7 ـ وتقودنا هذه الواقعة إلى السؤال عن موقف الإسلام من هذا التباين والصراع، والتنازع والاختلاف بين عالم القيم، وعالم الأشياء. ؟ وأين يريد لنا أن نكون من هذين الاتجاهين، وكيف نختار بينهما. ؟ وهل يسعنا أن نجمع بينهما. ؟!
فأقول: إنّنا نعلم أوّلاً أنّ الإسلام يحلّ لنا التمتّع بالطيّبات، ولا يرضى لنا تحريمها على أنفسنا، وهو دين المثاليّة الواقعيّة، الإيجابيّة البنّاءة، لم يهمل عالم الأشياء، ولم يتنكر لها، ولكنّه في الوقت نفسه لم يسمح لها أن تتمادى على عالم القيم أو تطغى، بل جعلها محكومة بعالم القيم مقودة له، وهل الحياة كلّها في مفهوم الإسلام إلاّ القيم تُستخدَم الأشياء وسائل لإقامتها وتحقيقها، وتسخيرها لإسعاد الإنسان بها. ؟
ومن هنا فإنّ الانحياز لعالم الأشياء كما هي، تفكيراً واهتماماً وتحكيماً، يجعلها تطوّع القيم الصالحة، وتحرّفها لتخدمها، وتسخّرها لتبرّر اتّجاهها، كما يتيح لها أن تفرض القيم الفاسدة المُفسدة، الهابطة المُنحطّة، التافهة العابثة، على حياة الإنسان وسلوكه، ممّا يحجّم عالم القيم السامية في الإنسان، ويقتله أو يكبته، أو يجعله مظهراً لا قيمة له، وصورةً لا حقيقة لها.
وإن من واقعيّة الإسلام وإيجابيّته، واعتداله واتّزانه أنّه لم يرفض " عالم الأشياء " ولم يحاربه، وإنّما قدره بحدود تحمي القيم وتصونها، ولا تفرط بحقائقها ومثلها، ففرض فيما نحن فيه من هذا الباب ـ على سبيل المثال ـ تقديم المهر للمرأة، الذي يُعَدُّ رمزاً لتكريمها، وحفظ حقوقها، وتقدير الزوج لعالمها الذي تنتمي إليه بفطرتها، وتحرص على إعطائه حقّه من العناية والاهتمام، وجعل الإسلام للمهر حدّاً أدنى، ولم يجعل له حداً أعلى، ليكون بذلُ الزوج المقتدر للمرأة تعبيراً عن رغبته الصادقة بها، وإعلاءً لقيمة الزهد بعالم الأشياء في سبيل القيم التي يسعى الرجل لإقامتها وتحصينها، وإثباتاً عمليّاً أنّ " عالم الأشياء " تبع لعالم القيم وخادم لها.
8 ـ خطر تمادي المرأة في عَالم الأَشياء، وقصورها عن عالم القيم: ولكي تستقيم الحياة الإنسانيّة بين الجنسين لابدّ أن يكون عالم القيم هو الذي يحكم تصوّراتهما واهتماماتهما، وأن يكون عالم الأشياء تبعاً له، ومحكوماً به، وإذا لم يكن للمرأة حظّها المعقول المقبول، الراجح الثابت من عالم القيم، فإنّها لا تزال تتمادى بها الأيام في عالم الأشياء إيثاراً لها، وتعلّقاً بها، وسعياً لجمعها والتفاخر بها.. كما أن الرجل إذا كان ميّالاً للعالم الأليق به فإنّه لا يزال يزداد على الأيام رغبة بقيمه، وتعلّقاً بها، وحرصاً على الاستزادة منها، فمن هنا تبدأ شقّة الخلاف بين الزوجين، وتظهر زاوية البعد، وتتّسع المفارقة بينهما، وهي التي تشكو كثير من الأسر من آثارها، وقد بدأت أيامها الأولى بودّ ووئام، وتفاهم وتحابّ، ثمّ وهت العلاقة بين الزوجين مع مرور الأيام، حتّى آل الأمر إلى عقليتين متباينتين مختلفتين، تبحث كلّ منهما عن ذاتها في عالم بعيد عن عالم الأول واهتماماته واتّجاهه، ويعيش كلٌّ من الطرفين في فلكه الخاصّ، بعيداً عن الطرف الآخر وفلكه، ويؤثر كثير من الأزواج الصمت كلّما دخل بيته ويعتصم به.. لأنّه لا يرى جدوى من الكلام مع الطرف الآخر، وهو يراه يعيش في عالم غير عالمه، ومفاهيم واهتمامات تختلف كلّيّاً عن مفاهيمه واهتماماته، ولا يزال اختلاف الرؤى والمواقف يتمادى بكلا الطرفين، حتّى يئول الأمر بهم أخيراً إلى الفراق وانفصام عرا الزوجية، أو ما يسمّيه بعضهم بالطلاق العاطفيّ..
