عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 13-01-2020, 03:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتاوى الشنقيطى عن الحج

السؤال الثالث والثلاثون:
إذا لم أتمكن من ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم، فهل أنتظر حتى يخف الزحام، أو أصليها في أي موضع من المسجد؟ وهل يجوز أن تصلى ركعتي الطواف خارج المسجد؛ كركعتي طواف الوداع؟
الجواب:
ركعتي الطواف، السنة فعلها خلف مقام إبراهيم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، وظاهر التنزيل يدل عليه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، ثم إن مقام إبراهيم تجعله بينك وبين البيت، فإن كان الزحام بقربه تباعدتَ، وصليت في الأروقة والمقام بينك وبين البيت، فإن لم يتيسر لك صليت في أي ناحية من البيت، ولو شئت أن تصلي خارج المسجد، فذلك خلاف السنة؛ ولكنه يجزئ، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فعل ذلك؛ فقد طاف بعد صلاة الصبح، كما روى مالك في موطئه، وأخَّر ركعتي الطواف إلى ما بعد طلوع الشمس، فصلاها بذي طوى، وذي طِوى وطَوى وطُوى، وهو وادي المثلث، معروف الآن يسمى بـ(الزاهر)، وهذا ليس في المسجد ولكنه داخل حدود الحرم، وقال بعض العلماء: إنه يصليها في أي موضع من مكة، ولا حرج عليه في ذلك، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الرابع والثلاثون:
ما حكم السعي بين الصفا والمروة، وهل هو سنة أو لازم في الحج والعمرة؟
الجواب:
السعي بين الصفا والمروة من أركان العمرة والحج؛ فلا يصح ولا يتم الحج إلا بالسعي بين الصفا والمروة، وهكذا بالنسبة للعمرة، كما هو ظاهر خبر أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وهذا هو قول جماهير العلماء - رحمة الله عليهم - ومنهم الأئمة الأربعة، على تفصيل في اللزوم: بعضهم يراه ركنًا، وبعضهم يراه واجبًا، على تفصيل بينهم في ذلك؛ لكن الجماهير على أنه لازم واجب، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وجملة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفقهاء التابعين، والله - تعالى - أعلم.
السؤال الخامس والثلاثون:
هل البداءة بالصفا لازمة، أو يجوز لي أن أبدأ بالمروة قبل الصفا؟
الجواب:
البداءة بالصفا لازمة، ومَن ابتدأ بالمروة يلغي الشوط الذي بدأه من المروة، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أبدأ بما بدأ الله به))، وقد وقع فعله - عليه الصلاة والسلام - بيانًا لواجب، والقاعدة في الأصول: "أن بيان المجمل الواجب واجب"، وبناءً على ذلك يعتبر هذا من الواجبات، ولا يصح شوطه الذي يكون من المروة إلى الصفا، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، فكان أمره - عليه الصلاة والسلام - بالبداءة بالصفا في عمره وحجه - صلوات الله وسلامه عليه - والله - تعالى - أعلم.


مسائل متفرقة في الحج

السؤال السادس والثلاثون:
ما هو هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوقوف بعرفة؟

الجواب:
كان من هديه - عليه الصلاة والسلام - أنه خرج بعد صلاة الفجر من منى، والصحابة معه ما بين مهلِّل ومكبرٍ وملبٍّ، لم يعب أحدهم على الآخر، حتى نزل - صلوات الله وسلامه عليه - بنَمِرَة - ونمرة المنبسط الذي يكون ما بين حدود الحرم وما بين الوادي وادي عُرَنَة، وهو منبسط يقرب من نصف كيلو متر - هذا يسمى بنمرة نزل فيه - صلوات الله وسلامه عليه - وذلك قبل الزوال، ثم إنه لما زالت الشمس مضى على ناقته القصواء - صلوات الله وسلامه عليه - وخطب الناس من بطن الوادي، فأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ، وبيَّن ما على الناس من حقوق وواجبات، ثم بعد ذلك أقام لصلاته فصلى الظهر، ثم أقام للعصر فصلاهما جمعًا وقصرًا، ثم بعد ذلك مضى إلى موقفه، وما زال يتضرع ويسأل الله العظيم من فضله حتى غابت عليه الشمس - صلوات الله وسلامه عليه - استقبل القبلة وجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وما زال يتضرع، ويسأل الله من فضله حتى غابت الشمس ولم يدفع بعد مغيب الشمس مباشرة؛ وإنما انتظر حتى ذهبت الصفرة؛ كما في حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انتظر حتى غابت الصفرة، وهو الصفار الذي يكون بعد الشمس، وهذا يقارب ما بين الخمس إلى عشر دقائق تقريبًا بعد الغروب مباشرة، ثم دفع - صلوات الله وسلامه عليه - فكان يسير العَنَقَ، فإذا وجد فجوة نَصَّ، وكان يقول: ((أيها الناس عليكم السكينة السكينة))، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.


