عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12-01-2020, 03:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ختم الآيات بالأسماء والصفات الإلهية

ختم الآيات بالأسماء والصفات الإلهية


دراسة تحليلية


محمد شلبي محمد




المبحث الخامس: ختم الآيات بالأسماء والصفات للترهيب:
تأتي الأسماء الإلهية مختومًا بها للترهيب مِن فعلٍ ما، بالتذكير بأثر هذه الأسماء الذي يقتضي ما يرهب وقوعه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 227]، حيث يُلمَح فيه معنى التهديد، ففي قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾: "تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المُضارَّة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخُذُها الأحكام، ولا يمكن أن يصلَ إلى عِلمَها الحُكَّام" [28].

ومنه قوله تعالى: ﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ [المائدة: 99]، فإن: "هذا من الله تعالى ذِكرُه تهديدٌ لعباده ووعيد" [29]؛ فهو تهديد للكافر والضالِّ الذي يُبدِي ويعلَمُ الله، وتهديدٌ للمنافق الذي يكتُمُ ويعلَمُ الله، وعِلمه تعالى مُقارِن لقدرته؛ فهو يُهلِك مَن يستحق، ويُنجي مَن يستحق.

وكثيرٌ من الآيات المختومة بصفة العلم وما هو في معناه يأتي الختمُ بها للتحذير والترهيب من الوقوع فيما يقتضي إجراءَ أثَرِ الانتقام على الفاعل المستحق؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 53]، وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ [فصلت: 40]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144].

وقد يأتي التهديدُ بأثَرِ صفة الربوبية؛ كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 6]، فذلك: "تهديد شديد ووعيد أكيد" [30]؛ ولذلك فُسِّر بالحساب، فقوله: ﴿ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾؛ أي: "لأمره أو لجزائه وحسابه" [31]؛ فالتذكيرُ بالحساب تهديد للمُطفِّف أن يقعَ عليه أثرُ ربوبيته تعالى التي تقتضي انتقامَه ممن عصاه، وإذلالَه لِمَن تكبَّر على أمره.

وقد ترِد الصفة فيفهم من سياقها التهديدُ على خلاف الظاهر؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ [الانفطار: 6]، فهذا: "تهديد، لا كما يتوهمه بعضُ الناس من أنه إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال: ﴿ الْكَرِيمِ ﴾ حتى يقول قائلهم: غرَّه كَرَمه، بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم؛ أي: العظيم، حتى أقدمتَ على معصيته، وقابلتَه بما لا يليق" [32]، وبَيَّن وجه الإتيان بالكريم دون سائر الصفات لينبه على أن الكريمَ لا ينبغي أن يقابَلَ بالفعل القبيح [33]، فهو من باب: اتَّقِ شرَّ الحليم إذا غضب.

المبحث السادس: ختم الآيات بالأسماء والصفات للاحتراز:
وتأتي الأسماءُ الإلهية في ختم الآيات لمعنى الاحتراز عن فَهْم ما يخالف أثرها الواجب، فيخالف ذلك الكمال الواجب، ومنه قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ [الشورى: 19]، فقد: "عطفَ ﴿ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ على صفة ﴿ لَطِيفٌ ﴾، أو على جملة ﴿ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ﴾، وهو تمجيد لله تعالى بهاتينِ الصِّفتين، ويُفيد الاحتراس مِن توهُّم أن لُطفَه عن عجز أو مصانَعة؛ فإنه قويٌّ عزيز لا يعجِز ولا يصانع" [34].

ومما يؤكد هذا المعنى أن اللُّطف والرِّزق لا يناسبهما التعليلُ بالقوة والعزة، وليس موضع الاسمين هنا التهديد ولا الترغيب ولا الترهيب، وإنما هما احتراسٌ عن فَهْم ما لا يليق، وكذلك يحترس الأنبياءُ بالأسماء والصفات الإلهية في خطابهم عن آثار صفات الله تعالى، ومن ذلك: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]، فالمعنى: "إن مغفرتَك لهم مصدرُها عن عزةٍ هي كمال القدرة، لا عن عجزٍ وجهل" [35].