ويعجز عن اكتشاف أسباب هذه الظاهرة وتحليلها أكثرُ من كان على معرفة بهذه الأسرة، أو اتّصالٍ بها.. وربما يعزو بعض الناس ذلك إلى العين، أو الحسد، أو السحر، أو الاتّهام بسوء الخلق.. والقضيّة هكذا بدأت..
وإذا تسامى الطرفان إلى آفاق عالم القيم، والثقت رؤاهما على مبادئه وحقائقه، أو اجتمعا واصطلحا على الرضا بعالم الأشياء، وقنعا بها، وكانت الإمكانات المادّيّة تسعفهما في تحقيق ذلك لم تقم هذه المشكلة بهذه الصورة، وربّما مضى بهما ركب الحياة آمناً، ولكنّهما يسفّان بذلك إلى ما لا يحقّق بهما الحياة الإسلاميّة المنشودة..
ومن هنا فإنّ من مقتضى مسئوليّة الرجل عَن أسرته، وحقّ القوامة الذي وضعه الله في يده، وأوجبه عليه، أن يعتني بوجهتي المرأة النفسيّة والفكريّة، وتطلّعاتها السلوكيّة، ويغذّي في نفسها عالم القيم، ويرفع همّتها إلى آفاقه، ويرقى بها، ويتعهّدها بالموعظة الحسنة بين الحين والآخر، لتبقى وجهتها في الحياة واضحة القصد والهدف، وتكون على بصيرة من أمرها في كلّ خطوة من خطوات حياتها.. وهذا أمر يغفل عنه كثير من الرجال، ويُغفلونه، وهو بالغ الأهميّة والضرورة، كيلا تنزل المرأة عن الحدّ الأدنى في عالم القيم، فتهي علاقتها بها، وتستمرّ في ضعفها وفتورها، وتتحوّل من إرادة الآخرة، إلى إرادة الدنيا وإيثارها، وتستمرأ الالتصاق بعالم الأشياء، والتعلّق بها، وجمعها وتكديسها.
9 ـ أنواع الدوافع المذْكورة في هذا الحدِيث: ثمّ إنّ الدوافع المذْكورة في هذا الحدِيث هي تعبيرٌ نبويٌّ دقيق عَن أنواعٍ من الدوافع لا عن أفراد منها، وهذه الأنواع يمكنُ النظرُ إليهَا من زوايا متعدّدة:
أ ـ فهي من زاوية: منها ما يدخُلُ تحتَ إرادة الإنسان واختياره، ومنها ما لا يدخُلُ تحتَ إرادة الإنسان واختياره.
ب ـ وهي من زاوية أخرى: منها ما يكون من عَالم القِيَم، ومنها ما يكون من عالم الأشياء، أو يتبع لها.. فما يكونُ من عَالم القِيَم: هوَ الدين، والحسب، والجمال الباطن، وهو جمَال الروح والنفس، وجمال الخلق والمعانيّ الإنسانيّة الفطريّة، وهو الجمَال الحقيقيّ، الذي يرقى ويبقى، وإليه الإشارة في الحديث الشريف: ((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا)).
وحديث: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)).
وأمّا ما يكونُ من عالم الأشياء، فهو المال بأنواعه، وجمال الصورة الظاهرة، مجرّداً عن جمال الخلق، والمعاني الإنسانيّة الكريمة.
