إحرام من هم دون المواقيت.
س: مَنْ كان سكنه دون المواقيت، فمن أين يُحْرِم؟[127]
ج: من كان دون المواقيت أحرم من مكانه مثل: أهل أم السلم وأهل بحرة يُحْرِمُون من مكانهم، وأهل جدة يحرمون من بلدهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس: ((ومن كان دون ذلك - أي دون المواقيت - فمُهَلُّه من حيث أنشأ))[128]، وفي لفظ آخر: ((فمُهَلُّه من أهله حتى أهل مكة يُهِلُّون منها))[129].
ميقات الحُجَّاج القادمينَ من إفريقيا.
من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة المكرمة السيدة/ ت. أ. ر. حفظها الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد تلقيت رسالتك المُؤرَّخَة في 16/12/1391هـ، وعلمت ما تضمنته من الأسئلة، وإليك الإجابة عنها[130].
أولاً: بالنسبة لحجك مع عمك فلا بأس به؛ لأن العم مَحْرم شرعي، ونرجو من الله أن يتقبل منك، ويثيبك ثواب الحج المبرور.
وأما ميقاتُ الحُجَّاج القادمينَ من إفريقيا: فهو الجُحْفة أو ما يُحاذيها من جهة البر والبحر والجو، إلا إذا قدموا من طريق المدينة فميقاتهم ميقات أهل المدينة. ومن أحرم من رَابِغ فقد أحرم من الجُحْفة؛ لأن الجحفة قد ذهبت آثارها، وصارت بلدة رَابِغ في محلها أو قبلها بقليل.
وأما من ناحية المساجد الموجودة بالمدينة المعروفة حاليًا، فكلها حادثة ما عدا مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد قُباء، وليس لهذه المساجد غير المسجدينِ المذكورينِ خصوصية من صلاة أو دعاء أو غيرهما؛ بل هي كسائر المساجد مَنْ أدركَتْه الصلاة فيها صَلَّى مع أهلها، أما قصدها للصلاة فيها والدعاء والقراءة أو نحو ذلك لاعتقاده خصوصية فيها، فليس لذلك أصل؛ بل هو من البدع التي يجب إنكارُها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ))[131]؛ أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها، وتحقيقًا لرغبتك يسرنا أن نبعث إليك بعضًا من الكتب، التي توزعها الجامعة حسب البيان المرفق، نسأل الله أن ينفع بها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بيان خطأ من جعل جدة ميقاتًا لحجاج الجو والبحر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه..أما بعد:[132]
فقد اطَّلَعْتُ على ما كتب في التقويم القطري بإملاء فضيلة الشيخ/ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري صفحة 95، 96 حول المواقيت للوافدينَ إلى مكة بنِيَّة الحج أو العمرة، فألْفَيْته قد أصاب في مواضع، وأخطأ في مواضع خطأ كبيرًا، فرأيتُ أنَّ من النصح لله، ولعباده التَّنبيهَ على المواضع التي أخطأَ فيها؛ راجيًا بعد اطلاعه على ذلك توبته عما أخْطَأ فيه ورجوعه إلى الحق؛ لأن الرجوع إلى الحق شرف وفضيلة وهو خير من التَّمادِي في الباطل؛ بل هو واجب لا يجوز تركُه؛ لأن الحق واجب الاتِّباع، فأقول:
أولًا: ذَكَر - وفَّقه الله - في الفقرة الثالثة من كلمته ما نصه: "القاصدون عن طريق الجو لأداء الحج والعمرة إذا كانت النية منهم الإقامة بجدة ولو يومًا واحدًا، ينطبق عليهم حكم المقيمينَ بجدة، والنازلينَ بها فلهم أن يحرموا من جدة" انتهى.
وهذا كلام باطل، وخطأ ظَاهِرٌ، مُخالف للأحاديث الصحيحة الواردة في المواقيت، ومخالف لكلام أهل العلم في هذا الباب، ومخالف لما ذَكَره هو نفسه في الفقرة الأولى من كلمته المشار إليها آنفًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وَقَّت المواقيت لمُريدِي الحج والعمرة من سائر الأمصار، ولم يجعل جدة ميقاتًا لمن تَوجَّه إلى مكة من سائر الأمصار والأقاليم، وهذا يعم الوافدينَ إليها من طريق البر أو البحر أو الجو.
