عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-01-2020, 03:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نحو رؤية أصولية للواقع الدعوي المعاصر


نحو رؤية أصولية للواقع الدعوي المعاصر (1)



د. فارس العزاوي



مراتب المجتهدين:
تعرض العلماء لبيان أقسام المجتهدين والمفتين ممن يكون له حق الاجتهاد والفتيا لتمييزهم عن غيرهم ممن يغلب عليهم التقليد، وكان الدافع لهذا فيما يظهر ذلكم النزاع الذي حدث بعد المائة الرابعة للهجرة حول دعوى إغلاق باب الاجتهاد، وفي هذا يقول السيوطي في معرض حديثه عن المجتهد المطلق: " وهذا شيء فقد من دهر، بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه "[21].

وهي من المسائل التي كان لها آثارها السلبية على جميع الأصعدة، حيث فتح الباب لكل من أراد الطعن في الشريعة والفقه من قبل أعداء الإسلام الذين حاولوا إلصاق الأوصاف الدالة على عجز الشريعة والفقه في مجاراة مصالح العباد وحاجاتهم المتجددة، ويتهمونها بعدم صلاحيتها لتنظيم شؤون الحياة؛ لأن القول بالإغلاق أدى إلى تقاصر الفقه الإسلامي عما جد للناس من قضايا وحاجات في غيبة الاجتهاد.

وعلى الرغم من أن الداعين إلى إغلاق باب الاجتهاد كانت لهم أسبابهم الموضوعية: كتدوين المذاهب الإسلامية، والتعصب المذهبي، وسعي الحكام المستبدين لغلق باب الاجتهاد، وانتشار الفوضى في التشريع والاجتهاد وغيرها، إلا أن ذلك لم يكن بحجم الأثر الذي أحدثته الدعوة إلى الإغلاق؛ لكونه لم يحقق الغرض، فلا هو منع الدخلاء، ولا هو حافظ على الاجتهاد وسلامته[22]، وكان حرياً بالعلماء أن يحيطوا الاجتهاد بجملة من الشروط والقيود التي تحرم على غير أهله الخوض الفقه أو الدخول في حدوده.

وقد جعل العلماء المجتهدين على خمس مراتب[23]:
الأولى: المجتهد المطلق: وهو الذي استقل بقواعده لنفسه، يبنى عليها الفقه خارجاً عن قواعد المذهب المقررة، وهو الذي تنطبق عليه شروط الاجتهاد المتقدمة، بحيث يستقل باجتهاده في الأصول، والفروع، والاستنباط من الأدلة، ويضع الأسس العامة لاجتهاده، ويمهد القواعد، ويوجه الأدلة، لا ينتسب إلى أحد، ولا يقلد أحداً، وهذه المرتبة تنطبق على أئمة المذاهب الأربعة المدونة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأمثالهم من أئمة المذاهب المندرسة: كالأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان الثوري.

الثانية: المجتهد المنتسب: وهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المطلق المستقل، لكنه لم يبتكر لنفسه قواعد، بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد فهو منتسب، ومن هؤلاء: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن الهذيل من الحنفية، وعبد الرحمن بن قاسم المصري، وأشهب بت عبد العزيز العامري من المالكية، وأبو بكر بن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن خزيمة من الشافعية، وعمر بن الحسين الخرقي، وأبو بكر أحمد بن محمد هارون المعروف بالخلال من الحنابلة.

الثالثة: المجتهد المقيد أو مجتهد المذهب أو مجتهد التخريج أو أصحاب الوجوه: وهو أن يكون مقيداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، حيث يتمكن من فيه المستنبط من معرفة الأحكام في الوقائع التي لم يرد فيها نص عن إمام المذهب بطريق التخريج على النصوص أو القواعد المنقولة عن إمام المذهب.ويحدث التخريج أيضاً فيما إذا أفتى المجتهد في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، فيجوز نقل الحكم وتخريجه من كل واحدة منهما إلى الأخرى، ومن هؤلاء: الطحاوي من الحنفية، وابن أبي زيد من المالكية، والأنماطي، والاصطخري، وابن أبي هريرة، والقفال، والشاشي، وأبو العباس ابن سريج، وغيرهم من الشافعية.

الرابعة: مجتهد الترجيح: قال عنه النووي: " ألا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه فقيه النفس[24]، حافظ مذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، يصور، ويحرر، ويقرر، ويمهد، ويزيف، ويرجح.لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب، أو الارتياض في الاستنباط، أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم، وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه، وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم "[25]، ومن هؤلاء: الماوردي، وأبو الطيب الطبري، وإمام الحرمين، والشيرازي، والروياني.

الخامسة: مجتهد الفتيا: وهو الذي يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه، من نصوص إمامه، وتفريع المجتهدين في مذهبه، وما لا يجده منقولاً إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز عند ذلك إلحاقه به والفتوى به، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى به[26]، وهذه المرتبة مثَّل لها العلماء بالرافعي والنووي.

الاجتهاد الجزئي بين الحظر والإباحة:
يقصد بالاجتهاد الجزئي أن المجتهد يجتهد في استنباط بعض الأحكام دون بعض، بمعنى أنه يستطيع الاجتهاد في مسألة معينة دون مسألة أخرى في نفس الباب، فهل يجوز ذلك أم لا؟[27].