ج ـ وهي من زاوية ثالثة: منها الأصيل الثابتُ، وهو ما يكون من قيم الحقّ والخير، وهو ما لا غنى للإنسان عنه بحال من الأحوال، ومنهَا النسبيّ المتغيّر، وهو ما يكون منْ عالم الأشياء، وقيم الباطل والشرّ، أو ما يشبهُ ذلكَ من سفساف الأمور، وقد يغني بعض ذلكَ عن بعض..
وإنّ أكثرَ الرجال إلاّ من شذّ وَانحرف، وفسدت فطرته، وغلبته شهواته، واتّبع هواه، وانساق وراء نزوة الشباب وطيشه ـ أكثر الرجال لا يتطلّبون في المرأة لتكون شريكة حياتهم جمال الصورة الظاهرة فحسب.. وإنّما يريدون جمال الصورة دالاًّ على جمال الروح الباطنة، التي تشرق على الظاهر، فتعطيه روعة الحسن الباهر، لا صورته التي تخدَعُ بها الأصباغُ والألوان.. بل قد رأينا كثيراً من غير المتديّنين يطلب في المرأة، التي يريدها شريكة حياته أن تكون متديّنة عفيفة، مصونة صالحة..
وأمّا منْ يرجّح جمال الظاهر فحسب فهو مختلّ الموازين، أحوج ما يكون إلى تَصحيح نظرته إلى الحياة الدنيا وعلاقتِه بها، وكثيراً ما يصطدم بالواقع، وتربّيهِ مدرسة الحياة، وتلقّنه درساً لن ينساه.. لأنّها قائمة على سنن ثابتة لا تتغيّر، ولا تحابي أحداً..
10 ـ ويشير هذا الحديث إلى قضيّة الكفاءة في الزواج، ويمكن أن يعدّ أصلاً لمن اعتبرها، مراعاة للواقع النفسيّ والاجتماعيّ الذي يحكم الناس، مع حثّ الإسلام على تسامي الإنسان عن ذلك، إعلاء للكفاءة في الدين، والتميّز بقيمه، ولكنّ الإسلام بواقعيّته التشريعيّة لا يفرض المثاليّة فرْضاً، وإنّما يحثّ عليها، ويُنهِضُ الهمم إليها، ويراعي مشاعر الناس بما لا يتعارض مع مبادئه وقيمه، ويسمو بهم إلى آفاقه الكريمة باليسر والرفق، لا بالشدّة والعنف.
11 ـ والسؤال المهمّ الذي يتَبادر إلى الأذهَان: لماذا حَثَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على مطلبِ الدينِ، وأكّد عليه من بين سائر المطالب. ؟
إنّ مطلبَ الجمَال مطلبٌ فطريّ لا ينكر، ومطلبَ الحسب مطلبٌ اجتماعيّ، لا خلاف في أهمّيّته، ومطلبَ المال مطلبٌ فطريّ وشخصيّ، لا يمارى في أهمّيّته وأثره، وأمّا مطلبُ الدين فَهو مطلبٌ شرعيّ جَامع، يغني عمّا سواه، ولا غناء عنه بما سواه.. وكان هذا المعنى كافياً في ترْجيحِ مطلبِ الدين على ما سواه.. فكيف إذا اجتمع مع ذلك حقائق أخرى جعلت الموازنة بين هذه المطالب من أصلها جائرة مختلّة، لا تقف في وجه مطلب الدين ولا تدانيه. ؟! وأهمّ هذه الحقائق:
ـ أنّ مطلبَ الدين مقصود لذاته، وهو مطلق غير محدود، بخلاف المطالب الأخرى، فهي وسائل لا مقاصد، وهي خادمة لا سيّدة، محدودة غير مطلقة.
ـ أنّ مطلبَ الدين خيرٌ محض، بخلاف المطالب الأخرى، فهي لا توصف بذلك، لأنّها وسائل وأدوات، يمكن أن تستخدم في الخير أو الشرّ.
ـ أنّ مطلبَ الدين يحقّق للإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وهو من علامات سعادة العبد، وحسن عاقبته بإذن الله، ولا يتحقّق ذلك في المطالب الأخرى، إلاّ إذا سخّرت لسعادة الآخرة.
ـ أنّ مطلبَ الدين في مقدور الإنسان ذكراً كان أو أنثى أن يتحقّق به، ويرقى في مدارجه، بخلاف المطالب الأخرى.
