عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 27-12-2019, 01:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أين مواقع المصلحين حين الشدائد والفتن


بل ذكر ابنُ كثير أن المأمونَ دعا إلى هذه الفتنة خلقاً من مشايخ الحديث، والفقهاءِ، وأئمةِ المساجد، وغيرِهم، فأجابوا؛ لأنه "وكما ذكر ابن كثير" كان يعزل من لا يجيب عن وظيفته، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتياً منع من الإفتاء، وإن كان شيخَ حديثٍ رُدعَ عن الإسماعِ والأداءِ، ووقعت فتنةٌ صماءٌ، ومحنةٌ شنعاءٌ، وداهيةٌ دهياءٌ، فلا حول ولا قوة إلا بالله[17].
وهنا ينبغي أن يفرّق بين من أجابَ مُكرهاً، ولعل أكثر هؤلاءِ العلماءِ كذلك، ومن أجاب دون إكراه، ولهذا دافع الذهبي عمن أكره منهم، وعلق على كون الإمام أحمد لا يرى الكتابةَ عن أبي نصر التَمَّار ويحيى بن معين بقوله: "قلت: هذا أمر ضيق، ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملاً بالآية، وهذا هو الحق، وكان يحيى - رحمه الله - من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية"[18].
مدُّ الجسور وتجسير العلاقات مع شرفاء الناس وعامتهم والحذر من أهل الريب والتلون:
وهذا متمّم لما قبله، إذ لا يكفي "معرفة الخبيث من الطيب" بل يمكن الاتصال والتنسيق والتعاون مع أصحاب المواقف المشرفة دعماً لهم، واستفادةً مما لديهم، وتعاوناً معهم على البر والتقوى، وتوسيعاً لدائرة أصحاب الحق، مع رصد خطوات الباطل وكشف المبطلين، وهل يخفى أن العامي من الناس قد يكون له دورٌ في تثبيت العالم الجبل، وقصة الإمام "أحمد بن حنبل" مع أعرابي "الرحبة" "جابر بن عامر" الذي قال لأحمد.. أنت إمامُ الناس فاثبت... إلخ القصة المشهورة.
بين المسكنات والاستراتيجيات.. لا بد من "المبادرة" حين الفتن لتسكنها، والتقليل من مساحة شرورها وتأثيرها، وذلك بالبيان العاجل، وحضِّ الناس على الثبات، والتثبيت، وعدم الاستعجال بالأقوال أو الأفعال إلا بدليل وتثبت: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)[الحجرات: 6].
وإيضاح الحق ولزومه، وكشف الباطل ورموزه.. وهكذا من خطوات عاجلة ومسكنة.. وثمة ما هو أبقى وأهم، ألا وهو التفكير بمبادرات طويلةِ الأجل، ومشاريع "عُمْرِية" سواء كانت فرديةً أو جماعيةً، لا تتأثر بالأزمات، بل تسهم في علاجها بشكل مُعمّق، وهنا لا تُستنفد الجهود كلها في أُطرِ "الدفاع" بل يكون لجهود "البناء، والمشاريع الاستراتيجية" نصيبٌ كبيرٌ في الإصلاح والدعوة، ونشر الحق ومدافعة الباطل.
وبين المشاغلة والدعوة:
إذ لا بد من: "مشاغلةِ أهلِ الباطل" والاستمرار في الإنكار عليهم مشاريعهم الإفساديةِ والتغريبيةِ، وفتح الملفات كلما ظنوا أنها أغلقت واستقرت، وبأرقى الوسائل، وأنجع الطرق، فتلك مدافعةٌ مشرعةٌ: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)[البقرة: 251].
ومع المشاغلة لا بد من استمرار سوق الدعوة، وعدم التوقف عن مشاريع الخير، وطرح المبادرات إثر المبادرات، فتلك تعطي فرصاً لانتشار الخير، وتمنحُ فرصاً للراغبين في عمل الخير، وتؤسس لأعمال ومشاريع مستقبلية يصعب تجاهلها أو إلغاؤها، وهي في النهاية من أمضى وسائل محاربة الباطل وتحجيم المبطلين.