المبحث السابع: ختم الآيات بالأسماء والصفات لمناسبة دلالة الأثَر:
ومن ذلك ما جاء تعليقًا على معجزة عُزَيرٍ ومعجزة إبراهيم عليه السلام، فاختلف الاسمُ المختوم به مع اتِّفاق الموقفينِ في إحياء الموتى، فمع عزير قال تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 259]، ومع إبراهيمَ عليه السلام، قال تعالى: ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260].

فجاء الختمُ باسم القدير دلالةً على صفة القدرة اعترافًا من عُزَير؛ إذ كان المراد جعله آيةً للناس، فاقتضاه إحياؤه وإحياء الميت أمامه إلى استدعاء الصفة التي تناسبه وتخاطب العامة، وهي القدرة.

أما مع إبراهيم عليه السلام، فجاء الختم باسميه: العزيز الحكيم، دلالةً على صفة العزَّة والحِكمة، وهما إعلامٌ من الله تعالى، لا اعترافًا من إبراهيم؛ لأنه لم يشكَّ أصلاً ليعترف، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إِبْرَاهِيمَ)) [36]، إن تطرَّق الشك إليه - وهو الخليل - تطرَّق إلينا نحن بالأَوْلى، وهو من أدبه صلى الله عليه وسلم، وفسَّر العلماء سؤالَ إبراهيم بأنه: "أراد الطمأنينة بعِلم كيفية الإحياء مشاهدةً بعد العِلم بها استدلالاً" [37].

فالطُّمأنينةُ السَّكينة والرَّاحة عند حصول المطلوب، والنفس التي تعلم تُحصِّل ذلك حين ترى، ثم إن إبراهيمَ عليه السلام لَم يسأل بـ: "هل"، وإنما سأل بـ: "كيف"، وحَكْيُ القرآن سؤالَ الله له جاء لتأكيد إيمانِ إبراهيمَ عليه السلام، لا للتشكيكِ فيه.

وقد بيَّنَّا أن اسمَه تعالى الحكيمَ يأتي مع اسمه العزيزِ بمعنى الحُكم لا بمعنى الحِكمة، فجاء الختمُ لمعنيينِ أرادهما اللهُ تعالى؛ الأول: أن الله تعالى يُحيي الموتى على هذه الكيفية بعزَّته؛ أي: بقوَّتِه وقدرته، وهذا مشابهٌ للختم مع عُزَير، والثاني: أنه يُحييهم لحُكمه؛ أي: يحييهم ليحكُمَ بينهم، وهذا معنًى زائدٌ على معنى معجزة عُزَير.

والغرض: تقرير أن دلالةَ الإحياء باعتباره أثرًا للأسماء والصفات مع عُزَير خالَفَت دلالتها مع إبراهيمَ عليه السلام؛ ولذلك خالَف الختمُ في الأُولى الختمَ في الثانية.


والخلاصة:
أن ختمَ الآيات بالأسماء والصفات له تعلُّق بالأثَر، ومن الآثار التي تأتي مع الأسماء والصفات الإلهية في ختم الآيات:
الآثار الكونية: ومن ذلك ما يتعلَّقُ بإيجادها وحِفظِها وتصريفها.
الآثار الشرعية: ومن ذلك ما يتعلق بالأحكام وجزاء التكليف الشَّرعي.

وهناك علاقات بين الأسماء وآثارِها في ختم الآيات، منها:
التعليل: كتعليل الأحكام الشرعية بالأسماء والصفات، وتعليل الجزاء، وتعليل أفعال الله تعالى التي مرجِعُها مشيئتُه، واستحقاقه التَّنزيهَ والإفراد بالعبادة.

الشرطية: حيث تأتي الأسماءُ مأتى جملة الشرط، وتأتي مأتى جواب الشرط.

