عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 04-01-2020, 03:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (296)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(91) الى الأية(100)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف


" ثم أتبع سببا " (92)




" ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ " قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق, قاصدا للشمال, فوصل إلى ما بين السدين, وهما سدان, كانا معروفين في ذلك الزمان.
سدان من سلاسل الجبال, المتصلة يمنة ويسره حتى تتصل بالبحار, بين يأجوج ومأجوج وبين الناس.
وجد من دون السدين قوما, لا يكادون يفقهون قولا, لعجمة ألسنتهم, واستعجام أذهانهم وقلوبهم.
وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية, ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم, وراجعهم, وراجعوه.
فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج, وهما: أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا

" قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " (94)
" إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ " بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك.
" فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا " أي جعلا " عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا " ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم, على بنيان السد, وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه, فبذلوا له أجرة, ليفعل ذلك, وذكروا له السبب الداعي, وهو: إفسادهم في الأرض.
فلم يكن ذو القرنين ذا طمع, ولا رغبة في الدنيا, ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية.
بل قصده الإصلاح, فلذلك أجاب طلبتهم, لما فيها من المصلحة, ولم يأخذ منهم أجرة, وشكر ربه على تمكينه واقتداره, فقال لهم:

" قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما " (95)
" مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ " أي: مما تبذلون لي وتعطوني, وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم " أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا " أي: مانعا من عبورهم عليكم.
" آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا " (96)
" آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ " أي: قطع الحديد, فأعطوه ذلك.
" حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ " أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد " قَالَ انْفُخُوا " أي: أوقدوها إيقادا عظيما, واستعملوا لها المنافيخ, لتشتد, فتذيب النحاس.
فلما ذاب النحاس, الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد " قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا " أي: نحاسا مذابا.
فأفرغ عليه القطر, فاستحكم السد استحكاما هائلا, وامتنع له من وراءه من الناس, من ضرر يأجوج ومأجوج.

" فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا "(97)
" فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا " أي: فما لهم استطاعة, ولا قدرة على الصعود عليه, لارتفاعه, ولا على نقبه لإحكامه وقوته.
" قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا " (98)
فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل, أضاف النعمة إلى موليها وقال: " هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي " أي: من فضله وإحسانه عليَّ.
وهذه حال الخلفاء والصالحين, إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة, ازداد شكرهم وإقرارهم, واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان عليه السلام, لما حضر عنده عرش ملكة سبأ, مع البعد العظيم قال: " هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ " بخلاف أهل التجبر والتكبر, والعلو في الأرض فإن النعم الكبار, تزيدهم أشرا وبطرا.
كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز, ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال: " إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي " وقوله: " فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي " أي: لخروج يأجوج ومأجوج " جَعَلَهُ " أي: ذلك السد المحكم المتقن " دَكَّاءَ " أي: دكه فانهدم, واستوى هو والأرض " وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " .

" وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا " (99)
" وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " يحتمل أن الضمير, يعود إلى يأجوج ومأجوج.
وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها - يموج بعضهم ببعض, كما قال تعالى " حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ " .
ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة, وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون ويموج بعضهم ببعض, من الأهوال والزلازل العظام, بدليل قوله: " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ " إلى " لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا " أي: إذا نفخ إسرافيل في الصور, أعاد الله الأرواح إلى الأجساد, ثم حشرهم, وجمعهم لموقف القيامة, الأولين منهم والأخرين, والكافرين والمؤمنين, ليسألوا ويحاسبوا ويجزوا بأعمالهم.
فأما الكافرون على اختلافهم فإن جهنم جزاؤهم, خالدين فيها أبدا.

" وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا " (100)
ولهذا قال: " وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا " كما قال تعالى: " وإذا الجحيم برزت " أي: عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم, وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها, وحميمها, وزمهريرها, وليذوقوا من العقاب, ما تبكم له القلوب, وتصم الآذان, وهذا آثار أعمالهم, وجزاء أفعالهم.
فإنهم في الدنيا " كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي " أي: معرضين عن الذكر الحكيم, والقرآن الكريم, وقالوا: " قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ " .
وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات الله النافعة كما قال تعالى: " وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ " .
" وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا " أي: لا يقدرون على سمع آيات الله الموصلة إلى الإيمان, لبغضهم القرآن والرسول.
فإن المبغض, لا يستطيع أن يلقي سمعه إلى كلام من أبغضه.
فإذا انحجبت عنهم طرق العلم والخير, فليس لهم سمع ولا بصر, ولا عقل نافع فقد كفروا بالله, وجحدوا آياته, وكذبوا رسله, فاستحقوا جهنم, وساءت مصيرا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.05%)]