الرقي بمستوى الخطاب الدعوي:
لا شك أن خطاب القرآن منطلق مهم في الدعوة والإصلاح، فالتأمل في آياته بعمق، ورصد تجارب المرسلين، وطرائق دعوتهم بوعي؛ يسهم في رفع الخطاب الدعوي، وثمة منعطفٌ مهم في الرقي بمستوى الخطاب الدعوي ربما كان غائباً أو ضعيفاً فيما مضى، وقد آن الأوان لتفعيله حاضراً ومستقبلاً، ألا وهو "ثقافة الحقوق" في الخطاب الدعوي، فنحن في زمن "المرافعات" و"المحامين" و"دعاوى الاعتراض" و"المطالبة بالحقوق" و"المنظمات والهيئات"... إلى غير ذلك، ومهما كان نصيب المصداقية منها، أو نسب قبولها، فيمكن استثمارها في الخطاب الدعوي المعاصر، أو غير ذلك من أنماط "مشروعة" للرقي بمستوى الخطاب الدعوي، وتجديد وسائله.
رصد الأزمات والتحري والدقة في رصد الأحداث وتسجيلها:
فما يقع اليوم سيصبح تاريخاً للغد، والأجيال المعاصرة للحدث إن احتاجت إلى معرفة الحقيقة دون تلبيس، فحاجة الأجيال القادمة التي لم تشهد هذه الأحداث أشد؛ لتستفيد من عبرها ودروسها، وحتى لا تبدأ الطريق من بنيان الأولى في أحداث تتكرر وتتشابه، وليس من فارق فيها سوى فارق الزمان أو المكان.
حرب الإعلام:
معارك اليوم تعتمد الإعلام، وتتكئ على آلاته الحديثة، وقنواته واسعةُ الانتشار، بالغة الأثر.. ومن هنا فلا بد لأصحاب الحقِ أن يأخذوا بنصيبهم الوافر من هذه الآلة المؤثرة في المعركة، فيدعموا (القائم المفيد)، وينشئوا (الجديد)، ويهتموا بوسائل الاتصال المجتمعية الحديثة، حتى تكون هذه وتلك عوناً لهم على بيان الحق، وكشف الباطل، وحتى لا يضطروا إلى وسائل أو مؤسسات إعلامية (لا يملكونها)، وقد تخونهم أحوج ما يكونوا إليها.. وهنا مسؤولية مشتركة، فإعلاميون متميزون يقترحون ويخططون، ومفكرون وعلماء يدعمون بعلمهم وفكرهم، وأغنياء ومنفقون يدعمون بمالهم، وشركات إعلامية لها سبق، وبيوتُ خبرة تتبرع بتجاربها وتقصر الطريق على المبتدئين.. وهكذا تتكامل القوى، ويتعاون الناسُ على البر والتقوى، وفي النهاية سيكون لهذا الإعلام دورٌ في محاصرة ترويج الباطل عبر آليات ووسائل إعلام فاسد، يعتمد الكذب وتزوير الحقائق، وفتنة الناس.
الفأل الحسن وحُسن الظن بالله:
فالفألُ الحسن دائماً وفي زمن الشدائد بالذات، نهج الأنبياء - عليهم السلام - وأتباعِهم، وأول الرسل -صلى الله عليه وسلم- تتقاصرُ القرون في دعوته، وصبره وحسن ظنه بربه: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا)[العنكبوت: 14] حتى أخذهم الطوفان، بل بلغنا بالخبر الصادق أنه دعا قومه: (ليلاً ونهاراً) "سراً وجهاراً" وخاتم المرسلين -صلى الله عليه وسلم- قال لصحابه: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة: 40]، وأُوحِي إليه: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)[الروم: 60].
وفي سيرته العملية دروسٌ في الفأل وحسن الظن، يكفي من ذلك أنه في غزوة "الأحزاب" وزلزلة أهل الإيمان يَعِدُ أصحابَه حين الاستعداد للمعركة وهم يحفرون الخندق بفتوحات ستكون في الشام، وفارس، واليمن، وفي نهاية المعركة يبشر المسلمين ويعدهم على أثر الهجمة الشرسة للأحزاب ويقول "متفائلاً" بمستقبل زاهرٍ للإسلام والمسلمين: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم)) وقد كان، فلم يغزُ المشركون المدينة بعد الأحزاب، وفي رواية: ففرح المسلمون واستبشروا[19].
وبين نوح ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- موسى -عليه الصلاة والسلام-، يعِدُ قومَه "بني إسرائيل" ورغم الاستذلال والاستضعاف بالقوة والتمكين: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ)[الأعراف: 128-129].
والنتيجةُ تحقق وعدُ الله، وصدق فألُ موسى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا)[الأعراف: 137].
إن على أتباع المرسلين أن يبعثوا هذه الروح المتفائلة دائماً، لا سيما حينما تنقبض النفوس وتصاب بالإحباط على أثر الضربات والصدمات المتتالية، وأن يربطوا الناسَ بخالقهم، فلا يقع شيءٌ في هذا الكون إلا بإذنه.