ـ أنّ الوقوفَ مع مطلبِ الدين وقوف مع القيم الثابتة الراسخة، الباقيةِ النافعة، الموصولة بالله - تعالى -، فهي تمنح الإنسان السكينة والرضا والطمأنينة، بخلاف المطالب الأخرى التي هي من أعراض الدنيا الفانية، وليس وراءها إلا متاعب الدنيا وأكدارها، يقول الله - تعالى -: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً)[الكهف: 46] الكهف.
ويجمع ذلك كلّه قول الله - تعالى -: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين)[القصص: 77]
11 ـ ولك بعد ذلك أيّها العاقل أن توازن بين العالمين، ثمّ تختار، ولك الخيار فيما تختار، ولكنّك تكشف باختيارك عن ذاتك، وتعلن للملأ عن حقيقةِ انتمائك، فحذار أن تخدع نفسك، أو تغالط الآخرين؛ إنّ لك أن تختار بين مطلب الجمال الحسّيّ فحسب، الذي هو من " عالم الأشياء " أو مطلب الدين الذي هو من " عالم القيم "، وعليك أن تدرك مغزى اختيارك، وآثار انتمائك لأحد العالمين والتحاقك به.
ـ وإذا كان حبّ الجمال مطلباً فطريّاً، وعطاءاً وهبيّاً، فإنّ حقيقته أن يكون جمال القيم والمعاني، لا جمال الصورة الظاهرة، أو الزينة الفاخرة، وإلى ذلك أشار الشاعر عمرو بن معد يكرب بقوله:
ليس الجمال بمئزر ***فاعلم وإن ردّيت بردا
إنّ الجمال معادن ***ومناقب أورثن مجدا
ومن ثمّ فإنّ للجمال صورة حسّيّة ظاهرة، وحقيقة معنويّة باطنة، هي بمثابة روحه وحقيقته، لها القيمة الكبرى، وعليها في حقيقة الأمر المعوّل.
12 ـ حبّ الجمال الظاهر فطرةٌ وابْتلاء: وإذا كان من فطرة الإنسان حبّ الجمال، والإعجاب به، فإنّ ذلك لا يعني أنّ هذا الأمر هو الكمال المطلوب في الإنسان، بل إنّ هذه الفطرة هي نوع من الابتلاء، بل هي من أشدّه، فلابدّ من تقويمها وتهذيبها، بأحكام الشرع وآدابه، وأهمّ ما يطلب في تقويمها أن تكون محكومةً بعالم القيم وتابعةً له، وذلك بالموازنة بين صورة الجمال وحقيقته، وبين مطلبِ الجمالِ ومطلب القيم، وترجيح ما فيه كمال الإنسان ورفعته، على ما فيه رغبته ومتعته.
وأنا لا أقلّل في هذا البحث من قيمة الجمال الظاهر، ولا أنكر فطرة الإنسان ذكراً كان أو أنثى على حبّه والافتتان به، وإيثاره على ما يضادّه.. ولكنّني أريد أن يكون مرجوحاً أمام جمال أعلى منه وأجلّ.. إنّه جمال القيم، التي يحتاج أكثر الناس إلى أن ينتبهوا إليه، ويذكّروا به.. لأنّه جمال معنويّ، لا يحسّ به إلاّ من عاشه، وذاق لذّته..
ـ أثر البحث عن الجمال الظاهر فحسب: وإنك عندما تطلب المرأة لا تطلبها إلاّ لجمالها الظاهر، فإنّ ذلك يعني أنّك لم تر فيها، ولا في أهلها سوى " عالم الأشياء "، ولم تطلب منهم سوى ذلك، وعندئذ ستراهم ينظرون إليك، ويقومونك بميزان التفاخر بهذا العالم، والتنافس في حيازته، والتباهي بإيثاره وتقديمه، وعدم التقدير لعالم القيم ومثله، مهما كنت حريصاً عليها ومعتزّاً بها، وسيطالبونك تبعاً لذلك بما يرهقك من عالم الأشياء، وكأنّ لسان حالهم يقول لك: " إذا كنت حقّاً ممن يعتزّ بعالم القيم، وينتسب إليها، فلماذا جئت إلى عالمنا، ورغبت فيما عندنا. ؟ فابذل لنا من تكاليف عالمنا ما يرضينا.. ".