والقول: بأن الوافد من طريق الجو لم يمر عليها قولٌ باطل لا أساس له من الصحة؛ لأن الوافد من طريق الجو لا بد أن يَمُرّ قطعًا بالمواقيت التي وقَّتَها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو على ما يسامتها فيلزمه الإحرام منها، وإذا اشتبه عليه ذلك لزمَهُ أن يحرم في الموضع الذي يَتَيقَّن أنه محاذيها أو قبلها حتى لا يجاوزها بغير إحرام، ومن المعلوم أن الإحرام قبل المواقيت صحيح؛ وإنما الخلاف في كراهته وعدمها، ومن أحرم قبلها احتياطًا خَوْفًا من مجاوزتها بغير إحرام فلا كراهة في حقه، أما تجاوُزها بغير إحرام فهو مُحَرَّمٌ بالإجماع في حق كل مكلف أراد حجًّا أو عمرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس المتفق عليه لما وَقَّت المواقيت: ((هُنَّ لَهُنَّ، ولمن أتى عليهنّ مِنْ غير أهلهِنَّ ممن كان يريد الحج والعمرة))[133]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر المتفق عليه: ((يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحُلَيْفَة، ويُهِلُّ أهل الشام مِنَ الجُحْفَة، وأهل نَجْد من قَرْن))[134]، وهذا اللفظ عند أهل العلم خبر بمعنى الأمر فلا تجوز مخالفته، وقد ورد في بعض الروايات بلفظ الأمر وذلك بلفظ: ((ليُهِلّ)).
والقول: بأن من أراد الإقامة بجدة يومًا أو ساعات من الوافدينَ إلى مكة من طريق جدة له حكم سُكَّان جدة في جواز الإحرام منها، قولٌ لا أصل له ولا أعلم به قائلًا من أهل العلم.
فالواجب على من يوقِّع عن الله ويفتي عباده في الأحكام الشرعية أن يَتَثَبَّت فيما يقول، وأن يتقي الله في ذلك؛ لأن القول على الله بغير علم خطره عظيم وعواقبه وخيمة. وقد جعل الله - سبحانه - القول عليه بلا علم في أعلى مراتب التحريم؛ لقوله - عز وجل -: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[135]
وأخبر - سبحانه - في آية أُخْرى أن ذلك مما يأمر به الشيطان فقال – سبحانه -: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[136]، وعلى مُقْتَضى هذا القول الباطل لو أراد مَنْ توجَّه من المدينة إلى مكة بنية الحج والعمرة أن يقيم بجدة ساعات جاز له أن يُؤَخِّر إحرامه إليها، وهكذا من توجه من نجد أو الطائف إلى مكة بنية الحج أو العمرة، وأراد الإقامة في لزيمة أو الشرائع يومًا أو ساعات جاز له أن يتجاوز قرنًا غير محرم، ويكون له حكم سكان لزيمة أو الشرائع. وهذا قول لا يخفى بُطْلانه على من تأمل النصوص، وكلام أهل العلم، والله المستعان.
ثانيًا: ذكر الشيخ عبدالله الأنصاري في الفقرة الخامسة ما نصه: "يجوز لمن يقصد أداء العمرة أن يتجه إلى التنعيم فيحرم منها حيث إنها الميقات الشرعي" انتهى.
وهذه العبارة فيها إجمالٌ وإطلاقٌ؛ فإن كان أراد بها سكان مكة والمُقيمينَ بها فصحيح، ولكن يؤخذ عليه قوله: "إن التنعيم هو الميقات الشرعي" فليس الأمر كذلك؛ بل الحل كله ميقات لأهل مكة والمقيمين بها، فلو أحرموا من الجِعْرَانة أو غيرهما من الحل فلا حرج وكانوا بذلك محرمينَ من ميقات شرعي، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عبدالرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة إلى الحل لما أرادَتِ العمرة، وكونها أحرمت من التَّنْعِيم لا يُوجب ذلك أن يكون هو الميقات الشرعي، وإنما يدل على الاستحباب؛ كما قاله بعض أهل العلم؛ لأن في بعض الروايات من حديثها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عبدالرحمن يعمرها من التنعيم وذلك - والله أعلم - لكونه أقرب الحل إلى مكة جمعًا بين الرِّوَايات، أما إن أراد بهذه العبارة أن كل من أراد العمرة له أن يحرم من التنعيم، ولو كان في جهة أخرى من الحل فليس بصحيح؛ لأن كل من كان في جهة من الجهات خارج الحَرَم ودون المواقيت، فإن ميقاته من أهله للحج والعمرة جميعًا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس المتفق عليه -: ((ومن كان دون ذلك - يعني دون المواقيت - فمُهَلُّه من أهله))، وفي لفظ: ((فمُهَلُّه من حيث أنشأ))، وقد أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجِعْرَانة عام الفتح لما فرغ من تقسيم غنائم حُنين، فلم يذهب إلى التنعيم، والله ولي التوفيق.