اختلف العلماء والأصوليون في جوازه، قال الفتوحي: " الاجتهاد يتجزأ عند أصحابنا والأكثر، إذ لو لم يتجزأ لزم أن يكون المجتهد عالماً بجميع الجزئيات، وهو محال، إذ جميعها لا يحيط به بشر، ولا يلزم من العلم بجميع المآخذ العلم بجميع الأحكام؛ لأن بعض الأحكام قد يجهل بتعارض الأدلة فيه، أو بالعجز عن المبالغة في النظر إما لمانع من تشويش فكر أو غيره، وقيل: لا يتجزأ "[28].

والذي يظهر من أقوال أهل العلم جوازه، قال ابن القيم: " الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهداً في نوع من العلم مقلداً في غيره، أو في باب من أبوابه.

كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك.فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره.

وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟

فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به، والثاني: المنع، والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.

فحجة الجواز: أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.

وحجة المنع: تعلق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض، فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه، ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدة وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق به وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه..

فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟

قيل: نعم، يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله، وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمةٍ خيراً، ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض، وبالله التوفيق "[29].

بين مراتب الاجتهاد والدعوة:
بالنظر إلى الدعاة العاملين في حقل الدعوة إلى الله، فإنه يتقرر لنا أن الداعية من حيث نوعه لا يخرج من إحدى الصور الآتية:
الأولى: صورة المجتهد في إحدى مراتب الاجتهاد المتقدمة، وبناء على ذلك وجب أن تتحقق فيه الشروط والقيود والأوصاف التي وضعها العلماء لكل مرتبة من مراتب الاجتهاد.

الثانية: صورة طالب العلم الذي يتمتع بمكنة البحث والنظر في المسائل والاطلاع على الأدلة وترجيح الصحيح من الضعيف مع إدراكه لوجوه الاستنباط بشكل عام.وهذا يحق له الاجتهاد في المسألة الدعوية إذا استفرغ فيها الوسع.وهذا النوع يدخل في إطار الاجتهاد الجزئي، وقد أقره جمهور العلماء كما سبق بيانه.

الثالثة: أن يكون الداعية من غير طلبة العلم المتمكنين، ولكنه يمتلك معرفة عامة بالأحكام الشرعية، واطلاع على نصوص الشرع وأدلته مع ثقافة متنوعة حول معاني الإسلام المختلفة، فهؤلاء لهم أن يجتهدوا في تحقيق المناط العام أو الخاص.

مجال الاجتهاد بناء على الصور الثلاثة:
أما بالنسبة للمجتهد المطلق فقد حدد ابن القيم مجاله فقال: " ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً.

فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دُبُرٍ إلى معرفة براءته وصدقه وكما توصل سليمان - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما)) إلى معرفة عين الأم.

وكما توصل أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته: "لتخرجن الكتاب أو لنجردنك" إلى استخراج الكتاب منها، وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دلهم على كنز حيي لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: ((المال كثير، والعهد أقرب من ذلك))، وكما توصل النعمان بن بشير بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها ورسوله "[30].

وأما الصورة الثانية: المتعلقة بطلبة العلم المتمكنين ذوي الاجتهاد الجزئي فيقول فيهم الدكتور يوسف القرضاوي حيث يوضح بعض المجالات والوسائل المعاصرة التي تحقق هذا النوع من الاجتهاد، فيقول: "والمجال الثالث للاجتهاد هو: مجال البحث والدراسة، وهو يشمل ما يؤلف من كتب علمية أصيلة لذوي الاختصاص والمقدرة من العلماء، وما يقدم من بحوث ودراسات جادة في المؤتمرات العلمية المتخصصة، وما يقدم من رسائل وأطروحات في أقسام الدراسات العليا بالجامعات للحصول على درجة الماجستير أو الدكتوراه، وما يقدمه أساتذة الجامعات من إنتاج علمي للترقي في سلم الدرجات العلمية، وما ينشر من بحوث مخدومة في المجلات العلمية الرصينة.

وهذه كلها مظنة الاجتهاد إذا توافر لها من أوتي الملكة، واستوفى الشروط العلمية وبخاصة ما كان من قبيل الاجتهاد الجزئي الذي لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الاجتهاد المطلق من النظر في كل أبواب الفقه ومسائله"[31].

وهذا معناه: أن لهم النظر في بعض أبواب العلم والفقه دون البعض بما أوتوا من ملكات ومؤهلات تخصصية تجعلهم قادرين على الغوص في باب دون غيره، هذا بالإضافة إلى قدرتهم على الاجتهاد الذي يضطلع من دونهم من الدعاة ويتناسب مع قدراتهم وملكاتهم العلمية؛ لأن هذا من باب أولى.

وأما الصورة الثالثة: وهم الدعاة من غير طلبة العلم المتمكنين، فهؤلاء كما قدمنا لهم أن يجتهدوا في تحقيق المناط الخاص أو العام، بمعنى أنهم: أولاً: يجتهدون في تنزيل أحكام الشرع على واقعهم، وثانياً: يجتهدون في مدى مناسبة تقديم الأولى منها بحسب ظروف الزمان والمكان وتغير أحوال الناس والعوائد، وثالثاً: قد يكون لهم اجتهاد في مسائل الأمر والنهي عن المنكر، ومدى مناسبة تغيير هذه المنكرات وبأي الوسائل يحصل التغيير، ورابعاً: يجتهدون في اختيار أي من وسائل الدعوة أجدى وأنفع في تبيين أحكام الإسلام لمختلف أصناف المدعوين من الناس.


وللموضوع بقية
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.06 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.65%)]