عوامل النصر والهزيمة في ضوء القرآن الكريم
د. أنور صالح أبو زيد
سادسها: دراسة أسباب سقوط الدول عبر التاريخ[21]:
فعندما يحدثنا التاريخ عن (برابرة التتار) وغارتهم الكاسحة التي خرَّبت بغداد، وقتلت أكثر من مليون مسلم - حسب رواية ابن كثير والسيوطي - فلم يسلم من القتل إلا من اختفى في بئر أو قناة! وقتل الخليفة رفساً وركلاً بأقدام التتار، وجرى النهر أربعين ليلة أحمر اللون من كثرة ما أريق فيه من دماء المسلمين!!
فهل كانت قوة التتار وحدها هي السبب وراء هذه المذبحة؟ أم أن الخيانة والتآمر من ابن العلقمي وبطانة السوء من جانب، وضعف الأمة من جانب آخر، هو السبب المباشر والأقوى؟
إن ابن كثير يحدِّثنا أمراً عجيباً عن جندي تتريٍّ أراد قتل مسلم، ولم يكن معه - أي: التتري - سلاحٌ؛ فقال للمسلم: "ابقَ هنا، لا تتحركْ"؛ فبقي المسلم - بسبب الهزيمة الداخلية - حتى غاب الجندي التتري، ثم عاد وبيده السلاح، فذبحه!! هكذا، لم يُبْدِ المسلم أدنى مقاومة، حتى لو كانت هذه المقاومة هي مجرد الفرار!!
بل إنَّ ابن كثير - رحمه الله - يحكي لنا قصة أخرى أقسى وأكثر دلالة على أن من يهزمه عدوَّه من داخله لا يبقى أمامه إلا أن يصفِّي ساحة المواجهة معه من فلوله العاجزة المذعورة، دون جهد أو تعب؛ يحكي لنا ابن كثير: أن مُلَثّماً من جنود التتار دخل خاناً فيه الكثير من المسلمين، فبدأ في قتلهم، وهو واحدٌ وهم كثرة، وهم لا يفعلون شيئاً إلا أن يسلِّموا رقابهم للذبح، حتى رأى أحدهم أنَّ مَنْ يقوم بقتل الجميع هي فتاة ضعيفة!! هنا - وهنا فقط!! - اجتمعوا عليها فقتلوها!![22]
ويتساءل المرء: ما الفرق بين أن تكون فتاة ضعيفة أو رجلاً قويّاً في مواجهة هذه الكثرة من المسلمين؟
ولكنه الوهن والهزيمة الداخلية، التي تُوجِدُ في النفوس الرهبة والخوف، فتشلها عن المواجهة، وتُقعدها عن المجاهدة، فتلقي بسلاحها قبل أن تبدأ المعركة.
كذلك ونحن نطالع المحاق الأندلسي لنقف على أسبابه:
فنجد أنه قد ظهرت القابلية للسقوط في الأندلس على مستوى الفرد والأمة، بدايةً من التناحر والصراع على السلطة، وإقامة الكيانات الطائفية الصغيرة، والاستعانة بأعداء الله لحماية تلك الكيانات الهزيلة.
وكانت هذه الأسباب - وغيرها من الأسباب التي نشأت في داخل الأمة - هي التي أعطت إشارة العمل والقوة لأعداء الأمة، فقاموا بتفريغ كل حقدهم الكاثوليكي على الإسلام والمسلمين، ومن ثمَّ: سقطت الأندلس، وشهد المسلمون هناك العمل المتواصل لإزالة كل ما هو إسلامي.
أمّا نحن؛ فقد علمتنا الأندلس "المعادلة الصحيحة في تفسير التاريخ: خروجٌ على سنن الله، إمهالٌ نسبيٌّ من الله، قد يغرى الخارجين على تلك السنن بالتمادي، ثم تتجمع عوامل الفناء لتكوِّن عامل إغلاق لباب العودة، إبادةٌ وموتٌ في صورة مجموعة من الكوارث"[23]تلك الكوارث التي تمثل النتيجة الحتمية لمقدمات موت الأمة، ووصولها إلى الطريق المسدود في حركتها داخل التاريخ.