ثالثًا: ذكر الشيخ عبدالله في الفقرة السادسة والسابعة ما نصه: "لا حجة لمن يقول بأن القاصد إلى جدة بالطائرة يمُرّ بالميقات؛ لأنه لا يمر بأي ميقات من المواقيت؛ بل هو هائم أو طائر في الجو ولم ينزل إلا بجدة"، ونص الحديث: ((ولِمَنْ مَرَّ بِهِنَّ))، ولا يعتبر من كان طائرًا بالهواء بأنه مارّ بأي ميقات" انتهى كلامه.
وهذا القول غير صحيح، وقد مضى الرد عليه آنفًا، وقد سبق الشيخ عبدالله الأنصاري إلى هذا الخطأ، الشيخ/ عبدالله بن زيد آل محمود في مقال وَزَّعَهُ زعم فيه أن الوافد من طريق الجو أو البحر إلى مكة لا يمُرّ على المواقيت، وزعم أن ميقاته جدة، وقد أخطأ في ذلك؛ كما أخطأ الشيخ/ عبدالله الأنصاري فالله يغفر لهما جميعًا، وقد كتب مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ردًّا على الشيخ/ عبدالله بن زيد آل محمود في زعمه أن جدة ميقات للوافدينَ إلى مكة من الحُجَّاج والعُمَّار من طريق الجو أو البحر ونشر الرد في وقته، وقد أصاب المجلس في ذلك، وأدَّى واجب النُّصْح لله ولعباده، ولا يزال الناس بخير ما بقي فيهم من ينكر الخطأ والمُنْكَر، ويبين الصواب والحق.
وما أحسن ما قاله الإمام مالك - رحمه الله -: "ما منا إلا رادّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر"؛ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسأل الله أن يغفرَ لنا جميعًا، وأن يمنحنا وسائر إخواننا إصابة الحق في القول والعمل والرجوع إلى الصواب إذا وضح دليله، إنه خير مسؤول.
رابعًا: ذكر الشيخ/ عبدالله الأنصاري - هداه الله - في الفقرة الثامنة والتاسعة ما نصه: "على من يريد مُواصلة سيرِه إلى مكة لأداء نُسُكه أن يجهز إحرامه من آخر مطار يقوم منه، وينوي قبل جدة بمقدار عشرين دقيقة إذا كان قصده مُواصلة السَّيْر بدون توقُّف أو إقامة في جدة، أما الذي يقيم بجدة ولو ساعات يجوز له أن يحرم من جدة إن شاء الله، وينطبق عليه حُكْم ساكن جدة" انتهى كلامه.
وقد سبق أن هذا التفصيل والتحديد لا أساسَ له من الصحة، وأن الواجب على من أراد الحج أو العمرة من الوافدينَ إلى مكة من طريق الجو أو البحر الإحرام بالنُّسُك، الذي أرادوا من حج أو عمرة إذا حاذوا الميقات الذي في طريقهم أو سامتوه، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام ولو نووا الإقامة بها يومًا أو ساعات، فإن شكوا في المحاذاة لزمهم الإحرام من المكان الذي يتيقَّنُون فيه احتياطًا للواجب، وإنما الكراهة عند بعض أهل العلم في حق من أحرم قبل الميقات بدون عذر شرعي.
وأسأل الله أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم، وأن يوفقنا وجميع علماء المسلمينَ لإصابة الحق في القول والعمل، وأن يعيذنا جميعًا من القول عليه بلا علم إنه سميع قريب, ولواجب النصح للمسلمين جرى تحريره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
إبطال دعوى من ادّعَى أن جدة ميقات لجميع الوافدين إلى مكة من طريقها للحج أو العمرة[137]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ مواقيت الإحرام التي لا يجوز لمن مَرّ بها يريد الحج، أو العمرة تجاوزها بدون إحرام وهي:
ذو الحُلَيْفَة (أبيار علي): لأهل المدينة، ومن جاء عن طريقهم.
