تعليم السحر واستعماله
علاء شعبان
خامسًا: قتْل الساحر:
قتل الساحر قد يكون حَدًّا، وقد يكون رِدَّةً؛ بناءً على التفصيل في كفرالساحر، فمتى حكمنا بكفره فقتْلُه رِدة، وإذا لم نحكم بكفره فقتله حدٌّ.
والسَّحَرة يجب قتلهم، سواءٌ قلنا بكفرهم أم لا؛ لعِظَم ضررهم، وفظاعة أمرهم، فهم يفرِّقون بين المرء وزوجه، وكذلك العكس، فهم قد يعطفون فيؤلِّفون بين الأعداء، ويتوصلُّون بذلك إلى أغراضهم، كما لو سحر امرأةً ليزنيبها، فيجب على ولي الأمر قتلُهم دون استتابة؛ لأنه حدٌّ، والحدُّ إذا بلغ الإمام، لايُستَتاب صاحبه؛ بل يُقام بكل حال.
فالقول بقتل السحَرَة موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسْعَون في الأرض فسادًا، وفسادهم من أعظم الفساد، وإذا قُتِلوا سَلِم الناس من شرِّهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر[21].
وعليه؛ فلا ينبغي التوقُّف في قتل الساحر، سواءٌ قلنا بكفره أم لم نقل؛ لأن هذا هو الثابت عن أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-:
عن بجالة قال: كُنتُ كاتبًا لجزء بن مُعاوية عمِّ الأحنف بن قيس، إذْ جاءنا كتابُ عُمر- قبْل موته بسنة -: اقتُلُوا كُلَّ ساحر وساحرة[22].
وعن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة: بلَغَه أنَّ حفْصةَ زوْجَ النبي -صلى الله عليه وسلم- قتلَتْ جاريةً لها سحَرَتْها، وقد كانت دبَّرتها، فأمرَتْ بها فقُتلت[23].
عن أبى الأسود: أن الوليد بن عُقبة كان بالعراق يَلعبُ بين يديه ساحرٌ، فكان يضربُ رأس الرجُل، ثُم يصيحُبه فيقُومُ خارجًا، فيرتدُّ إليه رأسُهُ، فقال الناسُ: سُبحان الله، يُحْيي الموتى!
ورآهُ رجُلٌ من صالح المُهاجرين فنظر إليه، فلما كان مِن الغد اشتمل على سيفه، فذهب يلعبُ لعبهُ ذلك، فاخترط الرجُلُ سيفهُ فضرب عُنُقهُ، فقال: إن كان صادقًا فليُحْيِ نفسهُ[24].
فهذه الآثار التي لم يُعلم أنَّ أحدًا من الصحابة أنكرها، فيها الدلالة على أنه يُقتل، ولو لم يَبلُغ سحرُه الكفر؛ لأنَّ الساحر الذي قتله جُنْدب - رضي الله عنه - كان سحْرُه مِن نحو الشعوذة والأخْذِ بالعيون، حتى يُخيَّل إليهم أنه أَبَان رأْسَ الرجُل، والواقع بخلاف ذلك[25].
[1] انظر: "عالم السحر والشعوذة"، ص 13.
[2] أخرجه البخاري (5146) من حديث ابن عمر.
[3] "لسان العرب" (2/106)، "القاموس المحيط" (519).
[4] "المغني" (12/ 299).
[5] "تفسير القرطبي" سورة البقرة الآية 102.
[6] "الفروق" (4/149).
[7] "المجموع" (19/ 240)، "أحكام القرآن" (1/ 43)، "المحلى" (1/ 36)، "المغني" (12/ 299).
[8] "أضواء البيان" (4/ 568).
[9] "عالم السحر والشعوذة" ص 91.
[10] "عالم السحر" ص 91.
[11] متفق عليه: أخرجه البخاري (5766)، ومسلم (2189).
[12] "الفروق" (4/ 150).
[13] انظر: "أضواء البيان" (4/ 445-455)، "مقدمة ابن خلدون" (3/ 1030-1039)، "عالم السحر والشعوذة" ص 101-147، "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (2/ 178).
[14] انظر: مناظرة ابن تيمية للرفاعية، ص 23-27.
[15] انظر: "المغني" (12/ 300-302)، "كشاف القناع" (6/ 187)، "شرح منتهى الإرادات" (3/404)، "الفروق" (4/ 152) "الأم" (1/ 256)، "أضواء البيان" (4/ 455-456).
[16] "المغني" (12/ 300).
[17] "الأم" (1/ 256).
[18] "أضواء البيان" (4/ 456).
[19] متفق عليه: أخرجه البخاري (2767)، مسلم (89).
[20] كتَبَ الأستاذ خالد الروشة نقدًا علميًّا متينًا لما احتوته تلك القصص، وذكر ما فيها من مفاسد عَقَدية وتربوية.
[21] "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين" ((2/ 179، والمسألة فيها تفصيل طويل، ليس هذا محلَّ بحثه، انظر: "أضواء البيان" (4/ 456-462).
[22] أخرجه أحمد في مسنده (1657)، أبو داود (3043)، البيهقي في الكبرى (17580)، وقال البيهقي: متصل ثابت، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: 3/ 123)) إسناده صحيح، وقد أورده الحُميدي في "الجمع بين الصحيحين" مطولاً ثم قال: 166)) اختصره البخاري فأخرج مسنده منه والتفريق بين كل ذي محرم من المجوس فقط، فأصله عند البخاري (3157).
[23] أخرجه مالك في "الموطأ" (1562) بلاغًا، ووصله عبدالرزاق في "المصنف" (18747)، وقال شيخ الإسلام في "الصارم المسلول": 2/ 520)) صحيح.
[24] أخرجه البيهقي في الكبرى (16944)، وقال الألباني في "الضعيفة" 3/ 642)): وهذا إسناد صحيح إن كان أبو الأسود أدرك القصة، فإنه تابعي صغير، واسمه محمد بن عبدالرحمن بن نوفل يتيم عروة، قال: ومثل هذا الساحر المقتول، هؤلاء الطرقية الذين يتظاهرون بأنهم من أولياء الله، فيضربون أنفسهم بالسيف والشيش، وبعضه سحر وتخييل لا حقيقة له، وبعضه تجارب وتمارين، يستطيعه كل إنسان من مؤمن أو كافر إذا تمرس عليه وكان قويَّ القلب، ومن ذلك مَسُّهم النار بأفواههم وأيديهم، ودخولهم التَّنُّور، ولي مع أحدهم في "حَلَب" موقف تظاهر فيه أنه من هؤلاء، وأنه يطعن نفسه بالشيش، ويقبض على الجمر.
[25] وهذا قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وحفصة، وجُنْدب بن عبدالله، وقيس بن سعد، وعمر بن عبدالعزيز، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أصح الروايتين عنه وغيرهم، انظر: "المغني" (12/302)، "وأضواء البيان" (4/461)، "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (8/111)، "فتاوى اللجنة الدائمة" (1/551– 553).