والدعاء سلاحٌ متين:
به يُكثر القليل، ويُهزم الجمعُ، ويتهاوى الظلمُ، وينتصر المظلومون، وطالما فرطنا في هذه العبادة والعبودية لله "الدعاء هو العبادة" به استنصر المرسلون، وبه كشف اللهُ الضراءَ، ومنادي السماء يقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[غافر: 60]، والرحمن يذكرنا برفع البأساء ويقول: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)[الأنعام: 43].
ومن الدعاء المطلوب: التعوذ بالله من الفتن، وجماعها في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وفتنة القبر، ومن فتنة النار))[20].
حتى لا يَخْلَقُ الإيمان:
فالإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد ثبت في الحديث: ((إن الإيمان ليَخْلَقُ في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله -تعالى- أن يجدد الإيمان في قلوبكم))[21].
والواقع يشهد أن الأزمات والفتن تحرك الإيمان، فإما أن تزيده أو تنقصه، ومن علائمِ أهلِ الإيمان أن الفتن كلما اشتدت كلما زاد سوقُ الإيمان في قلوبهم، أوليس الله قد قال عن خيار الأمة: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)[الأحزاب: 22].
ومن علائم أهلِ الريب والنفاقِ أنها تضيقُ صدورُهم بالنازلات والمحن، وربما ودّوا أنهم خارج دائرة المكان، أو لم يكونوا في ذلك الزمان، وقد قال الله عنهم: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ).
وفي الآية الأخرى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا)[النساء: 72].
وكثرة العبادة برهان على الثبات:
فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، وإنما الإيمانُ عقيدةٌ، وتكاليفٌ، وعبادةٌ، وأياً ما كانت هذه العبادةُ خاصةً لذات الإنسان لتزكية نفسِه وفلاحِها، أو متعديةً لنفع الآخرين ودعوتهم؛ فتلك مؤشرٌ على استقرار النفس، وعظيمِ الثقة بالله، والقربِ منه، والأنسِ بعبوديته، وحيث تشحنُ النفوسُ في الفتن وربما انشغلت بالقيل والقال، أو مجرد متابعة الأخبار، كان أجر العبادة في الهرج "الفتن" كهجرة إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كما صح الخبر بذلك: ((العبادةُ في الهرجِ كهجرٍ إليّ)).
مشاريع جماعية ورسم خريطة طريق مستقبلية:
وحين تكون الهجمةُ على أهل الإسلام جماعيةً، ومن أصحابِ المللِ والنحلِ، أو الأفكارِ الهدامةِ؛ فلا بد أن يكون اتقاءُ هذه الهجمة بشكل جماعي، يتداعى فيه المسلمون وبكافة شرائحهم وأعمارهم وأجناسهم للتعاون على البر والتقوى، والتناصرِ، والتناصحِ، وجمعِ الكلمةِ، وردمِ فجوات الاختلاف، ومن لم يستطع القيام بوحده بمشروع لخدمة الإسلام، يمكن أن ينضمَّ إلى غيره، وهكذا تتضافرُ الجهودُ، وتستثمرُ الطاقاتُ، ولا يبقى في المجتمع عاطلٌ أو مترددٌ، فالحكم لله، ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وعليكم بالجماعة فإن يدَ الله مع الجماعة، وإذا توحد من أصلهم الافتراق كان حقاً على أهل السنة والجماعة أن يتحدوا ويتعاونوا، ولا بد من الوعي بأن أعداءَ الأمة "يمرحلون" خصومهم، لكنهم في النهاية يستهدفون كلَّ من وقف رافضاً سبيلهم، مستنكراً هجمتهم، وإن بدأوا "بالثور الأسود" "فالأبيض على الطريق".
والحذر الحذر من الانتكاسة، والحور بعد الكور، فالهداية فضلٌ من الله وتوفيقٌ، والثباتُ على الحق حتى الممات فضلٌ ومنَّةٌ، وقد صح عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ))[22].
لا بد من الوقوف عند أحاديث الفتن وتأمّل فقهها، ولا بد من الدروس والمحاضرة في الثبات وعوامله، ولا بد من أحاديث عن الانحراف عن صراط الله المستقيم ومخاطره، وفي النهاية لا عاصم من أمر الله إلا من رحم، والدعاء بالثبات مطلب.
نعم، هم القدوات والمنارات، والظن بهم الثبات والتثبيت للناس، وحيثما زلوا أو ضعفوا كان الضعفُ والانحرافُ لمن وراءهم كبيراً.