السؤال السابع والثلاثون:
ما حكم مَن وقف بعد الزوال، ودفع قبل غروب شمس يوم عرفة؟
الجواب:
مَن وقف بعد الزوال، ودفع قبل غروب الشمس، فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: إما أن يرجع قبل طلوع الفجر من صبيحة العيد، فإن رجع إلى عرفة ومر بها - ولو للحظة واحدة - سقط عنه الدم، وأجزأه ذلك المرور؛ لأن الوقوف بالليل يسقط وقوف النهار، والعبرة بالليل بدليل إمساكه - صلوات الله وسلامه عليه - لجزء الليل بعد المغيب، والأصل في ذلك حديث عروة بن مُضَرِّس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا، وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار))، فهذا يدل على أن العبرة بالليل في أي أجزائه.
وأما النهار، فقد بيَّنت السنة الفعلية على أن هذا الإطلاق مقيَّد بفعله - عليه الصلاة والسلام - وذلك بمغيب الشمس؛ لأنه قال: ((خذوا عني مناسككم))، فأصبح بيانه الفعلي واجبًا، ومن هنا قالوا من دفع قبل المغيب صح حجه، ولزمه دم إن لم يرجع، فإن رجع سقط عنه الدم، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الثامن والثلاثون:
ما حكم المبيت بمزدلفة؟
الجواب:
المبيت بمزدلفة واجب، وذهب طائف من السلف إلى أنه ركن من أركان الحج، فعظموه لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا))، وإن كان الصحيح أنه من الواجبات، ولذلك أَذِن - صلوات الله وسلامه عليه – للضعفة، وعبَّر النص بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا فيما هو واجب لازم، والمبيت بمزدلفة من واجبات الحج، ويبيت بها الإنسان إن كان قادرًا، فإن كان من الضعفة والحطمة والعجزة والصغار، يجوز أن يدفعوا: إما بعد منتصف الليل، وعلى حديث أسماء بعد مغيب القمر ليلة العيد؛ كما في صحيح البخاري، والله - تعالى - أعلم.


السؤال التاسع والثلاثون:
ما هو هديه - عليه الصلاة والسلام - في المبيت بمزدلفة؟
الجواب:
ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه دخل الشعب - أفاض من عرفات بعد مغيب الشمس كما ذكرنا - ثم دخل الشعب فبال ثم توضأ فأحسن الوضوء، وقال له أسامة: "الصلاة يا رسول الله"، قال: ((الصلاة أمامك))، فمضى - عليه الصلاة والسلام - من طريق المأزمين، وهو الطريق الذي بين الجبلين، وكان قد دخل عرفات من طريق ضب، وهو الذي يجعل مجرى العين عن يساره، ويجعل المأزمين - أيضًا - عن اليسار، وهو الطريق الذي يكون من أسفل جمرة العقبة، فخرج - صلوات الله وسلامه عليه - من منى وسلك طريق ضب، ثم لما دفع وأفاض أفاض من طريق المأزمين الذي بين الجبلين، وهو الطريق الذي يسلكه المشاة الآن هذا هو طريق المأزمين، فمضى - عليه الصلاة والسلام - على ناقته القصواء حتى بلغ المزدلفة، فأمر بلالاً فأذَّن ثم أقام ثم صلى المغرب وصلى العشاء، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه لم يُسبِّح بينهما ولا على إثرهما.
قال بعض العلماء: إنه لا يشرع حتى الوتر، والصحيح أن قول ابن عمر - رضي الله عنهما –: "ولم يسبح بينهما ولا على إثرهما" المراد بذلك سُبحة الراتبة؛ وليس المراد بذلك نفي الوتر، وهذا مذهب جمهور العلماء على أن الوتر يبقى على الاستحباب؛ لعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أوتروا يا أهل القرآن))، ((وأوتروا قبل أن تصبحوا))، وقال: ((إذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة))، هذه العمومات لم يستثنَ منها ليلة النحر، ولذلك قالوا: إن سكوت النص عن وجود الوتر، لا يدل على عدم وجوده، بدليل أنه لم يَثْبُتْ عنه أنه صلى ركعتي الرغيبة في صبيحة العيد، ومع ذلك الإجماع قائم على مشروعيتها، ومع ذلك لم ينقل فيها نص؛ فدل على البقاء على الأصول، وهي التي دلت على مشروعية الوتر وركعتي الفجر، فمَن ترك الوتر يتأوَّل السنة، فلا حرج وهو على خير، ومن صلى فهو أحوط وأبلغ وأقرب، وهو أولى بالقربى، ويكون نفي ابن عمر - رضي الله عنهما - على السبحة الراتبة، ثم إنه اضطجع - صلوات الله وسلامه عليه - حتى بزغ الفجر، فصلى الفجر بغلس فبكر بها، ثم وقف بالمَشْعَر وتضرع وابتهل وناجى ربه وسأله من فضله العظيم، وهو من أجل المواقف، قال بعض السلف: "شهدت هذا الموقف أكثر من ثلاثين عامًا، أسأل الله أن لا يجعله آخر العهد، وكتب لي ذلك وإني لأستحي أن أسأله"، وكان عمره فوق التسعين، فرجع ومات من سَنَتِه، يقول: إنه ما سأل عبدٌ ربَّه حاجةً في عرفات، أو في وقوف المشعر، فمضى عليه حول إلا استجاب الله دعوته، وهذا من المواقف العظيمة، والناس فيه على قسمين:
منهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، ويسكت عن الآخرة ويغفل عنها، ومثال ذلك أن يقول: اللهم أصلح لي تجارتي، اللهم أعطني مالاً، اللهم أعطني زوجة، اللهم افعل كذا وكذا، وكلها في أمور الدنيا، فيجعل الدنيا هي أكبر همه، ومبلغ علمه، وغاية رغبته وسؤله، وما له في الآخرة من خلاق، نسأل الله العافية!!
ومن الناس مَن يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، وهذا هو الأفضل والأكمل هدي الكتاب الذي دل عليه قوله – تعالى -: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]، فهذا من معرض الثناء، فالأفضل أن تجمع بين دعوة الدنيا والآخرة، ثم إنه - عليه الصلاة والسلام - لما أسفر، وكادت الشمس أن تشرق، مضى - عليه الصلاة والسلام - وخالف المشركين، وكان المشركون يقولون: "أشرِقْ ثَبِير كيما نغير"، فما كانوا يدفعون من مزدلفة إلا بعد الشروق، فدفع بأبي وأمي - صلوات الله وسلامه عليه - قبل طلوع الشمس من صبيحة يوم العيد، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الأربعون:
ما حكم رمي جمرة العقبة يوم النحر؟

