شرح حديث: (إني لأقوم في الصلاة فأسمع بكاء الصبي فأوجز في صلاتي ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لأقوم في الصلاة فأسمع بكاء الصبي فأوجز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)].وهنا أورد النسائي حديث أبي قتادة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخل في الصلاة يريد أن يطول، فيسمع بكاء الصبي، فيخفف شفقة على أمه؛ لأنها عندما تسمع بكاءه تنشغل في صلاتها به، فكان يخفف من أجل أمر طارئ، وإذا أطال فإن الطول نسبي، بمعنى: أنه لا يكون فيه مشقة على المأمومين، وقد يعدل عما أراده من الطول نسبياً لأمر طارئ كالذي جاء في هذا الحديث، وهو أنه يسمع بكاء الصبي، فيخفف شفقة على أمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فالحديث شاهد ودال على ما ترجم له المصنف من حصول التخفيف، ويكون في مراعاة حال المأمومين، وقد يكون مراعاة لواحد منهم؛ لأنه هنا فيه إشارة إلى أن الرسول يسمع بكاء صبي واحد، فيخفف من أجل أم ذلك الصبي الواحد الذي يخشى أن تنشغل به، وأن تكون مشغولة البال عليه إذ هو يبكي ويصيح، وهي في الصلاة قد شغلت به، ثم أيضاً الحديث يدل على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الشفقة بأمته عليه الصلاة والسلام، وكذلك يدل على جواز إحضار الصبيان إلى المساجد، ولكن مع المحافظة عليهم، وأن لا يحصل منهم تلويث المسجد، ولا يحصل منهم الإيذاء للناس، فإن هذا الحديث يدل على إحضار النساء الصبيان معهن؛ لأن هذا الحديث يدل على ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث: (إني لأقوم في الصلاة فأسمع بكاء الصبي فأوجز في صلاتي ...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو سويد بن نصر، وهو المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه الترمذي، والنسائي .[أخبرنا عبد الله].وهو ابن المبارك، ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر جملة من صفاته الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الأوزاعي].وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو محدث، فقيه، مشهور، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه عبد الرحمن بن عمرو، وكنيته أبو عمرو، وقد عرفنا وذكرت مراراً: أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، نوع من أنواع علوم الحديث، ومعرفته مهمة، وفائدة هذه المعرفة أن لا يظن التصحيف فيما لو ذكر مرة بنسبه، ثم ذكر بكنيته بدل النسب، فإن من لا يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب يظن أن أبا مصحفة عن (ابن) فيما لو قيل: عبد الرحمن أبو عمرو بدل ابن عمرو، فـعبد الرحمن بن عمرو صحيح، وعبد الرحمن أبو عمرو صحيح، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني يحيى بن أبي كثير].وهو يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، وهو: ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب الكلمة المشهورة في الحث على طلب العلم، والصبر على ما ينال الإنسان في سبيله من التعب والمشقة، وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
وقفة مع كلمة يحيى بن أبي كثير: (لا ينال العلم براحة الجسد)
هذه كلمة مشهورة عن يحيى بن أبي كثير، وقد أوردها مسلم في صحيحه عند سياقه لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أوقات الصلاة، حيث أطال وأكثر من طرق ذلك الحديث، الذي يتعلق ببيان أوقات بعض الصلوات، فأقحم هذا الأثر بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير فقال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. وقال النووي في شرحه: إنما أورده في هذا؛ لأنه عندما بين هذه الطرق الكثيرة المتنوعة المختلفة في إسناد هذا الحديث أشار إلى أن تحصيل مثل هذه الطرق وجمعها إنما يحصل بالتعب، والمشقة، فأتى بهذه الكلمة المشهورة، وهي قول يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم.والحافظ ابن حجر له كتاب اسمه الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف، جمع ما فيه من موقوفات، سواء كانت موقوفات على الصحابة، أو على من دونهم، جمعها في هذا الكتاب، وهذا من جملة تلك الموقوفات التي في صحيح مسلم، وأوردها الحافظ ابن حجر في كتابه الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف.وموضعه كما ذكرت في بيان أوقات الصلاة، وعند حديث عبد الله بن عمرو عندما أورد طرقه المختلفة، وهذه الكلمة كلمة عظيمة؛ أعني: لا يستطاع العلم براحة الجسم. وهذا كلام صحيح، لا أحد يحصل شيئاً بلا شيء، بل لابد من التعب، ولابد من النصب، ولابد من المشقة، ولابد من الصبر والاحتساب، وبذلك يحصل الإنسان، وأما مع الكسل، ومع الملال، وعدم الصبر وعدم الاحتساب، فإن الإنسان يفوت الخير الكثير، ولا يحصل شيئاً، بل بالجد والاجتهاد يحصل الإنسان ما يريد، كما يقول الشاعر:الجد بالجد والحرمان بالكسلالجد ـ بالفتح ـ هو الحظ، والنصيب، والجد ـ بالكسر ـ هو الجد والاجتهاد، والحرمان بالكسل، الحرمان: يقابل الجد الذي هو الحظ والنصيب، والكسل: يقابل الجِد الذي هو الاجتهاد، والحرص، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، بالأسباب التي تحقق المطلوب التي هي الأسباب المشروعة، ومع أخذك بالأسباب استعن بمسبب الأسباب وهو الله عز وجل: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، فلابد من الجد، والاجتهاد في طلب العلم، والصبر عليه، ولا يحصل الإنسان الشيء إلا بالتعب، والنصب، والمشقة، ويقولون: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، يعني: الشيء القليل الذي يكون على مقدار راحة اليد لا يدرك بالراحة التي هي عدم التعب، والنصب، والمشقة، والشاعر يقول:لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يفقر والإقدام قتالفلولا المشقة كل الناس يصيرون سادة، ولكن لما كان السؤدد ما يحصل إلا بمشقة، وما كل أحد يصبر على المشقة، صار ليس كل أحد يحصل السؤدد، وإنما يحصله من صبر.وإذا نظرنا في سير العلماء الماضين الذين ألفوا المؤلفات الكثيرة، والذين انتشر علمهم، وظهر علمهم، وبقي علمهم بعد موتهم بمئات السنين ما حصل ذلك لهم إلا بالتعب والنصب والمشقة، مع أن الإمكانات كانت تختلف عن الإمكانات في هذا الزمان، ففيما مضى كان الواحد يسافر من أجل حديث واحد مدة شهر كامل على الإبل، تعب، ونصب، ومشقة، ثم عندما يحصل الفوائد، ما يحصله إلا عن طريق الكتابة، يعكف على كتابتها، أو يكلف ويستأجر من يكتبها، ثم يقابلها بعد الفراغ من كتابتها، ثم أيضاً عندما يشتغل في الليل ما عندهم إلا إضاءة كما هو معلوم فيها ما فيها من الضعف، ومن النقصان الذي ما يحصل به التمكن مما يريد كما ينبغي، ولكن الجد، والاجتهاد، والصبر، والاحتساب مع توفيق الله عز وجل هو الذي جعلهم يبقى ذكرهم، وتخلد آثارهم، ويستفيد الناس من علمهم بعد موتهم بمئات السنين، ثم أيضاً هذه الثروة الهائلة التي خلفوها، فمن العلماء من يؤلف المؤلفات كلها بخط يده، فكلها فيها جهود مضنية، وكل هذا ما حصل إلا بالنصب، فالسؤدد الذي حصلوه، والذكر الحسن الذي حصلوه لم يحصل من فراغ كما يقولون، وإنما حصل من تعب، وحصل من نصب، وحصل من مشقة.لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يفقر والإقدام قتالأي: أن الإنسان إذا كان عنده المال لا يجود به، يعني: يخشى أن يذهب ماله، ويبقى فقيراً.(والإقدام قتال، يعني: كون الإنسان يقدم في الوغى، فهو قريب أن يموت، فلا يحصل منه الإقدام)، ولكن من جد واجتهد، وصبر واحتسب، هذا الذي يحصل النتائج الطيبة، ويحصل الفوائد الكبيرة. وهذه الكلمة التي قالها هذا الرجل يحيى بن أبي كثير -وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسم- كلمة عظيمة مهمة، يعني: هي صادقة، وهذا هو الواقع، لا يستطاع العلم براحة الجسم، فالإخلاد إلى الراحة لا يكون وراءه نتيجة، فليس وراءه إلا الخمول، وليس وراءه إلا الكسل، وليس وراءه إلا البطالة والضياع، ولكن كما يقولون: من جد، وجد، ومن سار على الدرب وصل، ومن قعد عن العلم، وأخلد إلى الراحلة لا يحصل شيئاً، ومن صبر، واحتسب، وأتعب نفسه، وأشغل نفسه في تحصيل ما هو نافع، فإنه يحصل بإذن الله عز وجل مراده.[عن عبد الله بن أبي قتادة].عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[يروي عن أبيه].هو الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة للإمام في التطويل