سقوط آخر خلافة:
الدارس لسقوط الخلافة العثمانية على يد الطاغية (كمال أتاتورك) يوقن أن هذا الرجل لم يكن يملك قوة خارقة، أو يستند إلى قوة لا تقهر تمكِّنه من إسقاط ذلك الكيان، وإنما كان السقوط بسببٍ داخلي، هو الشيخوخة السياسية لدولة الخلافة، بسبب الاستبداد والشلل العلمي، بسبب إغلاق باب الاجتهاد، اللَّذين أدَّيا إلى تسكير الأبصار وتوقف الاعتبار، مما جعل الأمة عالةً على غيرها؛ فعاش كلُّ فرد فيها همّه الفردي في الطعام واللباس والمسكن، ومن ثمَّ تحولت الأمة إلى أمة ميتة، لم يدلنا على موتها إلاَّ (كمال أتاتورك) الذي قام بدور دابة الأرض، كما حصل ذلك في قصة موت سليمان عليه السلام: ï´؟ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَاًكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي العَذَابِ المُهِينِ ï´¾ [سبأ: 14].
وهكذا حال كل أمة ميتة؛ قد تبقى زمناً دون أن تسقط؛ لأنها "تتكئ على منسأتها من أجهزة الأمن، فيخيل للرَّازحين تحت ظلمها أنها حية قائمة، فإذا بعث الله عليها عناصر مقاومة من الداخل، أو قوة غازية من الخارج، فتأكل منسأتها؛ فتخرُّ ساقطةً، وحينئذ يتبيَّن الرازحون تحت ظلمها أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين"!![24].
ويمكن إرجاع عوامل سقوطها إلى التالي[25]:
البعد عن منهج الإسلام، الذي من مظاهره:
1 - تعلُّق علية القوم وطبقات المجتمع بالنزعات الصوفية.
2 - مظاهر الترف.
3 - كثرة الجواري من أجناس مختلفة، ومنهنَّ اليهوديات والنصرانيات، وكان لهنَّ دورٌ كبيرٌ في تدبير المؤامرات.
إخفاق محاولات الإصلاح في أواخر عهد الدولة:
والمقصود بذلك الإصلاح المبني على أسس إسلامية، لكن الغلبة كانت لتيار آخر، نادى بالإصلاح على أسس غربية، تلك الفكرة التي تبناها فؤاد باشا (وزير الدولة).
تعدد العناصر، وتنوع الملل، وظهور الحركات القومية:
فقد كانت الدولة العثمانية تضمُّ عناصر كثيرة، وقوميَّات متعددة، مختلفة الأديان، متشعِّبة المذاهب، بسبب اتساع رقعتها، وكان هذا التنوع مصدر قلق للدولة في مرحلة ضعفها، ولعل أخطر إجراء سمح به العثمانيون: هو إعطاء الدول الأجنبية حقَّ حماية الأقليَّات في الأراضي العثمانية، فكانت امتيازات الحماية سبباً مباشراً للتدخُّل الأوروبي في مصالح الدولة العثمانية.
وأما الحركات القومية؛ فقد "استغل اليهود بعض مفكري العرب - وأكثرهم من النصارى - لإبراز مساوئ الخلافة، وقد اعترف مؤرِّخو النصارى من العرب أنَّ الروَّاد الأوائل لحركة القومية العربية كانوا من النصارى، وأنهم تعاونوا مع (الماسونية) ومحافلها في المشرق"[26].
الحركات الباطنية:
حيث كانت الدولة (الصَّفوية) الشِّيعية في فارس شوكةً دامية في جوار الدولة العثمانية، خاصةً أيام (إسماعيل الصَّفوي) الذي كان يطمح إلى تأسيس امبراطورية رافضيَّة في العالم الإسلامي؛ فكان يشغل العثمانيين عن متابعتهم فتوحاتهم في أوروبا.