والجُحْفَة: لأهل الشام، ومصر، والمغرب، ومن جاء عن طريقهم.
ويَلَمْلَم (السعدية): لأهل اليمن، ومن جاء عن طريقهم.
وقَرْن المنازل (السيل الكبير): لأهل نجد، وأهل المشرق، ومن جاء عن طريقهم.
وذات عرق: لأهل العراق، ومن جاء عن طريقهم.
ومن كان منزله دون هذه المواقيت مما يلي مكة فإنه يحرم من منزله حتى أهل مكة يحرمون من مكة للحج، وأما العمرة فيحرمون بها مِنْ أَدْنَى الحل.
ومَنْ مَرّ بهذه المواقيت قادمًا إلى مكة، وهو لا يريد حجًّا ولا عمرة فإنه لا يلزمه إحرام على الصحيح؛ لكن لو بَدَا له أن يحج أو يعتمر بعد ما تجاوزها، فإنه يُحْرِم من المكان الذي نَوَى فيه الحج أو العمرة، إلا إذا نوى العمرة وهو في مكة، فإنه يخرج إلى أدنى الحل ويُحْرِم - كما سبق - فالإحرام يجب من هذه المواقيت على كل مَنْ مَرّ بها أو حَاذاها برًّا أو بحرًا أو جوًّا، وهو يريد الحج أو العمرة.
والذي أَوْجَب نشر هذا البيان أنه صدر من بعض الإخوة في هذه الأيام كُتيبٌ اسْمُه: "أدلة الإثبات أن جدة ميقات"، يحاول فيه إيجاد ميقات زائد على المواقيت التي وقَّتَها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث ظَنّ أن جدة تكون ميقاتًا للقادمينَ في الطائرات إلى مطارها، أو القادمينَ إليها عن طريق البحر أو عن طريق البر، فلكل هؤلاء أن يؤخروا الإحرام إلى أن يَصِلُوا إلى جدة ويحرموا منها؛ لأنه بزعمه وتقديره تُحاذِي ميقاتي السعدية، والجُحْفَة؛ فهي ميقات وهذا خطأ واضح يعرفه كل من له بصيرة ومعرفة بالواقع؛ لأن جدة داخل المواقيت، والقادم إليها لا بد أن يمُرّ بميقات من المواقيت التي حَدَّدَها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يُحَاذيه برًّا أو بحرًا أو جوًّا فلا يجوز له تَجاوُزه بدون إحرام، إذا كان يريد الحج أو العمرة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما حدد هذه المواقيت: ((هُنَّ لَهُنَّ، ولمن أتى عليهِنَّ مِنْ غير أهلهِنَّ ممن يريد الحج أو العمرة))، فلا يجوز للحاج والمعتمر أن يخترق هذه المواقيت إلى جدة بدون إحرام ثم يحرم منها؛ لأنها داخل المواقيت.
ولما تسرع بعض العلماء منذ سنوات إلى مثل ما تسرع إليه صاحب هذا الكُتَيِّب، فأفتى بأن جدة ميقات للقادمينَ إليها صدر عن هيئة كبار العلماء قرارٌ بإبطال هذا الزعم، وتفنيده جاء فيه ما نصه: "وبعد الرجوع إلى الأدلة، وما ذكره أهل العلم في المواقيت المكانية، ومُناقشة الموضوع من جميع جوانبه، فإن المجلس يقرر بإجماع ما يلي:
1- أن الفتوى الصادرة بجواز جعل جدة ميقاتًا لرُكاب الطائرات الجوية والسفن البحرية، فتوى باطلة؛ لعدم استنادها إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو إجماع سلف الأمة، ولم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمينَ الذين يُعْتد بأقوالهم.
2- ولا يجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية، أو حاذى واحدًا منها جوًّا أو برًّا أو بحرًا أن يتجاوزها من غير إحرام؛ كما تشهد لذلك الأدلة؛ وكما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى.
ولواجب النصح لله ولعباده، رأيتُ أنا وأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء إصدار هذا البيان؛ حتى لا يَغْتَرّ أحد بالكتيب المذكور" انتهى.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
ميقات القادمين من السودان
س: بالنسبة للقادمينَ من السودان: بعض العلماء يفتونهم بأن ميقاتهم جدة؟[138]
ج: على حسب الطريق إن كان طريقهم يمُرّ بميقات الجُحْفَة لزمهم الإحرام إذا حاذُوها، وإن كان طريقهم لا يُحاذي ميقاتًا قبل جدة، فإنهم يحرمون منها إذا كانوا ممن أراد الحج أو العمرة.