شرح حديث: (كان رسول الله يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة للإمام في التطويل.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن ابن أبي ذئب أخبرني الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الرخصة للإمام في التطويل، يعني: الأصل هو التخفيف، ولكن يمكن أن يطول في بعض الأحيان، ولكن مع مراعاة أحوال المأمومين، فالتطويل مرخص فيه، ولكن حيث لا يحصل به إضرار على أحد، وحيث لا يحصل به مشقة كبيرة على أحد.وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمرهم بالتخفيف ويؤمهم بالصافات)، يعني: كان يأمر بالتخفيف ويرشد إلى التخفيف، ويؤم بالصافات، أي: سورة الصافات يقرأ بها، وهو طول نسبي، والتطويل، والتخفيف هي من الأمور النسبية، والأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلاً باعتبار، وخفيفاً باعتبار.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو إسماعيل بن مسعود، وكنيته أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وكنيته توافق اسم أبيه مثل الأوزاعي، فـالأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، وهذا إسماعيل بن مسعود أبو مسعود .[حدثنا خالد بن الحارث].وهو خالد بن الحارث، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، المشهور بـابن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني الحارث بن عبد الرحمن].وهو الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري، وهو خال ابن أبي ذئب، وهو صدوق، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.[عن سالم بن عبد الله].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو: ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، على أحد الأقوال في السابع من الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم مراراً وتكراراً، وأن في عصر التابعين سبعة اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، وستة منهم لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل إنه سالم هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .[عن عبد الله بن عمر].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله.
ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة
شرح حديث أبي قتادة: (رأيت النبي يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عثمان بن أبي سليمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من سجوده أعادها)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة، وأورد فيها حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، وحديثه الذي فيه حمل الرسول صلى الله عليه وسلم لابنة بنته أمامة بنت أبي العاص، فكان يؤمهم في الصلاة، ويحملها في صلاته، فإذا ركع وضعها، وإذا قام من سجوده حملها، فالترجمة لما يجوز من العمل في الصلاة، وأورد فيها هذا الحديث، أي: أنه مثل هذا العمل عند الحاجة، يجوز للإنسان أن يعمله، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا ليبين جواز مثل ذلك عند الحاجة إليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة: (رأيت النبي يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، وقد مر ذكره.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان فالمراد به ابن عيينة وليس الثوري؛ لأنه لم يرو عنه؛ لأن قتيبة لم يرو عن الثوري، وإنما روى عن سفيان بن عيينة، وحيث جاء سفيان غير منسوب يروي عنه قتيبة بن سعيد، فالمراد به ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، حجة، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن أبي سليمان].وهو عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه .[عن عامر بن عبد الله بن الزبير].وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن سليم الزرقي].وهو عمرو بن سليم الزرقي الأنصاري ، وهو ثقة، من كبار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أبي قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي].وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.