عرض مشاركة واحدة
  #299  
قديم 08-01-2020, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,920
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (298)
تفسير السعدى
سورة مريم
من الأية(1) الى الأية(10)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة مريم


" ذكر رحمة ربك عبده زكريا " (2)
أي: هذا " ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا " سنقصه عليك, ونفصله تفصيلا, يعرف به حالة نبيه زكريا, وآثاره الصالحة, ومناقبه الجميلة.
فإن في قصها عبرة للمعتبرين, وأسوة للمقتدين.
ولأن في تفصيل رحمته لأوليائه, وبأي سبب حصلت لهم, مما يدعو إلى محبة الله تعالى, والإكثار من ذكره ومعرفته, والسبب الموصل إليه.
وذلك أن الله تعالى, اجتبى واصطفى, زكريا عليه السلام لرسالته, وخصه بوحيه.
فقام بذلك قيام أمثاله من المرسلين, ودعا العباد إلى ربه, وعلمهم ما علمه الله, ونصح لهم في حياته وبعد مماته, كإخوانه من المرسلين, ومن اتبعهم.
فلما رأى من نفسه الضعف, وخاف أن يموت,.
ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن, وناداه نداء خفيا, ليكون أكمل, وأفضل, وأتم إخلاصا فقال:

" قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا " (4)
" رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي " أي: وهى وضعف, وإذا ضعف العظم, الذي هو عماد البدن, ضعف غيره.
" وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا " لأن الشيب دليل الضعف والكبر, ورسول الموت, ورائده, ونذيره.
فتوسل إلى الله تعالى بضعفه وعجزه, وهذا من أحب الوسائل إلى الله, لأنه يدل التبري من الحول والقوة, وتعلق القلب بحول الله وقوته.
" وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا " أي: لم تكن يا رب تردني خائبا ولا محروما من الإجابة.
بل لم تزل بي حفيا, ولدعائي مجيبا.
ولم تزل ألطافك تتوالى علي, وإحسانك واصلا إلي.
وهذا توسل إلى الله, بإنعامه عليه, وإجابة دعواته السابقة.
فسأل الذي أحسن سابقا, أن يتمم إحسانه لاحقا.

" وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا " (5)
" وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي " أي: وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي, أي: لا يقوموا بدينك حق القيام, ولا يدعوا عبادك إليك.
وظاهر هذا, أنه لم ير فيهم أحدا, فيه لياقة للإمامة في الدين.
وهذا فيه شفقة زكريا عليه السلام, ونصحه.
وأن طلبه للولد, ليس كطلب غيره, قصده مجرد المصلحة الدنيوية, وإنما قصده, مصلحة الدين, والخوف من ضياعه, ورأي غيره, غير صالح لذلك.
وكان بيته من البيوت المشهورة في الدين, ومعدن الرسالة, ومظنة للخير.
فدعا الله أن يرزقه ولدا, يقوم بالدين من بعده.
واشتكى أن امرأته عاقر, أي ليست تلد أصلا, وأنه قد بلغ من الكبر عتيا, أي: عمرا يندر معه وجود الشهوة والولد.
" فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا " وهذه الولاية, ولاية الدين, وميراث النبوة والعلم والعمل.

" يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " (6)
ولهذا قال: " يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا " أي: عبدا صالحا ترضاه, وتحببه إلى عبادك.
والحاصل أنه سأل الله ولدا, ذكرا, صالحا, يبق بعد موته, ويكون وليا من بعده, ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه, وهذا أفضل ما يكون من الأولاد.
ومن رحمة الله بعبده, أنه يرزقه ولدا صالحا, جامعا لمكارم الأخلاق, ومحامد الشيم.

" يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا " (7)
فرحمه ربه واستجاب دعوته فقال: " يَا زَكَرِيَّا " إلى " وَعَشِيًّا " أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة بـ " يحيى " وسماه الله له " يحيى " .
وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية, فتتم به المنة, ويحيا حياة معنوية, وهي حياة القلب والروح, بالوحي والعلم والدين.
" لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا " أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد.
ويحتمل أن المعنى: لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا.
فيكون, بشارة بكماله, واتصافه بالصفات الحميدة, وأنه فاق من قبله ولكن هذا الاحتمال هذا العموم, لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم, وموسى, ونوح عليهم الصلاة والسلام, ونحوهم, ممن هو أفضل من يحيى قطعا.
فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود, الذي طلبه, استغرب وتعجب وقال:

" قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا " (8)
" رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ " والحال أن المانع من وجود الولد, موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت دعائه, لم يستحضر هذا المانع, لقوة الوارد في قلبه, وشدة الحرص العظيم على الولد.
وفي هذه الحال, حين قبلت دعوته, تعجب من ذلك, فأجابه الله بقوله:

" قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " (9)
" كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ " أي: الأمر مستغرب في العادة, وفي سنة الله في الخليقة, ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاده بدون أسبابها فذلك هين عليه, ليس بأصعب من إيجاده قبل, ولم يكن شيئا.
" قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا " (10)
" قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً " أي: يطمئن بها قلبي.
وليس هذا شكا في خبر الله, وإنما هو, كما قال الخليل عليه السلام " رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " فطلب زيادة العلم, والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين, فأجابه الله إلى طلبته, رحمة به.
" قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا " وفي الآية الأخرى " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا " .
والمعنى واحد, لأنه تارة يعبر بالليالي, وتارة بالأيام ومؤداها واحد.
وهذا من الآيات العجيبة, فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام, وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة, بل كان سويا, لا نقص فيه - من الأدلة على قدرة الله الخارقة للعوائد, ومع هذا, ممنوع من الكلام, الذي يتعلق بالآدميين وخطابهم.
وأما التسبيح, والذكر ونحوه, فغير ممنوع منه.
ولهذا قال في الآية الأخرى " وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ " .
فاطمأن قلبه, واستبشر بهذه البشارة العظيمة, وامتثل لأمر الله له, بالشكر, بعبادته وذكره.
فعكف في محرابه, وخرج على قومه منه, فأوحى إليهم.
أي: بالإشارة والرمز " أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا " لأن البشارة بـ " يحيى " في حق الجميع, مصلحة دينية.
" يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا "
دل الكلام السابق, على ولادة يحيى, وشبابه, وتربيته.
فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب, أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة, أي: بجد واجتهاد.
وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه, وفهم معانيه, والعمل بأوامره ونواهيه.
هذا تمام أخذ الكتاب بقوة.
فامتثل أمر ربه وأقبل على الكتاب فحفظه وفهمه, وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة, ما لا يوجد في غيره ولهذا قال: " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.14 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.98%)]