الجواب:
رمي جمرة العقبة واجب، والجمار كلها من واجبات الحج؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها وقال: ((خذوا عني مناسككم))، وعلى هذا فإنه يعتبر من الواجبات التي إذا فوتها الإنسان لزمه الدم، وقد رمى - عليه الصلاة والسلام - جمرة العقبة يوم النحر؛ فلذلك نص العلماء على وجوبها ولزومها في الحج، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الحادي والأربعون:
ما هو هديه - عليه الصلاة والسلام - يوم النحر في حجة الوداع؟

الجواب:
مضى - عليه الصلاة والسلام - حتى دخل منى، ودخلها من جهة وادي مُحَسِّر، فلما بلغ الوادي أسرع بناقته؛ لأنه موطن عذاب، ثم إنه - عليه الصلاة والسلام - لما دخل منى كان أول ما بدأ أن حيا منى برمي جمرة العقبة، ولذلك يقول العلماء: تحية منى يوم العيد رمي جمرة العقبة؛ أي يبدأ قبل أن يذهب إلى مخيمه، وقبل أن يذهب إلى منزله، يبدأ بجمرة العقبة تأسيًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه قد تكون هناك مشقة لبعض الناس؛ ولكن التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والحرص على السنة له لذة يعرفها من يعرفها، وله حلاوة يجدها من وجدها، ولذلك يحرص الإنسان على لذة الحج في التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وما أروعها وألذها من ساعة! وأنت تحس أنك تيسير في المسير الذي ساره - عليه الصلاة والسلام - وما أطيب الحج وأزكاه حينما تمضي كما مضى - عليه الصلاة والسلام -! تقتفي أثره في أقواله وأفعاله؛ حتى تكون من المرحومين - جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل، بمنه وفضله وهو أرحم الراحمين! - فيحرص الإنسان على البداءة برمي جمرة العقبة فضلاً، لا فرضًا، فإذا رماها فالسنة أن يرميها من بطن الوادي، ويرميها بسبع حصيات، ولا يقف للدعاء بعدها لا في يوم العيد، ولا في الأيام التي تليها، وهي أيام التشريق؛ فإنه لا يشرع الوقوف بعد رمي جمرة العقبة، رمى - عليه الصلاة والسلام - جمرة العقبة وهو على ناقته، ثم بعد ذلك كان يكبر الله مع كل حصاة، وقطع التلبية عند آخر حصاة، ثم انصرف ثم نحر ثلاثًا وستين بدنة بيده الشريفة - صلوات الله وسلامه عليه - وترك الباقي لعليٍّ ينحره، ثم أمر أن يطبخ من كل ناقة منها قطعة حتى يصيب من مرقها ويحسي - صلوات الله وسلامه عليه - ثم حلق رأسه فأعطى الحلاق شقه الأيمن، وهذا يدل على أنه السنة في حلاقة الرأس، العبرة بالمحلوق لا بالحالق، وذلك أن الذي يحلق الرأس له حالتان:
الحالة الأولى: إما أن يحلقك من قبل وجهك، فيأتيك من قبل وجهك، فهذا فيه خلاف.
قال بعض العلماء: العبرة بيمين الحالق لا بيمين المحلوق، فيمين الحالق في هذه الحالة يسارك، ويساره يمينك.
فقال بعض العلماء: العبرة بالحلاق، وقال بعضهم العبرة بالمحلوق.
الحالة الثانية: أما لو جاء من وراء ظهرك، فلا إشكال؛ فإن يمينه يمينك، ويساره يسارك، والصحيح أن العبرة بك سواء جاءك من الأمام أو من الخلف، فتقول له ابدأ بشقي الأيمن، خاصة إذا كان يجهل السنة، فناولَ الحلاق شقه الأيمن فحلق رأسه، ثم حلق شقه الأيسر، وأعطى أبا طلحة - رضي الله عنه – شعره، كما في الصحيح، وقسمه بين أصحابه؛ لأن هذا من خصوصياته - عليه الصلاة والسلام - لتمام المعجزة؛ لأن ذلك يقوي المعجزة والنبوة فاختص - صلوات الله وسلامه عليه - بالتبرُّك بشعره وبُصاقه، كما في الصحيح من حديث البخاري، كل ذلك من باب خصوصياته - عليه الصلاة والسلام - لا يشاركه فيها أحد - صلوات الله وسلامه عليه - ثم بعد أن رمى ونحر حلق رأسه، ثم نزل وطاف طواف الإفاضة في يوم العيد، ثم شرب من سقاية العباس، ثم صعد إلى منى وصلى بها الظهر، وهذا من بركة الوقت فإنك لو تأملت ذلك لما تيسر للإنسان أن يفعل بعض هذه الأفعال؛ إلا بعناء قبل الظهر، فضلاً أن يفعلها ثم يرجع ويصلي الظهر بمنى على الصحيح، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الثاني والأربعون:
ما حكم المبيت بمنى ليالي التشريق، وما هو الحد المعتبر للمبيت؟

