الموضوع: اليقين ضد الشك
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22-01-2020, 04:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,143
الدولة : Egypt
افتراضي رد: اليقين ضد الشك

اليقين ضد الشك (12)


عبدالفتاح آدم المقدشي




بسم الله، والحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشْرف المرْسلين وآلِه وصحْبه ومَن تبِعه بإحسان إلى يوم الدين.

أمَّا بعد:
فاعلم - أيّها الأخ الكريم، أرْشدني الله وإيَّاك - أنَّ الأنبياء ضربوا أرْوع الأمثِلة في الابتِلاء، فمنهُم مَن ابتلي بمرضٍ مزمنٍ لازَمَه سبع سنوات فصبر، كأيّوب - عليه السَّلام - ومنهم مَن ابتلي بفقْد أوْلاده حتَّى عمِي من شدَّة الحزْن، كيعقوب، ومنهم مَن ابتُلي بموْتِ أوْلاده وبناتِه في حياتِه، كنبيِّنا - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلاَّ فاطمة - رضِي الله عنْها - الَّتي ماتتْ بعدَه بستَّة أشهُر، ومنهم مَن ابتُلي بالأمر بذبْح ابنِه بعدما رزقه الله به وهو كبير في السّنّ، خصوصًا بعدما بلغ معه السَّعي والخِدمة؛ كما قال تعالى: ï´؟ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ï´¾ [إبراهيم: 39].

ومنهُم مَن ابتلي بالفقْر كنبيِّنا، ولقد خُيّر بين أن يَكون ملكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا، ومنهم مَن ابتُلي بالقتْل والذَّبح كيحيى وزكريَّا، ومنهم منم ابتُلي بابتِلاع الحوت له وبالمرض، كيونس - عليه السلام.
ومنهُم مَن ابتلي بعقوق ابنِه، كنوح - عليه السَّلام - ومنهم مَن ابتُلي بعصْيان وخيانة أهلِه، كنوحٍ ولوطٍ - عليهِما السَّلام - ومنهُم مَن ابتُلي بموت أخيه النَّبي، كموسى لمَّا مات هارون في حياتِه.

وكذلك تعرَّضت الأنبياء كلّهم من قِبَل الكفَّار لتهديدات بالغة في النّكاية بهم، كالقتْل والرَّجم والنَّفي والطرْد... إلخ.

ومنهُم مَن ابتلي بالمُلْك والنِّعَم فشكر الله، كداود وسليمان - عليهما السَّلام.
ومنهم مَن ابتلاه الله بطول العناد والمكابرة في دعوتِه، في ألفِ سنة إلاَّ خَمسين عامًا، كنوح - عليه السَّلام.
ومنهم مَن ابتلاه الله بامرأةٍ جميلة وهو غَريب مأْسور عندها، فصبر لله وتغلب على نزغات الشَّيطان والنَّفس الأمَّارة بالسّوء، وهو يوسف - عليه السَّلام - كما ابتلاه الله بالسجْن وطول المكث به، وابتلاه الله بالعبوديَّة وخدمة النَّاس.
ومنهم مَن ابتلاه الله بالجهاد كنبيِّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - وموسى وداود - عليهما الصلاة والسَّلام - بل قد أصابت نبيَّنا - عليه الصَّلاة والسَّلام - الجراحة المعروفة في سبيل الله في معركة أُحُد، واعلم أنَّه لَم يحدث أن آتى اللهُ الملك والحكمة والعلم والنبوَّة لداود - عليْه السَّلام - إلاَّ بعد ما قتل جالوت قائدَ الكفَّار في المعركة.
ومنهم مَن ابتلاه الله بالخروج من الجنَّة والهبوط إلى الدّنيا دار الشَّقاء والابتلاء، كآدَم - عليه السَّلام.
ومنهُم مَن ابتلاه الله بالسِّحْر والسُّمّ، كنبيِّنا - عليه الصَّلاة والسَّلام.
ومنهم مَن ابتلاه الله بالطُّغاة ومناظرتِهم، فأنجاه الله من شرِّهم، كموسى وإبراهيم.
ومنهُم مَن ابتلاه الله بإلْقائه بالحريق العظيم، فلَم يسأل أحدًا إلاَّ الله، وقال: "حسبُنا الله ونعم الوكيل"، فجعل كيد الكافرين هو الأسْفل والخاسر، وهكذا يحفظ الله عبادَه الموحّدين ويدافع عنهم.
ومنهم مَن ابتَلاه الله بفقْد الذّرّيَّة فسأل الله أن لا يدعَه فردًا، كزكريَّا - عليْه السَّلام.
ومنهم مَن ابتلاه الله برمْي الححارة عليْه حتَّى دمِيَت قدماه لمَّا سلَّطوا سفهاءهم وعبيدهم عليه، فجعل يقولُ: ((اللَّهمَّ اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون))، وهو نبيّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم.
ومنهم مَن ابتلاه الله بإلْقاء السَّلا على رأسِه الشَّريف وهو ساجد لله - عزَّ وجلَّ - فأخذ قومُه يتضاحكون عليه حتَّى مال بعضهم لبعض، وهو نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - والحديث في صحيح البخاري.
ومنهُم مَن ابتُلي بخنقه بالثَّوب في عنُقه حتَّى أنقذَه الله بأبِي بكْر، وهو نبيُّنا - صلَّى الله عليْه وسلَّم.
ومنهم مَن ابتلاه الله بمواقف مُحْرجة جدًّا من قومه، كلوط - عليه السَّلام - كمثل مجيئِهم إلى ضيوفه الملائكة ليفْعلوا بهم فاحشة اللّواط.
ومنهم مَن تعرَّض للاستِهزاء والسّخرية، بل لقد تعرَّضت الأنبياء كلّهم لهذه الظَّاهرة المزْرية، وسُبَّ الأنبياء ووُصفوا بأوْصافٍ بأغلظ الأوْصاف التي لا تليق بهم، بل وربَّما مدحوه بقصْد الاستِهزاء، كما قالوا لشعيب: ï´؟ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ï´¾ [هود: 87].
ومنهم... إلخ.

