اليقين ضد الشك (9)
عبدالفتاح آدم المقدشي
بسم الله والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاعلم أن من أحسن طُرق الاستقامة حفظ الله في أوامره ونواهيه؛ ولذلك قال - تعالى -: ï´؟ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ï´¾ [ق: 32 - 33].
ولذلك نقول: لن يكون المؤمن ذا قلبٍ منيبٍ حتى يخشى الرحمن بالغيب، ولن يخشى الرحمن بالغيب إلا وصار حفيظًا، ولن يكون حفيظًا حتى يكون أوَّابًا، ولذلك أثنى الله على عبده خليل الرحمن بهذه الصفة، وقال: ï´؟ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ï´¾ [هود: 75]، وأثنى الله على عباده المؤمنين العاقلين بأمرِ ربِّهم بِوَجَل القلوب؛ كما قال - تعالى-: ï´؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ï´¾ [الأنفال: 2]، وقال - تعالى - في سورة الحج: ï´؟ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ï´¾ [الحج: 34]، وقال - تعالى - في سورة هود: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ï´¾ [هود: 23]، أما الحمقى والمغفَّلون من الكفار ومن على شاكلتهم فسيقولون يوم القيامة: ï´؟ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ï´¾ [الملك: 10].
إذًا؛ تعلم من خلال دراستك لهذه الآيات أن أساس كلِّ الأعمال التعبُّدية الخضوع والخشوع لله - جل جلاله - ولذلك لما عدَّد الله صفات المؤمنين الذين يرثون الجنة - الفردوس الأعلى - بدأ بصفة خشوعهم في الصلاة؛ وذلك لأن هذا الخشوع لبُّ العبادة وثمرتها الحقيقية، فمن ضيَّعها فهو لما سواها أضيع، ومن حفظها فهو لما سواها أحفظ، والله يحفظه ويرعاه، والجزاء من جنس العمل[1].
وقد ختم الله بهذه الصفات في سورة "المؤمنون": ï´؟ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ï´¾ [المؤمنون: 9]، فكما بدأ الله - سبحانه - في أول السورة بالخشوع فيها ختمها بالمحافظة عليها، ولذلك فهم يستحقون بهذه الصفة العظيمة: ï´؟ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ï´¾ [ق: 32]، والقرآن يؤيِّد بعضه بعضًا.
وهكذا جاء في الحديث: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))؛ الحديث.
فبدأ الله بحفظه؛ أي: حفظ أوامره ونواهيه، وأولها تحقيق التوحيد والإيمان، وعبادة الله حق العبادة؛ لأن هذا من لوازم الإيمان التي يستحق المرء بأن يحفظه الله ويدافع عنه ويكفيه بها عن كلِّ شرٍّ، بل الله يتولاه ويحبه وينصره، ولذلك قال - تعالى - : ï´؟ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ï´¾ [الحج: 38]، وقال - تعالى -: ï´؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ï´¾ [الزمر: 36]، وقال - تعالى -: ï´؟ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ï´¾ [الأعراف: 196]، وقال – تعالى -: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ï´¾ [فصلت: 30 - 31]، وفي الحديث: ((ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، ولئن سألني لأعطينَّه)).
وفي رواية: ((فإن أتاني يمشي، أتيته هرولة))، وكلُّ هذا يدلُّ على شدة تأييد الله ونصرته لعباده المؤمنين المتَّقين، مع شدة استجابته لهم بهذه السرعة المذهلة كما ترى.
وفي الحديث: ((من آذى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب))، وقال - تعالى -: ï´؟ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ï´¾ [الأحزاب: 58].
ثم قال: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))؛ لأنه لا يمكن أن يكون عبدًا حفيظًا عابدًا ربَّه حق العبادة إلا بالإنابة إلى الله وحدَه - كما أسلفنا - ولا يمكن أن يكون منيبًا إلى الله وحدَه إلا بتجريد التوحيد وبتصفيته من الشوائب بألا يسأل إلا الله، وألا يستعين إلا بالله؛ لينال بذلك درجة اليقين الجازمة، وقد قرن الله بين العبادة لله وحدَه حق العبادة، وبين الاستعانة لله وحدَه في سورة الفاتحة، وقال - تعالى -: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5].
ثم قال: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت كلها على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ، لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)).