الجواب:
المبيت بمنى ليالي التشريق يعتبر من واجبات الحج.
والدليل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخَّص للعباس من أجل سقايته، قال العلماء: "رخَّص للعباس" يدل على أن الأصل واجب، فلما قال رخص دل على أن الأصل واجب ولازم، فالمبيت واجب والعبرة بأكثر الليل.
وللعلماء تفصيل:
قال بعضهم: أكثر الليل عندي الثلث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الثلث والثلث كثير))، فإذا مضى عليه ثلث الليل فأكثر وهو بمنى، صح مبيته.
وقال بعضهم: العبرة بآخر الليل، ولو أصاب جزءًا نام فيه، فإنه قد بات فيه، وإن كان الأقوى والأشبه أن العبرة بأكثر الليل، فتقسم الليل ساعات الليل إلى نصفين، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر تقسمه إلى قسمين، ثم بعد ذلك تنظر إلى أكثرهما، فلو كان أربع ساعات فيصبح العبرة أربع ساعات ونيِّف، إن مضى عليه أربع ساعات وزيادة، وهو بمنى، فإنه قد بات؛ وإلا لزمه الدم، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الثالث والأربعون:
ما هديه - عليه الصلاة والسلام - في رمي الجمرات أيام التشريق؟

الجواب:
كان من هديه - عليه الصلاة والسلام - في أيام التشريق - كما في حديث جابر وغيره - أنه انتظر حتى زالت الشمس، فابتدأ بالصغرى ورماها بسبع حصيات، ثم أخذ ذات اليسار وقام قيامًا طويلاً يدعو ربه رافعًا يديه - صلوات الله وسلامه عليه - هذه من المواضع التي يشرع فيها رفع اليدين في الدعاء، فسأل وتضرع وسأل الله من فضله، ثم مضى ورمى الجمرة الوسطى بسبع حصيات، ثم أخذ ذات اليسار عنها ثم تضرع وسأل الله من فضله، كمثل وقوفه أولاً، ثم مضى إلى جمرة العقبة ورماها بسبع حصيات يكبر في كل حصاة، ثم بعد ذلك انصرف - عليه الصلاة والسلام - ولم يدعُ بعد جمرة العقبة، كما ذكرناه سابقًا، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الرابع والأربعون:
مَن رمى الجمرات منكسة فهل يصح رميه؟

الجواب:
من رمى الجمرات منكسًا لها فابتدأ بالعقبة، ثم انتهى بالصغرى، أو ابتدأ بالوسطى ثم رجع إلى الصغرى، المهم أنه لم يراعِ الترتيب؛ فإنه لا يصح رميه حتى يوقعه مرتبًا على الصفة المعتبرة شرعًا، وبناءً على ذلك يعتبر رميه في هذه الحالة، لو رمى منكسًا فانتهى بالصغرى فقد رمى الصغرى، فنقول له: ارجع وارمِ الوسطى ثم الكبرى؛ لأنه لما وقف على الصغرى ورماها، فقد صح رميه للصغرى وحدها؛ لأن الصغرى لا يشترط لها سبق رمي، ثم بعد ذلك يتبعها بالوسطى، ثم بالعقبة حتى ينتهي من رمي جمراته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خذوا عني مناسككم))، فهي عبادة مؤقتة بالصفة التي وردت عنه - عليه الصلاة والسلام - والله - تعالى - أعلم.