كذلك ثورات (الدَّروز) في لبنان وجبل حَوْران، كذلك (النُّصَيْريِّين)، وكانت تعتبرهم الدولة طائفةً نشازاً، ليسوا مسلمين ولا أهل ذمة؛ لذ لم تدخلهم في إطار (نظام الملل) الذي شرعته، وكانوا عوناً للدولة الصَّفوية ضد العثمانيين.
الغزو الفكري والعسكري:
أما الغزو الفكري؛ فيتمثل في كثرة المدارس الأجنبية في الدولة العثمانية، ناهيك عن نشاط حركة الاستشراق والتنصير في استانبول ومدن الشام.
أما الغزو العسكري والاستعماري؛ فكان يخطَّط له منذ أمد بعيد، انتقاماً لسقوط القسطنطينية، وكان ذلك بالتعاون مع جمعيات (الماسون) السرية، وعصابات يهود الموتورة.
مطامع الحركة الصهيونية ودسائس اليهود:
فهذه العوامل المتقدِّمة منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، ومَنْ يرى الحياة من خلال واقعه، وليس من خلال أمانيه يدرك أن واقع أمتنا لا يخرج عن أن يكون النتيجة البدهية للمقدمات التي صغناها نحن بأيدينا، وأنه لو زالت أمامنا كل عقبة خارجية تحول بيننا وبين التغيير، لما أمكننا أن نصنع شيئاً قبل أن نغير ما بأنفسنا وداخل أمتنا، وندرك - دون لَبْس أو غموض أو إيهام - الإجابة الشافية على السؤال التالي:
متى تبدأ هزائم أمتنا؟
إن سنَّة الله التي تحكم قيام الأمم أو سقوطها هي أن السقوط والهزيمة نتيجة تتكرر كلما جاء سببها، وهو الوهن الداخلي.
لقد فطن لتلك السنَّة أعداء أمتنا؛ بل وتحركوا من خلالها قديماً وحديثاً:
حكمة ملك الصين:
أرسل (يزدجرد) كسرى الفرس إلى ملك الصين، يطلب منه العون والنجدة بعد هزيمته في معركة (نهاوند)؛ فقال ملك الصين لرسول كسرى: قد عرفتُ أن حقّاً على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصِفْ لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم؛ فقال رسول يزدجرد: سلني عمَّا أحببت.
ملك الصين: أيوفون بالعهد؟
رسول يزدجرد: نعم.
ملك الصين: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟
رسول يزدجرد: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم، فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمَنَعة، أو المنابذة.
ملك الصين: فكيف طاعتهم أمراءهم؟
رسول يزدجرد: أطوع قوم لمرشدهم.
ملك الصين: فما يُحلُّون وما يُحرِّمون؟.. ويخبره رسول يزدجرد.
ملك الصين: أيحرِّمون ما حلَّل لهم، أو يحلون ما حرَّم عليهم؟
رسول يزدجرد: لا.
ملك الصين: فإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يحلُّوا حرامهم، ويحرّموا حلالهم.
ثم كتب ملك الصين كتاباً إلى يزدجرد، جاء فيه: "إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوَّله بمَرْو وآخره بالصين الجهالة بما يحقُّ عليَّ، ولكنَّ هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يطاولون الجبال لهدُّوها، ولو خُليَّ سربهم أزالوني، ماداموا على ما وصف، فسالِمْهم، وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهيِّجهم ما لم يهيِّجوك[27].
هذه هي حكمة ملك الصين: "إن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يُحلّوا حرامهم، ويُحَرّموا حلالهم"..
إن الهزائم تبدأ من هنا.. من داخل الأمة، وليس من خارجها، وهذه الحكمة جديرةٌ بأن نضعها نصب أعيننا ونحن نقرأ الماضي، ونبصر الحاضر، حتى نقدر على القراءة الصحيحة لمستقبلنا.