وهذا القسم الأخير من الحديث يعلِّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ما نحقق به تجريد التوحيد، ونُصفَّى به من الشوائب: كترك المداهنة على حساب ديننا رغبةً أو رهبةً من مخلوق كائنًا مَن كان، ما دام أننا نعتقد في قرارة أنفسنا أنه لا يمكن لأيِّ مخلوقٍ - كائنًا من كان - أن يجلبَ لنا نفعًا أمسكه الله عنا، ولا أن يصيبنا أحدٌ بضرٍّ قد كتبه الله علينا، وقد رفعت الأقلام وجفت الصحف بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، بل ولا يجوز أبدًا أن نحزنَ على أمرٍ فات، ولا نفرح بملء فِيْنَا لأمرٍ حاصلٍ؛ لقوله - تعالى -: ï´؟ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ï´¾ [الحديد: 22 - 23].
وقال - تعالى -: ï´؟ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [فاطر: 2].
وقال - تعالى -: ï´؟ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ï´¾ [يونس: 107].
واعلم - أرشدني الله وإياك - أن كلَّ هذه الآيات الكريمات فيها ما يكفي لتقوية توكلك على الله وحدَه حق التوكُّل، وتقوية وثوقك بالله وحدَه حق الوثوق، وتقوية استعانتك بالله وحدَه حق الاستعانة، وتقوية تعلُّقِك بالله وحدَه حق التعلق في كلِّ صغيرة وكبيرة.
وإن حلَّت بك مصيبةٌ وأخذت بالأسباب المشروعة، فما عليك أيها العبد إلا بالاعتصام بحبل الله المتين بالتوحيد، وأن تستعين بالصبر لله؛ لأنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، كما قال - تعالى -: ï´؟ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ï´¾ [النحل: 127 - 128].
وقد قال - تعالى - بعد ما بيَّن الله لنا بأنه لا يمكن لأحدٍ كائنًا من كان أن يكشف عنا ضرًّا مَسَّنا، ولا يرد لفضلٍ أراده الله لنا، في سورة "يونس" بأن نتبع ما جاء بالوحي ونصبر؛ حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين؛ قال - تعالى -: ï´؟ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ï´¾ [يونس: 109].
بل لا بد أن نصبرَ الصبرَ الجميل الذي لا شكاية معه، بحيث لا يمكن أن تكون الاستعانة إلا على الله وحدَه، كما كان يصبر يعقوب - عليه السلام - ويقول: ï´؟ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ï´¾ [يوسف: 18]، ويقول: ï´؟ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ï´¾ [يوسف: 86].
وقد أمرنا الله أن نستعين بالصبر والصلاة في موضعين في سورة البقرة: أولاهما: قوله – تعالى -: ï´؟ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ï´¾ [البقرة: 45].
وثانيهما: قوله - تعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ï´¾ [البقرة: 153].
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، وهو ما قد يستدل به مَن يقول بصلاة الحاجة، وإن كانت هذه التسمية لم ترد في الشرع فيما أعلم.
والله أعلم.
ــــــــــــــ
[1] ومن صور حِفظ العبد لربِّه، وحفظ الله له أن يحفظ الله لحافظ القرآن دماغه من الخَرف في آخر عمره كما هو مشاهد، ومن ذلك أيضًا أن يحفظ الله العبد المطيع الحافظ لأوامر ربِّه أعضاءه في آخر عمره، حتى إنه يُروى أن أحد السلف وَثَبَ وثبةً كبيرة من السفينة فعاتبه قومه، فقال: هذه الأعضاء حفظناها في الصِّغر، فحفظها الله لنا في الكِبر، ومن ذلك أيضًا سترُ الله لعبده المؤمن الصادق، وتكفيره سيئاته في الدنيا والآخرة، حتى سأل أحد الصالحين ربَّه أن يريه قبول توبته في الرؤيا، فإذا هو يُقال له قبل قيامه من النوم: لقد أجيب سؤالك، وهذه بالطبع علاقة خاصة بين العبد الولي لمولاه، وهذه بشارة عاجلة كبيرة، والخروج عن تحت المشيئة المعلقة، وسترٌ له من تعريض نفسه للتطهير في إقامة الحدِّ عليه في الدنيا، وتقوية لإيمانه، وهذا باعث له أيضًا في أن يستحي من الله مع هذا الفضل العظيم من ربِّه له...إلخ، وقد قال - تعالى -: ï´؟ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ï´¾ [الأعراف: 156].