لا بد من العلم والحذر من فتنة الشبهات والشهوات، ولا بد من الإكثار من قراءة سير الثابتين، وفي مقدمتهم الأنبياءُ والنبلاءُ، ولا بد من تواصيهم بالحق، وتواصيهم بالصبر، وقبل ذلك وبعده لا بد من سؤالهم وإلحاحهم على ربهم بالثبات أسوةً بمن سلفهم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[آل عمران: 8].
ألا -يا عباد الله- فاثبتوا، وثبِّتوا تغنموا ويسلم غيرُكم.
تصحيح المصطلحات وقلب التهم:
ثمة مصطلحاتٌ يتلاعب بها المبطلون، ويُوصف بها البرآءُ من الناس، وفي كل حينٍ تُرحّلُ التهمُ إلى آخرين، حتى تتم محاصرةُ الأخيارِ، بل المتدينين بشكل عام، بهذه الألقاب المثيرة للمجتمع، مثل مصطلحات "التطرف" و"الأصولية" و"الإرهاب" وهكذا من مصطلحات جديدة تروّج الآن، وما من شك أن "الإرهاب" منه محمودٌ كما في قوله -تعالى-: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)[الأنفال: 60].
ومنه مذمومٌ، وهو ما تجاوز به المرءُ حدودَ الله، وأرهب خلقَ الله بغير حق.
وكذا "التطرف" مذموم لكن بشقيه "الغالي، والجافي" وهكذا تُحرّرُ المصطلحات، ويُمنع تلاعبُ أهل الريب فيها وتصديرها.
ومن الجميل كذلك ومع تحرير المصطلح أن يُقلبَ على أهل المنكر منكرُهم، وتُرد إليهم بضاعتُهم، ويوصفون بما يستحقون، ومصطلح "الاسترهاب" مصطلح قرآني: (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ)[الأعراف: 116]. وهذا المصطلح "الاسترهاب" خليق بمن يتهمون بغير حق، ويُرهبون بلا برهان، فهل نسوّق لهذا المصطلح الشرعي الغائب عن الساحة؟
ركنا الصدع بالحق وأقل درجات الإنكار:
ليس يخفى درجاتُ إنكارِ المنكرِ في السنة، لكن هناك مقولة جميلة للذهبي حدد فيها ركنين للصدع بالحق فتأملوها، قال الإمام الذهبي -رحمه الله- في ترجمة "الإمام أحمد": "الصدع بالحق عظيمٌ، يحتاج إلى قوةٍ وإخلاصٍ، فالمخلصُ بلا قوةٍ يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يُخْذَلُ، فمن قام بهما كاملاً فهو صِدِّيقٌ، ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، ليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله"[23].
فقه إدارة الأزمات:
لا بد من فقه في إدارة الأزمات يحافظُ على المكتسباتِ، ويحقق مزيداً من المنجزات، ويفرق بين ما يصلح في مكان دون مكان، أو زمان دون آخر، والقراءةُ الفاحصةُ للأحداث بعمقٍ يتجاوزُ الوقوفَ على مجرد الأسباب للأزمة إلى عمقها وآثارها، والموقف الشرعي منها، وكيف الخروج فيها بأفضل المكاسب وأقل الخسائر.
ومن تأمل في سيرة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وجد فيها فقهاً وعمقاً لإدارة الأزمة حري بأتباعهم أن يقتدوا بهم.
__________________________________________________ __________
[1] أخرجه أحمد والبخاري وغيرهما، صحيح الجامع: 1/333.
[2] أخرجه البخاري: ح 6492.
[3] أعلام الموقعين: 2/176.
[4] الدرر السنية: 8/78.
[5] صحيح الجامع: 6/253.
[6] صحيح الجامع: 5/192.
[7] الداء والدواء 114.
[8] انظر: أصول الجصاص: 1/373، أصول السرخسي: 1/165، عن عابد السفياني في المحكمات: ص 16.
[9] عابد السفياني: المحكمات ص 12.
[10] أخرجه أحمد وغيره.
[11] صحيح الجامع: 6651.
[12] شرح السنة للبغوي 10/54.
[13] البداية والنهاية: 10/365.
[14] البداية والنهاية: 10/464.
[15] البداية والنهاية: 10/385.
[16] البداية والنهاية: 10/308 - 309.
[17] البداية والنهاية: 10/309 - 310.
[18] الذهبي، سير أعلام النبلاء: 11/87.
[19] فتح الباري: 7/397.
[20] متفق عليه.
[21] صحيح الجامع: 2/56.
[22] صحيح مسلم: ح 231.
[23] سير أعلام النبلاء: 11/234.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.33 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.03%)]