التقرير: وذلك حين يكون الأثر مقتضاها، فتأتي حينئذٍ مقرِّرة مؤكِّدة صدورَ الأثَرِ عن هذه الصفة.

كما تأتي للترغيب والترهيب، والاحتراز، ومناسبة دلالة الأثر.


[1] ابن القيم: جلاء الأفهام، ص: 93، دار الطباعة المحمدية بالأزهر.

[2] القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (6/ 5350)، دار الغد العربي.

[3] أبو السعود: محمد بن محمد العمادي: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: (3/ 35)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، "بدون تاريخ".

[4] البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل (3 / 130)، دار الفكر - بيروت.

[5] ابن القيم: جلاء الأفهام، ص: 95، دار الطباعة المحمدية بالأزهر.

[6] د. تمام حسان: البيان في روائع القرآن: (1/ 407)، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مكتبة الأسرة.

[7] السابق: نفس الصفحة.

[8] الجزائري: أبو بكر جابر: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير: 1013، ط: 1، 1423 هـ - 2002م، مكتبة لينة، دمنهور.

[9] القاسمي: محمد جمال الدين: محاسن التأويل: (7/ 343)، تحقيق: حمدي صبح، أحمد علي، ط: 1، 1424 هـ - 2003م، دار الحديث.

[10] البقاعي: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر: نظم الدُّرَر في تناسُب الآيات والسور: (8/ 318)، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، بغير تاريخ.

[11] القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ( 6 / 5583)، دار الغد العربي.

[12] ابن عاشور: محمد الطاهر: التحرير والتنوير: (28/ 260)، الدار التونسية للنشر.

[13] الرازي: أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي: مفاتيح الغيب: (28/ 235)، ط: 1، 1401 هـ - 1981 م، دار الفكر - بيروت.

[14] القاسمي: محمد جمال الدين: محاسن التأويل: ( 6/ 98)، دار الحديث - القاهرة.

[15] ابن القيم: زاد المعاد: (5/ 244)، ط: 2004، مؤسسة الهدى.

[16] البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1 / 499)، دار الفكر - بيروت.

[17] أبو السعود: محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: (1/ 181)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، "بدون تاريخ".

[18] القاسمي: محمد جمال الدين: محاسن التأويل: ( 5/ 339).

[19] تمام حسان: البيان في روائع القرآن: (1/ 413).

[20] القاسمي: محمد جمال الدين: محاسن التأويل: ( 3/ 294).

[21] أبو السعود: محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: (1/ 142).

[22] السابق: (1/ 79).

[23] السابق: البقرة: (1/ 273).

[24] البقاعي: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: (5/ 425)، دار الكتاب الإسلامي.

[25] ابن القيم: جلاء الأفهام، ص: 93، 94، دار الطباعة المحمدية بالأزهر.

[26] البقاعي: نظم الدرر: (9/ 361)، دار الكتاب الإسلامي.

[27] البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1 / 512)، دار الفكر - بيروت.

[28] القاسمي: محمد جمال الدين: محاسن التأويل: ( 2/ 173).

[29] الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن: (11/95).

[30] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (3/ 273)، مكتبة الإيمان بالمنصورة.


[31] ابن الجوزي: عبدالرحمن بن علي بن محمد: زاد المسير في علم التفسير: (9/ 53)، ط: 3، 1404 هـ، المكتب الإسلامي - بيروت.

[32] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ( 8/ 193).

[33] السابق: نفس الصفحة.

[34] ابن عاشور: محمد الطاهر: التحرير والتنوير: (25/ 73)، الدار التونسية للنشر.

[35] ابن القيم: شفاء العليل، ص: 442، دار الحديث - القاهرة.


[36] صحيح: رواه البخاري، ك: أحاديث الأنبياء، ب: باب قوله عز وجل: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الحجر: 51]، ح: 3192، ومسلم، ك: الإيمان، ب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، ح: 151.

[37] النووي: شرح صحيح مسلم: (2/ 184)، ط: 2، 1392هـ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.28%)]