حكم من يقول للقادمينَ للحج أو العمرة: "اجلسوا في جدة ثلاثة أيام ثم أحرموا"
س: بعض القادمينَ من خارج المملكة إذا وصلوا جدة، يقولون: "اجلسوا ثلاثة أيام في جدة ثم أحرموا من الميقات، فما حكم ذلك؟"[139]
ج: يلزمهم أن يعودوا إلى مِيقاتهم إذا كانوا قادمينَ للحج أو العمرة، ولا يجوز لهم تَجاوُز الميقات بدون إحرام؛ لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما وقَّتَ المواقيت لأهل المدينة، والشام، ونجد، واليمن، وغيرهم، قال: ((هُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْر أَهْلِهِنَّ ممن أراد الحج والعمرة))[140]، فلا بد أن يحرِموا من الميقَات الذي يمرُّون عليه، إذا كانوا قاصدينَ الحج أو العمرة، فيحرموا منه فإذا تَجَاوَزُوه، فإن عليهم الرجوع إليه فإن تَجَاوَزُوه ولم يرجعوا وأحرموا بعده لزمهم دم، وهكذا إن عجزوا عن الرجوع إليه أحرموا من مكانهم وعليهم دم يُجْزِئ في الأضحية، يذبح في مكة للفقراء، ويُقَسّم بينهم.
تعقيب على فضيلة الشيخ/ عبدالله كنون حول تأخير الإحرام لأهل المغرب إلى جدة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دَرْبِهم إلى يوم الدين، أما بعد:[141]
فقد اطَّلَعْتُ على فتوى لصاحب الفضيلة الشيخ/ عبدالله كنون قد نشرت في صحيفة "الميثاق المغربية" حول الإحرام من الطائرة لأهل المغرب، وتأخيره إلى جدة، فاستغربْتُها كثيرًا، ومع تقديري لعلمه وفضله، فقد رأيتُ التنبيه على عدم صحة هذه الفتوى، وإن تأخير الإحرام إلى جدة للحاج المغربي أو المعتمر أمر مُخَالف للأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب الإحرام من المواقيت التي وقَّتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنها الجُحْفَة لأهل مصر، والشام، والمغرب، وسائر دول شمال إفريقيا؛ بل الوَاجب على الحاج المغربي أن يُحْرِم إذا حَاذَى الميقات جوًّا وبرًّا وبحرًا؛ كما هو نص الحديث الشريف؛ وكما نص عليه أهل العلم.
والتوقيت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس توقيتًا لزمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل هو توقيت للمسلمينَ إلى يوم القيامة.
والله - سبحانه وتعالى - يعلم أنه سيكون في آخر الزمان طائرات وغيرها، فدَلّ على دخول ركابها في ذلك. وإذا خاف ركابها من تَجاوُز الميقات قدم الإحرام قبل وصوله الميقات احتياطًا.
وما ذكره الأستاذ عبدالله من عدم تمكُّن المسافر من الاستعداد في الطائرة بالغُسل والصلاة، فإن بإمكان الحاج أن يستعدّ في بيته أو بلده قبل ركوبه الطائرة، مع العلم بأنَّ الغسل ليس بواجب وإنما هو مُستحبّ. وهكذا الوُضوء ليس بواجب. فلو أحرم من دون وضوء، ولا غُسْل فإحرامه صحيح.
وهكذا الصلاة قبل الإحرام ليست واجبة؛ وإنما هي مستحبَّة عند الجمهور. وقال بعض أهل العلم لا تُستحَبّ لعدم الدليل الصحيح الصريح في ذلك.
فلو أحرم الحاج أو المعتمر من دون وضوء ولا غسل فإحرامه صحيح، ولا يجوز تأخير الواجب عن وقته أو مكانه؛ من أجل تحصيل المُستحبّ؛ بل يجب البدار بالوَاجب، وإن فات المُستحبّ. وهذا أمر واضح لا غُبَار عليه.
فنصيحتي للأستاذ أخينا/ عبدالله كنون الرُّجوع عن هذه الفتوى؛ لأن الرجوع إلى الصَّواب هو الواجبُ على المؤمن، وهو شَرَف له، وهو خير من التَّمادِي في فتوى تُخَالِفُ الدليل.