وسترى نفسك تبعاً لذلك، غارقاً في عالم من التنازع في طلب الأشياء، والحرص عليها، والشحّ بها، والاختلاف معها، ومع أهلها فيها، فأنّى لك بعد ذلك أن تنجو أنت وقيمك من صخب هذا الواقع وسهامه. ؟!
13 ـجمال الظاهر نسبيّ، فأيّ نوع وقدر من الجمال تريد. ؟! فمن نعم الله على الإنسان أنّ الجمال في الإنسان نسبيّ، تتفاوت أذواق الناس فيه، ولا تتّفقُ على درجاته وموازينه، وقد يصل اختلافهم فيه إلى درجة التناقض والتباين بين أقصى الدرجات وأدناها، واعتبَاره مَسألة شخصيّة بحتة، ممّا يرجّح جمال الروح عليه، وتأثير فيه، كما يؤكّد على أهمّية جمال الباطن، وانعكاسه على الظاهر..
14 ـ الجمال الفطريّ والجمال الإضافيّ: والجمال في الإنسان، وفي المرأة على وجه الخصوص نوعان:
ـ جمال فطريّ ظاهر، يتبادر التفكير فيه إلى أذهان الناس كلّما ذكر.
ـ وجمال إضافيّ، لا ينتبه إليه أكثر الناس، ولا يفكّرون فيه.
فالجمال الفطريّ ما كان في خلقة المرأة وصورتها، والجمال الإضافيّ ما كان بالنظر إلى مكانتها الأسريّة والاجتماعيّة، وعلاقتها بمن حولها، وعلاقة من حولها بها، وموقعها في أسرتها، ومكانتها بين ذوي رحمها؛ فهي ـ كما لا يخفى ـ بنت في أسرة، لها فيها موقعها ومنزلتها، وزوجة لرجل له مركزه الاجتماعيّ وقدره، وأمّ لأولاد لهم منازلهم ومراتبهم الاجتماعيّة، أو سيكون لهم ذلك، وجدّة لأحفاد، لهم مكانتهم الأسريّة والاجتماعيّة، وأخت لرجال ونساء كذلك، وهي عمّة وخَالة، وابنة أخٍ وابنة أخت.. وهي في كل ذلك أيضاً لها في نفسها موقعها المتميز، وجمالها الخاصّ الذي يغطّي على جمال الظاهر، ويضفي عليه فوق جاذبيته ومعانيه منزلة رفيعةً، ومعاني واسعة.
15 ـ جمالُ المرأَةِ في العَلاقَاتِ الأسَريّةِ، التي تُحِيْطُ بهَا وتبْنيهَا: فالبنت جميلة محبوبة في نظر أسرتها، على الرغم ممّا يخيّم على فكر كثير من الناس من كراهة للبنت، ورغبة في الذكر وإيثارٍ له، ولكنّ الواقع خلاف ذلك في حياة أكثر الناس، والزوجة جميلة مُؤثَرة في نظر زوجها، والأمّ جميلة محبوبة في نظر بنيها وبناتها، والأخت جميلة مكرمة في نظر إخوتها وأخواتها، وذوي قرابتها ورحمها، والجدّة موقّرة محترمة في نظر حفدتها.. ومن هذه القرابة القريبة سيكون للأولاد: الأجداد والجدّات، والأخوال والخالات، ووشائج الرحم المصونة في دين الله، والتي هي شجنة من الرحمن - سبحانه -.
ولا أدلّ على هذا الجمال الإضافيّ من أنّنا نرى الرجل ذا المكانة الاجتماعيّة المرموقة، عندما تتوفّى أمّه أو جدّته، أو بنته أو زوجته يتوافد إليه مئات من الناس أو ألوف، يشاركون في الصلاة عليها، وتشييعها، والتعزية بها.. أفليس هذا من جمال المعاني التي تضاف إلى المرأة، فترفع منزلتها، وتعلي مكانتها، وأكثر هؤلاء لا يعرفون صورتها الظاهرة، وربّما كانت مقلّة من جمال الظاهر..