السؤال الخامس والأربعون:
من عجز عن رمي الجمرات لمرض أو كبر، ونحو ذلك مما يعتبر عذرًا في إسقاط الرمي عن الشخص، فهل يشرع له التوكيل؟

الجواب:
نعم يشرع له التوكيل إذا كان لا يستطيع الرمي، وكان شخصًا مثلاً قد عمل عملية ولا يستطيع أن يبرح مكانه، كما لو عملت له ليلة العيد أو نحو ذلك لا يستطيع أن يرمي، فمثل هذا له أن يوكل، وقد رمى الصحابة عن النساء والصبيان، على كلامٍ في هذا الحديث؛ ولكن الأصول تدل على صحة متنه؛ فإن التكليف شرطه الإمكان، فلما عجز عن هذا جاز أن يقوم الوكيل، ومن الأدلة التي تعتبر أقوى الأدلة على مشروعية التوكيل عند العجز، وهو ظاهر من السنة، أن العاجز لما أذِن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحج عن مَن عجز عن الحج، أو عن من مات فعجز عنه حقيقة، قالوا: إن هذا في التوكيل بكل الحج، فلأن يصح التوكيل بجزئه عند العجز من باب أولى وأحرى، والشرع ينبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على ما هو أعلى منه، كما هو معلوم في الأصول، والله – تعالى - أعلم.


السؤال السادس والأربعون:
هل يشترط في الوكيل أن يكون مُحرِمًا أو يصح رمي الحلال؟

الجواب:
لا يصح إلا رمي المحرِم؛ لأن الرمي عبادة لا تصح إلا من محرِم، فلا يوكل الحلال في رميه، والله – تعالى - أعلم.


السؤال السابع والأربعون:
هل يصح رمي الوكيل عن وكيله قبل رميه عن نفسه، وما الدليل؟
الجواب:
لا يصح رمي الوكيل قبل أن يرمي عن موكله، يبتدئ فيرمي عن نفسه حتى يتم الجمرات كلها، ثم يرجع ويرمي عن وكيله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة))، وهذا نص مطلق يشمل الكل والجزء، وعلى هذا فلا بد وأن يتم الرمي حتى ينتهي من جمرة العقبة، ثم يعود بعد ذلك لرمي وكيله، والله – تعالى - أعلم.


السؤال الثامن والأربعون:
من شك في وقوع الحصاة في الحوض فما حكمه؟
الجواب:
بنى على اليقين، فإذا كان شك هل وقعت أو لم تقع، فاليقين أنها لم تقع، حتى يتأكد من وقوعها، ولو شك هل رمى ثلاث حصيات أو حصاتين، فإنه يبني على اثنتين، وهكذا بالنسبة للأحوال الأخرى، والله - تعالى - أعلم.


السؤال التاسع والأربعون:
ما حكم التعجيل، وما شرط جوازه؟ وهل إذا هيأ رحله ومتاعه ولم يخرج من منى بسبب الزحام ونحوه، هل هو متعجل؟
الجواب:
التعجيل مشروع بنص القرآن، كما في آية البقرة: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، قال بعض العلماء: {لِمَنِ اتَّقَى} لمن: قصد وجه الله - عز وجل - لا السآمة ولا الملل من العبادة؛ بمعنى أنه اتقى الله - عز وجل - وقيل: {لِمَنِ اتَّقَى} أن المراد به أطاع أمره واجتنب نهيه، على أنه وصفٌ عام؛ وليس قيدًا في الحكم.
والتعجيل شرطه أن تغيب عليه شمس اليوم ما قبل الأخير وهو الثاني عشر، وقد خرج من منى، فلو هيأ رحله؛ بل لو حتى خرج بسيارته، ولم يخرج من حدود منى؛ فإن نص القرآن واضح في الدلالة على أنه غير متعجل.
وأما اجتهاد بعض العلماء وقولهم: بأنه يعتبر متعجلاً مع أنه في منى؛ لأنه شد رحله وركب سيارته، فهذا اجتهاد مع النص، وليس بدليل واضح، وظاهر الآية الكريمة - كما يقول الجمهور - يشترط أن يكون خارج منى؛ بمعنى أن يخرج برحله ومتاعه؛ لأن الله قال: {تَعَجَّلَ} وهذه صفة، والصفات معتبرة مفاهيمها، فالذي لم يتعجل هذا يعتبر شرط: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} وعلى هذا، هذه الصفة، وهي التعجل، يعتبر إذا تأخر لزحام أو غيره، لم يتعجل؛ لأنه تباطأ، ولو احتاط لنفسه فخرج مبكرًا لكان متعجلاً حقيقة، ولذلك قالوا: إنه يلزمه الرجوع، ويلزمه المبيت، وهذا هو الحق الذي تطمئن إليه النفس؛ لظاهر نص التنزيل.
وأما الاجتهاد فإنه لا يقوى في معارضة المنصوص من نص التنزيل، فلا بد أن تغيب عليه شمس اليوم وهو خارج جرمه عن منى؛ وإلا لزمه المبيت، والله - تعالى - أعلم.