وأسأل الله أن يوفِّقَنا وإياه، وسائر إخواننا لإصابة الحق في القول والعمل، إنه جَوَادٌ كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
حكم من نَسِيَ وتجاوَزَ الميقات
س: من نسي الميقات هل يلزمه الرجوع أم لا؟ وهل عليه شيء؟[142]
ج: يرجع ويحرم من الميقات إذا لم يكن قد أحرم بعد، أما إذا كان قد أحرم بعد الميقات فعليه دم ولا يرجع.
حكم التلبية قبل الوصول للميقات احتياطًا
س: إذا كان المسافر بالطائرة وقالوا: بعد نصف ساعة سنمر فوق الميقات؛ لكنه لَبَّى احتياطًا؟[143]
ج: لا بأس إذا احْتَاط قبل أن يصلَ الميقات، فالاحتياط مطلوبٌ.
من لم يمُرّ بميقات، ولم يتمكن من تَحَرِّي المحاذاة يحرم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان.
س: ما حكمُ مَنْ أحرم من الحُجَّاج القادمينَ من خارج المملكة من جدة؟[144]
ج: الواجب الإحرام مِنَ الميقات سواء كان ذلك الميقاتُ ميقاتَ بلدِه أو ميقاتًا آخر، مَرَّ عليه في طريقه؛ كالشاميّ يقدم من طريق المدينة، فإنه يُحْرِم من ميقات المدينة، وإذا قُدِّر أنه اجتازه فإن أمكنه الرجوع إلى الميقات والإحرام منه فهذا هو الواجب، فإن لم يمكنه أحرم من مكانه وعليه دم لفقراء الحرم يذبح في مكة. والذي لم يكنِ الميقاتُ في طريقه، فإنه يتَحَرَّى مُحاذاة أول ميقات يمُرّ به ثم يُحْرِم. والذي لا يتسنَّى له لا هذا ولا ذلك، فإنه يُحْرِم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان؛ وهما: يوم وليلة ومقدار ذلك ثمانون كيلاً تقريبًا. والله ولي التوفيق.
س: إذا نوى شخص أن يعتمر، وهو من أهل نجد فجاوزت الطائرة الميقات، فوصل المطار هل يجوز له أن يذهب إلى رَابِغ؟[145]
ج: الواجب أن يرجع للمِيقَات الذي مَرَّ عليه فيُحْرِم منه إذا كان حين مر على الميقات ناويًا الحج أو العمرة، أما من أتى جدّة لحاجة، ولم ينوِ حجًّا ولا عمرة حين مر على الميقات؛ وإنما بَدَا له بعد ذلك أن يحج أو يعتمر بعدما وصل جدَّة، فإنه يُحْرِم من جدة؛ لكونه إنما نوى الحج أو العمرة بعد وصوله إليها؛ كما دل على ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ومن كان دون ذلك - أي من المواقيت - فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة)) [146].
لكن من أراد العمرة من مكة يخرج إلى الحل فيحرم منه؛ كالتنعيم والجِعْرَانة وغيرهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة - رضي الله عنها - لما أرادَتِ العمرة، وهي في مكة أن تخرج إلى التَّنْعِيم فتحرم منه، فدلّ ذلك على تخصيص حديث ابن عباس المذكور بحديث عائشة المذكور في حق المعتمر. والله الموفق.
حكم من ذهب إلى جدة وهو قاصد العمرة.
س: سافرت إلى جدة وكانت نِيَّتِي أن أمْكُث فيها خمسة أيام، ثم أذهب بعدها إلى مكة المكرمة؛ لأداء العمرة، فماذا يلزمني يا سماحة الشيخ في مثل هذه الحالة؟[147]
ج: يلزمك الرُّجوع إلى الميقات في "وادي قَرْن" المعروف بـ "السيل"؛ للإحرام منه بعمرة إذا كنت قاصدًا للعمرة حين توجُّهِك إلى جدة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وَقَّت المواقيت: ((هُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غير أهلهِنَّ، ممن أراد الحج والعمرة))؛ متفق على صحته من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
س: نويتُ زيارة أختي في جدة، وكذلك أداء العمرة، وسافرت على الطائرة من نجران إلى جدة ومكثْتُ في جدة ذلك اليوم، وفي اليوم الثاني ذهبتُ إلى مكة للعمرة، فهل عُمْرتي صحيحة أم لا؟ [148]
ج: إذا كنت أحرمت من الميقات وهو يَلَمْلَم - ميقات أهل اليمن - فليس عليك شيء، وإن كنت أحرمتَ من جدة فعليك دم يُذْبح في مكةَ للفقراء؛ لكَوْنِك جاوَزْت الميقات، ولم تُحْرِم وقد نويتَ العمرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وَقَّت المواقيت: ((هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَليهِنَّ مِنْ غَيْر أهلهِنَّ ممن أراد الحج والعمرة))؛ الحديث مُتَّفق عليه. ولقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: "من ترك نُسُكًا أو نَسِيَهُ فليهرق دمًا"[149]، وعدم الإحرام من الميقات الذي مررتَ عليه يُعتبَر تَرْكًا للنُّسك. وَفَّق الله الجميع.
