وقومه, سيتبعونه.
فخرجوا أول الليل, جميع بني إسرائيل, ونساؤهم, وذريتهم.
فلما أصبح أهل مصر إذا هم, ليس فيها منهم, داع ولا مجيب.
فخنق عليهم, عدوهم فرعون, وأرسل في المدائن, من يجمع له الناس ويحضهم على الخروج في أثر بني إسرائيل, فأتبعوهم مشرقين.
" فلما تراءى الجمعان, قال أصحاب موسى, إنا لمدركون " وقلقوا وخافوا.
البحر أمامهم, وفرعون من ورائهم, قد امتلأ عليهم غيظا وحنقا.
وموسى مطمئن القلب, ساكن البال, قد وثق بوعد ربه فقال: " كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ " .
فأوحى الله إليه أن يضرب البحر بعصاه, فضربه, فانفرق اثنى عشر طريقا, وصار الماء كالجبال العالية, عن يمين الطرق ويسارها.
وأيبس الله طرقهم, التي انفرق عنها الماء, وأمرهم الله أن لا يخافوا من إدراك فرعون, ولا يخشوا من الغرق في البحر فسلكوا في تلك الطرق.

" فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم " (78)
فجاء فرعون وجنوده, فسلكوا وراءهم, حتى إذا تكامل قوم موسى خارجين وقوم فرعون داخلين, أمر الله البحر, فالتطم عليهم, وغشيهم من اليم ما غشيهم, وغرقوا كلهم, ولم ينج منهم أحد, وبنو إسرائيل ينظرون إلى عدوهم, قد أقر الله أعينهم بهلاكه.
" وأضل فرعون قومه وما هدى " (79)
وهذه عاقبة الكفر والضلال, وعدم الاهتداء بهدي الله, ولهذا قال تعالى: " وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ " بما زين لهم من الكفر, وتهجين ما أتى به, موسى, واستخفافه إياهم, وما هداهم في وقت من الأوقات.
فأوردهم موارد الغي والضلال, ثم أوردهم مورد العذاب والنكال.

" يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى " (80)
يذكر تعالى بني إسرائيل منته العظيمة عليهم لإهلاك عدوهم, ومواعدته لموسى عليه السلام بجانب الطور الأيمن, لينزل عليه الكتاب, الذي فيه الأحكام الجليلة, والأخبار الجميلة, فتتم عليهم النعمة الدينية, بعد النعمة الدنيوية.
ويذكر منته أيضا عليهم, في التيه, بإنزال المن والسلوى, والرزق الرغد الهني, الذي يحصل لهم بلا مشقة, وأنه قال لهم:



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.58 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.84%)]