مسائل الهدي وأحكامه




السؤال الخمسون:
ما هو السن المعتبر لهدي التمتع والقران؟

الجواب:
لا يجزئ إلا الثني من بهيمة الأنعام من الإبل، والبقر، والغنم، ويجزئ في الضأن ما كان من الجذع، وهو الذي تم له أكثر السنة، قال بعض العلماء: أكثر من ستة أشهر.
وقال بعضهم: أكثر العام، والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف المرعى، وباختلاف أحوال البهائم، ولا يجزئ ما كان دون ذلك، ومن هنا قال العلماء: شروط الهدي كشروط الأضحية، فلا بد أن تكون في المعز قد تمت سنة ودخلت في الثانية، فإذا كانت دون سنة، لا يجزئ في المعز أن يهدي بها في تمتع ولا قران، وهكذا في الدماء الواجبة.
وأما بالنسبة للبقر فما تمت له سنتان ودخل في الثالثة، وأما الإبل فما تمت له أربع سنوات ودخل في الخامسة، هذا هو المعتبر في بهيمة الأنعام، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الحادي والخمسون:
هل تعتبر البقرة والناقة في الهدي عن سبع؛ كما في الأضحية، أو تجزئ عن واحد؟
الجواب:
نعم تجزئ عن السبع، ولو اختلفت الدماء، فلو أن سبعة تمتعوا واشتركوا في بدنة، فلا إشكال، ولو أن سبعة، اثنان منهم يريدانها أضحية، والخمسة يريد اثنان منهم عن تمتع، وثلاثة عن قران؛ لا حرج، سواء اتفقوا في الموجب أو اختلفوا، كل ذلك يجزئ فيه التعدد عن سبعة في البدنة والبقرة، على ظاهر حديث جابر - رضي الله عنه وأرضاه - في الصحيح من إجزاء البدنة عن سبعة، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الثاني والخمسون:
إذا لم يتيسر لي ذبح هدي التمتع أو القران بمنى، وذبحته بمكة أو خارج مكة، فما الحكم مع الدليل؟

الجواب:
يجزئ أن تذبح في مكة كلها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نحرت ها هنا، وفجاج مكة وشعابها كلها منحر))؛ فمكة كلها يجزئ أن ينحر الإنسان فيها وأن يذبح هديًا، سواء كان لتمتع أو قران، والله - تعالى - أعلم.
السؤال الثالث والخمسون:
إذا لم يتيسر لي الهدي في التمتع، ولم أتمكن من صيام ثلاثة أيام قبل يوم عرفة، فما الحكم؟
الجواب:
إذا لم يتيسر لك الصيام قبل يوم عرفة، تصوم أيام التشريق الثلاثة، فإذا لم تتمكن لا في هذه ولا في هذه؛ فيجزئك أن تصومها، سواء صمتها بعد حجك مباشرة والبقية تتمها في بلدك، وهي السبع على ظاهر التنزيل، فالثلاث مخير بين أن تتعجلها قبل وصول البلد وبين أن تتم العشرة في بلدك، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الرابع والخمسون:
أريد التمتع وليس معي من المال إلا ما يكفي لشاة واحدة، فهل الأفضل أن أجعلها للتمتع، أو للأضحية وأصوم عن التمتع؟
الجواب:
أولاً: إذا كنت قد أحرمت بالعمرة وأديت العمرة، وكان تمتعك على هذا الوجه، فبعض العلماء يستحب أن تجعل شاتك للأضحية وأن تحج مفرِدًا؛ وذلك لأن حج الإفراد من الحجج المعتبرة، وحديث عروة بن مُضَرِّس يدل على أن فسخ الحج بالعمرة ليس بواجب، وأنه يجزئ الإفراد حتى بعد وفاته، وقد حج بالإفراد أبو بكر، وعمر - رضي الله عنه – وعثمان - رضي الله عنهم - ثلاثة أئمة خلفاء راشدون كلهم ما حجوا إلا إفرادًا، فإذا كان الإنسان يريد أن يترك الأضحية في بيته، فيكون حينئذ قد أصاب فضيلة هذه الأضحية، خاصة وأن لها وجهًا من الوجوه، وهو القول الراجح، فبدل أن ينصرف إلى التمتع المخير ويترك الواجب عليه، فالأفضل أن يصرفها إلى الأضحية ثم يتمتع.
وأما إذا كان لم يعتمر، وأراد أن يجمع عمرته وحجه، فحينئذٍ يجعل هديه للتمتع، ولا يجزئه أن يصرفه إلى الأضحية ويصوم العشرة، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الخامس والخمسون:
هل يجوز لي الأكل من هدي التمتع والقران؟ وما الدليل؟
الجواب:
نعم يشرع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، وطبخ له من مرق الإبل التي نحرها وأهداها - صلوات الله وسلامه عليه - والله - تعالى - أعلم.


السؤال السادس والخمسون:
ما حكم طواف الوداع، وهل يسقط عن الحائض والنفساء مع الدليل؟
الجواب:
طواف الوداع واجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافًا))، وأما الحائض والنفساء رخص لهما كما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة: "إلا أنه رخص للحائض والنفساء"، وفي حديث صفية: ((عَقْرَى حَلْقَى، أحابستنا هي؟!))، ثم قال: ((ألم تكن طافت يوم النحر))، قالوا: نعم، قال: ((انفري إذًا))؛ فهذا يدل على أن الحائض والنفساء لا يتأخران لطواف في الوداع، والله - تعالى - أعلم.