ولا أدلّ أيضاً على هذا الجمال الإضافيّ من أنّك ترى الجدّة العجوز الهرمة التي لم يبق لها شيء من مسحة الجمال الظاهر تراها معظّمة مبجّلة من أولادها وأحفادها، كلّ يكرمها بما استطاع، ويخدمها بما يقدر.. فهي بينهم قائدة آمرة، سيّدة مطاعة، ملكة بغير تاج، ولا رتب على أكتافها، ولا سلطة بين يديها..
فإذا وضعت في اعتبارك هذا المفهوم الواسع للجمال الحقيقيّ، أدركت مدى الخطأ الفادح، الذي يرتكبه من يقف عند جمال الظاهر، ويغفل عن المعاني الكامنة للجمال، التي ينبغي أن يبحث عنها في محيط المرأة القريب، وعلاقتها المتشابكة بقرابتها وذوي رحمها، وما ستكون عليه في مستقبل أيّامها..
وللعامّة في هذا المقام كلمات جميلة مُؤثّرة، كثيرة معبرة، يحسن أن يتفرغ لجمعها، وبيان معناها، وإصلاح مَا اعوجّ من مفاهيمها بعضُ الباحثين، ليكون من عمله بحث اجتماعيّ تُراثيّ مفيد، ومن هذه الكلمات: " إنّ البنتَ إن لم تُسعِدها خدودُها أسعدها جُدُودُها "، ويريدون: أجدادها، فهي كلمة تُشير في معناها القريب إلى الحسب والنسب، وتُشير في معناها العميق إلى جمَال العلاقات التي تُنشِئها المرأة وتبنيها، وتحفّ بها وتعليها، وكم من رجال خطبوا المرأة لاعتبارات معنويّة لا تمتّ إلى جمال الظاهر بصلة، ولم يقيموا أيّ اعتبار لجمال الظاهر، الذي لا يقتصر عليه إلاّ قصّار النظر. ؟!
وعندما تدخل في اعتبارك المعاني والقيم زيادة على ما سبق، تصبح أمام خِضّم هائل من الحقائق والمعاني التي لا يُعدّ أمامَها جمالُ الصورةِ شيئاً يُذكر، ولا يُعتبر حُسنُ المنظر أمراً ذا خطرٍ..
16 ـ وممّا يحتّم على الرجل والمرأة أن يهتمّا بعالم القيم ويؤثراه، أنّه سرّ سعادة الإنسان، ونجاحه في الحياة واستقراره: وإذا كان الجمال الظاهر عطاءً وهبياً، لايَدَ للمرأة في صنعه وكسبه، وهو أمر نسبيّ، وربما كان كثيرٌ من النساء عُطلاً منه، فإنّ باب الفضل والخير مفتوح بين يدي كلّ امرأة أن تلج أبواب الجمال الحقيقيّ، فتدخل " عالم القيم "، وتتبع أسبابه، وترقى في مدارجه، حتّى تتزيى منه بحلية ترفعها على كثير من بنات جنسها، وتعوّض ما فاتها من جمال الصورة الظاهرة المتميّزة، بما تقدّم من جهد وكسب، تكون به الجديرة بالرفعة، المستأهلة للحمد والثناء، وعَلى الرجل كذلك أنْ يبحث عن المرأة الغنيّة بعالم القيم، ذات الجمال الحقيقيّ، الذي لا تزيده الأيّامُ إلاّ توهّجاً وتألّقاً.
ـ فمن إشارات هذا الحديث ولوازم معناه، أنّ على العاقل ذكراً كان أم أنثى أن يحرص على العمل الطيّب، الذي ينفعه ويرفعه، ويدلّل على طيب عنصره، ونفاسة معدِنه.