الإحرام في الطائرة
س: متى يُحْرِم الحاج والمعتمر القادم عن طريق الجو؟[150]
ج: القادم عن طريق الجو أو البحر إذا حَاذَى الميقات، مثل: صاحب البر إذا حَاذَى الميقات أحرم في الجو أو في البحر أو قبله بيسير حتى يَحْتاطَ لسرعة الطائرة، وسرعة السفينة، أو الباخرة.
تقرير من سماحته لما قرره مجلس المَجْمَع الفِقْهي الإسلامي في حق من أحرم قبل الميقات، ومن حاذى الميقات وليس معه ملابس الإحرام[151]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقينَ سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:
فإن مجلس مَجْمَع الفِقْه الإسلامي المُنْعقِد في مكة المكرمة بين 7/4 إلى 15/4/1401هـ، في دورته الرابعة قد نَظَر فيما يعرض لكثير من الوافدينَ إلى مكة المكرمة للحج، أو للعمرة من طريق الجو أو البحر مِنْ جَهْلِهم بِمُحاذاة المواقيت التي وقَّتَها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأَوْجَب الإحرام منها على أهلها، وعلى من مَرَّ عليها من غيرهم ممن يريد الحج والعمرة وهي:
ذو الحُلَيْفَة: لأهل المدينة ومن مَرّ عليها من غيرهم، وتسمى حاليًا (أبيار علي).
والجُحْفَة: وهي لأهل الشام، ومصر، والمغرب، ومن مَرَّ عليها من غيرهم، وتسمى حاليًا (رَابِغ)[152]
وقرن المنازل: وهي لأهل نجد ومن مَرَّ عليها من غيرهم، وتسمى حاليًا (وادي محرم)[153]، وتسمى أيضًا (السيل).
ذات عرق: لأهل العراق وخراسان، ومن مَرَّ عليها من غيرهم، وتسمى حاليًا (الضريبة).
ويَلَمْلَم: وهي لأهل اليمن ومَنْ مَرَّ عليها من غيرهم.
وقرر أن الواجب عليهم أن يحرموا إذا حاذوا أقرب ميقات لهم من هذه المواقيت الخمسة جوًّا أو بحرًا، فإن اشتبَه عليهم ذلك ولم يجدوا معهم من يرشدهم إلى المُحاذاة، وَجَب عليهم أن يحتاطوا، وأن يحرموا قبل ذلك بوقت يعتقدون أو يغلب على ظنهم أنهم أحرموا قبل المُحاذاة؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز مع الكَرَاهة ومُنْعَقد، ومع التَّحَرِّي والاحتياط - خوفًا من تجاوز الميقات بغير إحرام - تزول الكراهة؛ لأنه لا كَرَاهة في أداء الواجب، وقد نص أهل العلم في جميع المذهب الأربعة على ما ذكرنا، واحتَجُّوا على ذلك بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في توقيت المواقيت للحُجَّاج والعمار، واحتجوا أيضًا بما ثبت عن أمير المؤمنينَ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما قال له أهل العراق: "إن قَرْنًا جَوْرٌ عن طريقنا"، قال لهم - رضي الله عنه -: "انظروا حَذْوَها مِنْ طريقكم"[154]
قالوا: إن الله - سبحانه - أوجب على عباده أن يتقوه ما استطاعوا، وهذا هو المستطاع في حق من لم يمُرّ على نفس الميقات.
إذا عُلِم هذا فليس للحجاج والعمار الوافدينَ من طريق الجو والبحر ولا غيرهم، أن يؤخروا الإحرام إلى وصولهم إلى جدة؛ لأن جدة ليست من المواقيت التي وَقَّتَها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يتبع