السؤال السابع والخمسون:
ما حكم طواف الإفاضة، ولو تركه الإنسان وسافر إلى بلده ولم يطفه فما الحكم؟
الجواب:
طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - على ركنيته لقوله - تعالى -: {ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، أجمع العلماء - رحمهم الله - على أن المراد بالطواف في هذه الآية طواف الإفاضة، وأنه لا يمكن أن يحكم باعتبار الحج إلا بطواف الإفاضة، وأنه لو رجع إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة، فلا يزال طواف الإفاضة معه إلى الأبد، ولو رجع بعد سنوات فيلزمه أن يرجع إلى هذا الطواف، ولذلك يبقى بطواف الإفاضة، فلو أصاب أهله فهناك قضاء لبعض السلف، أنا أتوقف في هذه المسألة، قالوا فلو أصاب أهله يحرم بعمرة، ثم يبدأ ويطوف طواف الإفاضة، ثم بعد ذلك يطوف ويسعى لعمرته، ثم بعد ذلك يهدي، هذا قضاء بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ويؤثر عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عن الجميع - والله - تعالى - أعلم.


السؤال الثامن والخمسون:
ما حكم الحائض والنفساء إذا لم تتمكن من طواف الإفاضة، وأصابها الحيض والنفاس، وخافت فوات الرفقة؟
الجواب:
يلزمها البقاء حتى تطوف طواف الإفاضة، طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، ولو أنها تعطلت لأمور شخصية لتعطلت، ولو كانت لأمور علاجية لجلست، ولكن لركن الحج ولفريضة الله - عز وجل - فإننا نلتمس الرخص، فإلي الله المشتكى! هذا الركن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: ((عقرى حلقى أحابستنا هي؟!))، هذا نص صحيح صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله: ((أحابستنا)) يقول العلماء: لأنه لا يخرج حتى تطوف، وإذا كان هو لا يخرج؛ فالمائة ألف من الصحابة لا يخرجون حتى يخرج، فقال: ((أحابستنا))؛ أي هذه الأمة كلها ستحبس حتى يطاف طواف الإفاضة، ثم بعد ذلك يرخص لها أن تتلجم، وأن تدخل وتطوف وهي حائض وهي نفساء، يقولون للضرورة، ولذلك مذهب جمهور العلماء، وهو الأرجح خلافًا للحنفية الذين يقولون إن الطهارة ليست بشرط في الطواف، فيرخصون لها أن تطوف، ولو كان معها الحيض والنفاس، ويقولون: لا حرج عليها أن تتلجم وتطوف، ولو كان الأمر كذلك لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عقرى حلقى أحابستنا هي؟!))، لكان الأمر يسيرًا، ولم يَحتجْ إلى هذا الأمر الذي فيه التهويل: ((أحابستنا هي؟!))، ويقول: ((عقرى حلقى)) تقول العرب: عقرى؛ أي عقرها الله، وحلقى؛ أي حلقها الله، وهذا لا يريد به النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء عليها؛ وإنما هو سياق تهويل وتعظيم، يدل على لزوم هذا الطواف، ولو كانت حائضًا أو نفساء؛ لكن لو خافت فوات الرفقة تذهب ثم ترجع بعد ذلك وتطوف طواف الإفاضة.
أما أن تطوف وهي حائض، فإن مذهب جمهور العلماء أنه لا يجزئها هذا الطواف، ووجوده وعدمه على حد سواء؛ إلا في حالة إذا استفتت من يرى أنه لا يشترط لها الطهارة وطافت، فيجزئها ذلك إذا استفتت عالمًا يرى عدم الطهارة، كما هو مذهب الحنفية ومن وافقهم، فإنها تتعبد الله بما استفتت، وهو قول طائفة من الأئمة والعلماء - رحمة الله عليهم - لكن الذي يظهر من السنة، والأقوى حُجة أنه لا بد من طوافها، والله - تعالى - أعلم.