ولكنّ الواقع أن غرق المرأة المعاصرة في التطلّع إلى عالم الأشياء، والافتتان بها وإيثارها، جعلها تسلك سبيلاً آخر، إلى إثبات وجودها، وتحقيق ذاتها: إنّه سبيل الوصول إلى المال بسعيها الخاصّ وجهدها، وفي أحوالٍ كثيرة على حساب القيم المطلوبة منها، والتي هي مسئولة عنها؛ فجنحت إلى طريق التعليم والدراسة، لا حُبّاً بالعلم ورفعته، وحرصاً على تزكية النفس به، وإنّما للحصول على الشهادة، لأنّها سلّم الوصول إلى الوظيفة والمُرتّب، وهي سبب المال الذي يغري الرجال بالإقبال عليها، ويجعلهم يحرصون على الاقتران بها، ولم تدري أنّ ذلك يغري بها أصحاب الطمع والجشع، الذين لا حظّ لهم من الأخلاق والقيم، وإنّما كلّ تفكيرهم أن يجعلوها مطيّة ذلولاً لأهوائهم ونزواتهم، ممّا يجعلها تفقد قيمتها الحقيقيّة، وتبتعد أكثر فأكثر عن " عالم القيم "، وتغرق أكثر فأكثر في عالم الأشياء، واللهاث وراءها.
ولم يخرج كثير من الرجال عن هذه المعادلة المعْكوسة المنكوسة، فأصبحوا لا يفكّرون في المرأة إلاّ من خلال هذا العالم ومفاهيمه وموازينه، ولا يقوّمونها ويرغبون بها إلاّ على حسب " أشيائه " التي تجمعها، " وأعداده " التي تتمتّع بها، وتلك صورة لعمر الحق من أحطّ ما تنحدر إليه العلاقة بين الرجل والمرأة، ولا يغرّنّك بعد ذلك ما تتزيّى به تلك العلاقة من مجاملة شكليّة ظاهرة، لا تغني عن الحقّ شيئاً، ولا تسعف الأسرة المنكوبة، ولا تنفع المجتمع الغارق في مستنقع اللهاث خلف عالم الأشياء وإسفافه.. ولك أن تتصوّر أيّ جيل تأمله الأمّة يخرج من بين يديها، وهي على هذه الصورة الباهتة، والواقع المسفّ. !
17 ـ وينبغي أن نلحظ باهتمام من قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: ((فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) أنّ المقصود بِذَاتِ الدِّينِ غير ما يفهم الناس من كلمة: " متديّنة "، فالتديّن في مفهوم الناس لا يفهم منه إلاّ صورة جزئيّة من التمسّك ببعض الأعمال والأحكام، وربّما كان الإنسان مقصّراً بما هو أهمّ منها وأرجح، ممّأ يعطي صورة مشوّهة عن الدين والتديّن، وهو وللأسف ما يئنّ منه الواقع ويشتكي على كلّ صعيد.. ولكنّ ذلك لا يبرّر الانصراف عن أصل المبدأ، وهو طلب المرأة ذات الدين.. وطلب الرجل صاحب الدين والخلق.
وأمّا عندما نقول: " فلان ذو دين" فهذا يعني أنّه يأخذ الدين بصورة شموليّة جامعة، بها يستحقّ المدح والثناء.
وقد نصّت آيات بيّنات من كتاب الله - تعالى -على أهمّ صفات التديّن المطلوب في المرأة المسلمة، منها قوله - تعالى -: (... فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)[النساء: 34].
وقوله - تعالى -: (... مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)[التحريم: 5].
وقوله - سبحانه -: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 35].
فالتديّن المطلوب المحمود في الرجل هو نفسه التديّن المطلوب المحمود في المرأة..
18 ـ وإذا كان خير ما يطلب في المرأة أن تكونَ ذات دينٍ وإيمانٍ، وعملٍ صالحٍ وإحسانٍ.. وإذا كان الزواج جمعاً لقلبين على شمل واحد، وإخلاصاً من الطرفين في إبرام عقد إنسانيّ كريم، تحوطه شريعةُ الله وتباركه، وتَصونه وتَحميه، ويُتوخّى منه إقامة الحياة الإنسانيّة على أقوم صراط، وأهدى سبيل، فإنّ صلاح الدين، هو المَطلب المُشترك والمُشترط، في الطرف الآخر أيضاً وهو الرجل، لقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ))، وفي رواية: (( فَأَنْكِحُوهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ))، وذلك في مقابل ما جاء في الحديث الذي نتحدّث عَنه: ((فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)).