درس من توينبي:
لم يتمكن علماء وفلاسفة الاجتماع والحضارة من الوصول إلى كثير من السنن التي تحكم البناء أو السقوط الحضاري. هذه حقيقة، ولكنَّ هذه الحقيقة لا تعني جهلهم التام بها؛ فقد أصاب المؤرخ البريطاني (توينبي) حين أشار إلى أن علَّة انهيار الأمم وهزيمتها هي الانتحار الداخلي، قبل أيِّ عامل خارجي، لا يعدو دوره الكَشْف عن هذا الانتحار[28].
ونحن هنا لا نستدل بآراء (توينبي)، فهذه الآراء ما زالت تستدعي الكثير من الحوار والنقاش، ولكن حسبنا أن هذه القاعدة التي ذكرها تدفعنا في رحلة للتفتيش عن مواطن الخلل الداخلي لاستدراكها، ومراجعة أسباب القصور الذاتي لعلاجها، ولتكن نتيجة هذه الرحلة خطوة في الطريق الصحيح.
الهزيمة والتحدي:
إن أعداءنا يدفعوننا دائماً إلى الزهد في أخطائنا الداخلية تحت دعوى أولويَّات مزعومة ننخدع لها نحن - أحياناً - بسذاجة غريبة، في حين أن هذه الأخطاء الداخلية هي في رأس قائمة الأولويات، ذلك أن التأثير القوي في الخارج إنما هو النتيجة البدهية لنظام دقيق وصحيح في الداخل.
إن من البدهي أن نتوقع من أعدائنا كل خبث وكيد وتخطيط موجَّه، وليس لنا أن نطالبهم بعدم الكيد لنا، والعمل على تحقيق ذلك الهدف؛ فهذا لونٌ من سَفَه العقل، وإنما سيطرتنا على أعدائنا لها طريق واحد، هو: تطهير أنفسنا من الداخل، من أخلاقيات الضعف والخوف، وممارسات الانعزال في دائرة الهموم الفردية، التي تمهد لقبولنا الاستعباد والخضوع.
إن واقعنا اليوم قد يكون أزمة كبرى، ولكنَّ الأزمات الكبرى هي التي توقظ الأمم من سباتها، وتحفِّزها للانطلاق من جديد.
فهل نقدر اليوم على أن نحوِّل الهزيمة النفسية - بعد شعورنا بوجودها - إلى دافع يفجِّر روح التحدي والرفض للواقع المزري، فنبدأ خطوةً في الطريق الصحيح تقضي على الخلايا الشائخة في الأمة، وتدفعها نحو بعث جديد من مرقدها الحضاري؟ هل نخطو هذه الخطوة في الطريق الصحيح، أم نُبْقي عجلة التحكم في مصير أمتنا بيد أعدائنا، بدعوى أن قوتهم هي التي تقتل بعثنا الحضاري، بينما الحقيقة المرّة: أننا نحن الذين نقتل هذا البعث الحضاري عبر ما بأنفسنا من (الانحراف الفكري)، و(القابلية للهزيمة)، و (الانتحار الداخلي)؟!
هذا نذيرٌ؛ فهل من مجيب؟
سابعها: التعرف على المنهج الصحيح للتغيير:
تعددت المناهج الدعوية في سلوك الطريق الأنسب لتغيير الواقع المرير، فمنهم مَنْ أصابه اليأس والإحباط، ينتظر خارقةً من السماء، ومنهم مَنْ ظنَّ أنَّ الحلَّ يكمن في التنازل للأعداء، والرضا بالحلول الوسط، ومنهم مَنْ سلك طريق المشاركة في المجالس البرلمانية؛ ليحقق بعض المكاسب للدعوة، أو يدفع بعض المفاسد عنها، ومنهم مَنْ يرى المواجهة واستعجال النصر، وكل ذلك - والله أعلم - بسبب شدة الوطأة على المسلمين، مع ما صاحبه من إغفال سنن الله - عزَّ وجلَّ - في التغيير.
وإن الحل الملائم لواقعنا اليوم يكمن في منهج الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وبالذات في الجوانب المشابهة للحالة الراهنة، وذلك في بداية الدعوة واستضعافها.
وباستقراء معالم هذا المنهج يتبين أن أهمها ما يلي:
أولا: في مجال الدعوة والتوجيه.