السؤال التاسع والخمسون:
هل يسقط طواف الوداع عن أهل جدة ومَن كان دون مسافة القصر، وهل صحيح ما يفعله بعض أهل جدة من الرجوع إلى جدة بعد الحج، ثم يذهبون بعد الزحام لطواف الوداع؟
الجواب:
أما بالنسبة لطواف الوداع فيلزم أهل جدة، ومن أهل العلم من قال: يسقط طواف الوداع عن من كان دون مسافة القصر، ويرون أن من كان دون مسافة القصر؛ كأنه كانوا من أهل مكة، وهذا اجتهاد ورأي.
والصحيح ما ذهب إليه طائفة من العلماء أن طواف الوداع يشمل كل مَن كان خارج مكة، ولو كان من أهل الجموم؛ لأن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات"، قالت: "كان الناس" فعممت، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((اجعلوا آخر - وهذا عامٌّ - عهدكم بالبيت طوافًا))، وعلى هذا كل من خرج من مكة، سواء كان قريبًا منها دون مسافة القصر، أو فوق مسافة القصر؛ فإنه يطوف طواف الوداع، ويتخرج على القول الذي يشترط مسافة القصر، أن أهل جدة لا يطوفون طواف الوداع، وهو كما تلاحظون مبني على الرأي والاجتهاد، والصحيح أن طواف الوداع يشرع لمن كان دون مسافة القصر وغيره؛ لعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافًا)) فيلزمهم.
أما ما ذكر في السؤال من كون البعض يرجع إلى جدة بعد الحج، ثم بعد ذلك يعود حتى يخف الزحام، ويرجع ويطوف طواف الوداع لا شيء عليه إلا دم فقط؛ لأنه فوت الواجب، يقول العلماء: من بلغ أهله قبل أن يطوف طواف الوداع؛ فقد لزمه الدم، رجع أو لم يرجع؛ بل قال بعض العلماء: من خرج من حدود مكة لزمه الدم، سواء رجع أو لم يرجع، فطواف الوداع يشترط فيه أن لا يفارق مكة حتى يطوف طواف الوداع، وبناءً على ذلك فإنه لا يجوز هذا الفعل، والله - تعالى - أعلم.


السؤال الستون:
ما علامات الحج المبرور؟
الجواب:
أما علامة الحج المبرور، فالبر في الأصل هو كل عمل صالح يحبه الله ويرضاه، والحج المبرور له دلائل وعلامات، ومن أول هذه الدلائل والعلامات انشراحُ الصدر الذي يكون قبل الحج، أن ينشرح صدر الإنسان لأداء هذه الطاعة والقربى، وتظهر الدلائل من أول لحظة وهو يتلبس بهذه العبادة الجليلة، فلا يخرج من بيته رياء ولا سمعة، ويتمنى أن حجه بينه وبين الله، لا تراه عين، ولا تسمع به أذن، فإذا نظر إلى قلبه مخلصًا لربه، فليعلم أن ذلك من بشائر القبول من أول لحظة يجدها.
ثانيًا: انشراح الصدر لذكر الله - عز وجل - واستشعار هذه العبادة في مواطنها ومواضعها المختلفة، فالإنسان إذا خرج في حجه نظر كيف أن الله اختاره من بين الأمم، فحمد الله وشكره وهلله وكبره وذكره، وأثنى عليه بما هو أهله، فاطمأنت نفسه أن الله ما أخرجه من بيته إلا وهو يريد به الخير، يريد أن يرحمه، ويغفر ذنبه، ويستر عيبه، ويفرج كربه، وأن يجود عليه من إحسانه؛ وإلا لثبطه ولجعله مع المخلفين، فإذا مضى في حجه وطاف، استشعر وهو يطوف أنه يطوف فعمَّر وقته بذكر الله، وتلاوة القرآن، والتسبيح والاستغفار والتلبية، ولا يفتر عن التلبية مهما استطاع لذلك سبيلاً، ولقد عهدت بعض العلماء - رحمة الله عليهم - غالبًا لا يفترون عن التلبية، وإذا لبوا بكوا حتى إن البعض ذكر لي عن بعض العلماء - رحمة الله عليهم - الفضلاء الذين حج معهم، يقول: يسأل ويقول كلما ذكرت نعمة الله أن اختارني من بين الناس أبكي، أقول: لبيك مجيبًا لك بتوفيقك ورحمتك وإحسانك وفضلك وأنت أرحم الراحمين، فالإنسان إذا استشعر في عبادته وخشع وخضع وأناب وأحس أنه مقبل على الله، فذلك من بشائر البرور.


كذلك من دلائل البرور في الحج العمل الصالح؛ بالإحسان إلى المسلمين، وتفقد ضعفة الحجاج، ترى جائعًا تطعمه، ترى فقيرًا تعطيه، ترى عاريًا تكسوه، ترى محتاجًا تسد حاجته، ومكروبًا تفرج كربته، وترى أنهم إخوانك، وأن الله جمعك بهم حتى ترحمهم وتتواصل بهم، لا تتكبر عليهم، أسودهم وأبيضهم، أحمرهم وأصفرهم، عربهم وعجمهم في عينك سواء، تحبهم في الله ولله، وترى كبيرهم كالأب، وصغيرهم كالابن، ومن في سنك كالأخ، تعطف عليهم وترحمهم وتحمد الله - عز وجل - أنه جمعك بهم على طاعة الله ومحبة الله، وانظر إلى عظمة الله، فتقول لا إله إلا الله حينما تنظر إلى رجل من أقصى الشرق، ومن أقصى الغرب قد جعل الله كتفك إلى كتفه في هذا المكان، وهو من أقصى الشرق وأقصى الغرب، قد جاء الله به هنا إلى رحمته وعفوه، ومنه ولطفه فتزال هذه المواقف لا تزال تزيد من إيمانك، العطف على الناس في الحج من بر الحج، وقد جاء في حديث أحمد والطبراني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بر الحج فقال: ((إطعام الطعام، وإفشاء السلام)).
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيِّه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.71 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]