ولعلك تلاحظ أخي القارئ الكريم بالمقارنة بين الحديثين أنّ الرجل يختصّ بزيادة تُطلبُ فيه وتُقصدُ، ألا وهي: " الخلق "، لأنّ حُسنَ الخُلُقِ أصلٌ كبيرٌ في استقامة العلاقات الإنسانيّة واستقرارها، ونموّها وازدهارها، إذ هُو ميزان العقل الناضج الراجح، الرشيد الحصيف، ويترتّب عليه: تمييز الباعث في كلّ الأمور، وحسن الاختيار في المواقف، ومعرفة قدر ما يؤخذ أو يترك من عالم الأشياء على أساس من أحكام القيم ومبادئها، ومن ثمّ فإنّه يُعدّ هنا تعبيراً على وجه الخصوص عن " حُسنِ السياسةِ التي يَتمتّعُ بها الرجلُ لعالم الأشياءِ، ورزانتِه في التعامُلِ معَها، وحِكمتِه في تصريفِها ".
والأصل في الرجل أن يمتاز باتّزان العقل، وحسن النظر في الأمور، وصحّة التدبير لها، ولا ننكر أنّ بعض النساء قد يكُنّ على عقل وحسن نظرٍ للأمور يَفُقْنَ به كَثيراً من الرجال، ولكنّ العبرة بالأغلب الأكثر، والأحكام لا تناط بالقليل النادر.
والمرأة التي تفوق الرجال بحقّ بعقلها وحكمتها، لها من ذلك ما يكفل لها التقدّم في ميادين الحياة العمليّة ضمن ضوابط شرع الله وآدابه، ومن كتب لها التقدّم كذلك فلا يقدر أحد أن يفرض عليها التأخر.. ولنا في أمّهات المؤمنين وسيّدات النساء من الصحابة والتابعين حجّة لا يقف أمامها شيء من الجدل العقيم.. فأيّ مشكلة أو عقبة أمام المرأة المسلمة، كما يدّعي الغربان بنو علمان. ؟! الذين يتقنون فنّ اصطناع المشكلات، والترويج لها وتسويقها..
19 ـ وواضح من كلّ ما سبق أنّ عَالم الأشياء لا يرفض لذاته: إذ عندما ذكر الحديث بعض مظاهر عَالم الأشياء: من المال والحسب والجمال، ورغبة الناس بها، فقد نصّ على ما هو شائع في الواقع، ولا يعني ذلك الرفض لهذا الواقع وإنكاره من حيث هو، وإنّما ينكر ويرفض عندما يطغى، ليزاحم عالم القِيَم، ويكون في نظر الناس بدلاً عنه، أو أرجح منه، أو يراد له أن يكون كذلك..
20 ـ المؤامرة على المرأة المسلمة: لقد أدرك شياطين الإنس في المرأة طبيعة الميل إلى عالم الأشياء، والولوع بالزينة المتاع فاخترعوا لها " الموضات " وتجديد الأزياء، ومالا يحصى من أبواب الاستهلاك، وأغروها بالولوع بالأسواق.. ممّا جعل أكثر نساء العالم لا يخرجن من دوّامة اللهاث وراء ذلك، حتّى النساء المسلمات وقعن في شَرَك هذه الفتنة، التي لا تقف عند حدّ، ممّا أفسد على المرأة دينها وخلقها، وجعلها ضحيّة، وأداة للإفساد في الوقت نفسه.. فهي كالسكرى، لا تكاد تصحو على نفسها، لترى مواقع أقدامها، وتعرف واجبها في الحياة ومسئوليّتها، وهي يراد لها أن تكون أداة رخيصة تافهة لإفساد الرجل.. وإفساد الأسرة.. وإفساد البنين والبنات.. وإفساد المجتمع كلّه..
فهل للمرأة المسلمة أن تدرك حجم المؤامرة عليها، فتتحرّر من أسر هذا الواقع، وتملك إرادتها، وتذكر وقفتها بين يدي ربّها، فتكون المرأة الصالحة المصلحة، فتقوم بحقّ رسالتها في الحياة، على أحسن الوجوه وأتمّها. ؟! فيسعد بها الرجل، وتسعد بها أسرتها، ويسعد بها المجتمع كلّه. ؟!
إنّا لنرجو لها ذلك ونتمنّاه، والله وليّ التوفيقِ والسدادِ.