والكمال المنشود فيه يتحقق بما يلي:
1 - الطليعة تقود الأمة:
يضع الإسلام لقيادة الأمة الإسلامية شروطاً دقيقةً، ومواصفات خاصة، وهم (أولو الأمر)، وهم (العلماء والأمراء)، وبصلاح هذين الأصلَيْن يصلح حال الأمة.
ويرى بعض المفسرين أنهم (العلماء) وحدهم، ويعمِّم ابن تيمية الصفة؛ فيدخل فيهم الملوك والمشايخ، وأهل الديوان، وكل من كان متبوعاً؛ فإنه من أولي الأمر[29].
وعند الشوكاني: هم الأئمة والسلاطين والقضاة، وكل من له ولاية شرعية[30].
وعلى أي حال؛ فأولو الأمر: هم أصحاب التصرف في شأن الأمة، الذين يملكون زمام الأمور، وبيدهم قيادة الأمة[31].
ولا شك أن هذا الاهتمام بأمر القيادة في الأمة الإسلامية يرجع إلى أن الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها (الفقهاء) و(أولو ألباب) تتقدم وتنتصر، أما الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها (خطباء) لا يحسنون إلا التلاعب بالمشاعر والعواطف؛ فإنها تبقى تتلهى بـ(الأماني)، حتى إذا جابهت الأزمات لم (يفقه) حكامها من (الخطباء) ماذا يصنعون، وآل أمرهم إلى الفشل، وأحلُّوا أمتهم دار البوار.
ومن هنا؛ فإنه لا سبيل إلى الإحياء الحضاري للأمة الإسلامية إلا أن يوجد في الأمة (فقهاء) يتصفون بصفات المؤمنين، ويتحركون على أساس من الوعي بقيم الوحي؛ قرآناً وسنَّةً، مع الدراية بشؤون الواقع، (فقهاء) يتميزون بمنهجيتهم وموضوعيتهم في رؤية حقائق الواقع، ومواجهة تحديات العصر.
ولكي يستطيع هؤلاء الفقهاء حمل رسالة أمتهم، وتقديم العطاء الحضاري المنشود، فلابد أن يكون عملهم بـ(روح الفريق)، ولابد أن تربط بينهم شبكة من العلاقات العقائدية والاجتماعية، خيوطها الإيمان والتكامل، والتناصر والجهاد، في سبيل الخروج بالأمة الإسلامية من التَّبعية إلى الرِّيادة، ومن الاستضعاف إلى التمكين.
2 - الانطلاق في الدعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ - من أصلين عظيمين، ذكرهما الله في القرآن، في قوله - تعالى -: ï´؟ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ï´¾ [يوسف: 108].
فالأصل الأول: أن تكون الدعوة إلى الله وتوحيده والإخلاص له والموالاة والمعاداة على أساسه، لا يدعو إلى شخص، ولا إلى حزب، ولا إلى رأيه، لكن إلى الله وحده؛ ليتحقق له بذلك سلامة القصد.
والأصل الثاني: أن تكون الدعوة على بصيرة وعلم ودليل واتباع للرسول؛ ليتحقق له سلامة الفهم.
ثانياً: في مجال التربية والإعداد.
والكمال المنشود فيه يتحقق بما يلي:
1 - الإيمان بالله وبوعده الذي لا يتخلَّف، كما قال - تعالى -: ï´؟ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [الروم: 47]، وكان النبي - صلوات الله وسلامه عليه - يربي أصحابه على ذلك، وهم في حالة الاستضعاف والإيذاء[32].
2 - السعي إلى توحيد صفوف أهل السنة، ونبذ الفرقة والتنازع والتفرُّق.
3 - تزكية النفوس، وإحياء السلوك الإسلامي وأخلاق السلف الفاضلة.
4 - التركيز على الجانب التعبُّدي.
5 - توطين النفس على الصبر على البلاء، وسياسة النَّفَس الطويل، وتعويدها على أن يكون انطلاقها من الشريعة وقواعدها، لا من ردود الأفعال والعواطف الملتهبة.
يتبع