وإذا كان الله ابتَلَى أكرم عبادِه بهذه الأمور الَّتي وصفتُها لك وغيرها، فما على العباد إلاَّ أن يقْتدوا بكلّ حالةٍ من هذه الحالات المتنوّعة، ويصبروا كما صبروا، ويرْجوا كما رجَوا؛ حتَّى ينجحوا بالابتِلاء في هذه الدَّار ويفوزوا في الدّنيا والآخرة، وقد قال تعالى: ï´؟ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ï´¾ [الأنعام: 90]، وقال تعالى: ï´؟ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ... ï´¾[الممتحنة: 4] الآية، وقال تعالى: ï´؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ï´¾ [الأحزاب: 21].

وانظُر واعتبِر - يا أخي الكريم - على سبيل المثال، لمَّا ابتلى الله يعقوبَ - عليْه السَّلام - بفقْد بنيه كيف صبر حتَّى استحقَّ صبرُه أن يوصف بالصَّبر الجميل، وهو ما اشتمل بالخِصال الآتية:
أوَّلاً: الاستِعانة بالله، فقد قال: ï´؟ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ï´¾ [يوسف: 18]، مع قوَّة الثّقة واليقين أنَّ الله ينصره ويُعينه فيما أراده.
ثانيًا: الرَّجاء وعدم القنوط من رحمة الله؛ قال تعالى: ï´؟ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ï´¾ [يوسف: 83]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ ï´¾ [يوسف: 87].
ثالثًا: عدم الشّكاية لغير الله؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ï´¾ [يوسف: 86].
رابعًا: ترْك الفزَع والتسخُّط على المصيبة، والاكتِفاء في كلّ مرَّة بقوله: ï´؟ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ï´¾ [يوسف: 18، 83].

وكذلك انظر واعتبِر، لمَّا ابتلى الله حبيبَه محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - بِموت إبراهيم قال: ((إنَّ العين لتدْمع، وإنَّ القلب ليحْزنُ، وإنَّا لفراقِك - يا إبراهيم - لَمحزونون)).

نعم، ما جاوز النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يعبّر عن حُزنِه الجبلِّيّ وحنوِّه لابنِه ورحمته له إلاَّ بالتلفُّظ بهذه الكلمات، وهكذا كان حاله لمَّا أُتِي بابنٍ لبنتِه يحتضَر ونفسُه تقعْقَع، دمعت عيْناه رحمة لابنِ بنته المحتضر، فقال له سعد بن معاذ: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: ((إنَّما يرحم الله من عباده الرّحماء))؛ رواه البخاري.

وتاللهِ، هذا هو الصَّبر الجميل الَّذي علَّمنا الله على لسان نبيِّه، وهو تطْبيق عمليّ، فلا صياحَ ولا ضرْبَ للخدود ولا شقَّ للجيوب، ولا شكايةَ ولا إظهارَ للتأسّف أو الاعتراض على أمر الله كما ترى، وهلمَّ جرًّا.

وانظُر واعتبِر - أخي الكريم - لمَّا ابتلى الله إبراهيمَ - عليْه السَّلام - بذبْح ابنِه، كيف فعل؟
أوَّلاً: بادرَ في تنفيذ الأمْر ولَم يقُل: واللهِ إنَّها مجرَّد رؤيا؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء كانت وحْيًا، بِخلاف سائر النَّاس.
ثانيًا: قدَّم محبَّة الله على محبَّته لابنه، وهو ما أراد الله أن يُظهره لما ابتلاه؛ لذلك لمَّا شرع في التَّنفيذ فداه الله بكبشٍ ما دام قد انقادا واستسْلما لأمر الله؛ ولذلك قال تعالى: ï´؟ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ï´¾ [الصافات: 103].
ثالثًا: يُستفاد من القصَّة كثيرٌ من صفات الخير لإبراهيم - عليْه السَّلام - منها: الصَّبر الجميل، تعْظيم أوامر الله وتقْديمها على كلّ شيء، الشَّجاعة وقوَّة العزيمة في تنفيذ الأوامر الخطيرة كما في هذه القصَّة.

وهكذا كان للصَّحابة الكرام - رضوان الله عليْهم - اتِّخاذ القرارات الخطيرة، مثل ما في هذه القصَّة، ككون تقديمهم أوامرَ الله من كلّ شيء إذا اعترضها أحدٌ، حتَّى ولو كان أقرب أقربائِهم، وهذا سعدٌ يقول لأمّه وقد كان يحبُّها جدًّا: "لو كانتْ لك مائةُ نفسٍ فخرجتْ واحدة واحدةً ما أشركْت بالله"، وذلك لمَّا تركت الأكْل ليكفر بالله، وهذا أبو عبيدة بن الجرَّاح يَقتل أباه لمَّا اعترض أوامرَ الله وحارب الله ورسولَه، وإنَّما قتل الشّرك الذي كان في نفْس أبيه، كما فسَّره بذلك بعضُ السَّلف، وهذا أبو بكْر - رضِي الله عنْه - طلب ابنَه عبدالرحمن في القتال ليقتلَه، ولكنَّه لَم يجدْه، وهلمَّ جرًّا.



والله وليّ التَّوفيق.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.58%)]