عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 19-12-2019, 05:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (270)
تفسير السعدى
سورة النحل
من الأية(52) الى الأية(63)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة النحل


" وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون " (52)
" وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا " أي: الدين, والعبادة, والذل في جميع الأوقات, لله وحده, على الخلق أن يخلصوه لله, وينصبغوا بعبوديته.
" وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون " (53)
" أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ " من أهل الأرض أو أهل السماوات, فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا, والله المنفرد, بالعطاء والإحسان.
" وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ " ظاهرة وباطنة " فَمِنَ اللَّهِ " لا أحد يشركه فيها.
" ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ " من فقر, ومرض, وشدة " فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ " أي: تضجون بالدعاء والتضرع, لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو.
فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون, وصرف ما تكرهون, هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده.
ولكن كثيرا من الناس, يظلمون أنفسهم, ويحمدون نعمة الله عليهم إذا نجاهم من الشدة.
فإذا صاروا في حال الرخاء, أشركوا به بعض مخلوقاته الفقيرة, ولهذا قال:

" ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون " (54)
" لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ " أي: أعطيناهم, حيث نجيناهم من الشدة, وخلصناهم من المشقة.
" فَتَمَتَّعُوا " في دنياكم قليلا " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " عاقبة كفركم.

" ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون " (56)
يخبر تعالى, عن جهل المشركين, وظلمهم, وافترائهم على الله الكذب, وأنهم يجعلون لأصنامهم, التي لا تعلم, ولا تنفع, ولا تضر - نصيبا مما رزقهم الله, وأنعم به عليهم.
فاستعانوا برزقه على الشرك به, وتقربوا به إلى أصنام منحوتة, كما قال تعالى: " وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ " الآية, وقال " تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ " .
وقال: " ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة.

" ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون "(57)
" وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ " حيث قالوا عن الملائكة, العباد المقربين: إنهم بنات الله.
" وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ " أي: لأنفسهم الذكور, حتى إنهم يكرهون البنات, كراهة شديدة.
فكان أحدهم " وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا " من الغم الذي أصابه " وَهُوَ كَظِيمٌ " أي: كاظم على الحزن والأسف, إذا بشر بأنثى, وحتى إنه يفتضح عند أبناء جنسه, ويتوارى منهم من سوء ما بشر به.

" يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون " (59)
ثم يعمل فكره ورأيه الفاسد, فيما يصنع بتلك البنت التي بشر بها " أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ " أي: يتركها من غير قتل على إهانة وذل؟ " أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ " أي: يدفنها وهي حية, وهو الوأد الذي ذم الله به المشركين.
" أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " إذ وصفوا الله بما لا يليق بجلاله, من نسبة الولد إليه.
ثم لم يكفهم هذا, حتى نسبوا له أردأ القسمين, وهو: الإناث, اللاتي يأنفون بأنفسهم عنها, ويكرهونها, فكيف ينسبونها لله تعالى؟! فبئس الحكم حكمهم.

" للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم " (60)
ولما كان هذا من أمثال السوء, التي نسبها إليه أعداؤه المشركون, قال تعالى: " لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ " أي: المثل الناقص والعيب التام.
" وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " وهو كل صفة كمال, وكل كمال في الوجود, فالله أحق به, من غير أن يستلزم ذلك نقصا بوجه من الوجوه.
وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه, وهو: التعظيم والإجلال, والمحبة والإنابة والمعرفة.
" وَهُوَ الْعَزِيزُ " الذي قهر جميع الأشياء, وانقادت له المخلوقات بأسرها.
" الْحَكِيمُ " الذي يضع الأشياء مواضعها, فلا يأمر, ولا يفعل, إلا ما يحمد عليه, ويثنى على كماله فيه.

" ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " (61)
لما ذكر تعالى, ما افتراه الظالمون عليه, ذكر كمال حلمه وصبره فقال: " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ " من غير زيادة ولا نقص.
" مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ " أي: لأهلك المباشرين للمعصية وغيرهم, من أنواع الدواب والحيوانات, فإن شؤم المعاصي, يهلك به الحرث والنسل.
" وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ " عن تعجيل العقوبة عليهم إلى أجل مسمى, وهو يوم القيامة " فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ " فليحذروا, ما داموا في وقت الإمهال, قبل أن يجيء الوقت الذي لا إمهال فيه.

" ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون " (62)
يخبر تعالى أن المشركين " وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ " من البنات, ومن الأوصاف القبيحة, وهو: الشرك, بصرف شيء من العبادات إلى بعض المخلوقات, التي هي عبيد لله.
فكما أنهم يكرهون, ولا يرضون أن يكون عبيدهم - وهم مخلوقون من جنسهم - شركاء لهم فيما رزقهم الله, فكيف يجعلون له شركاء من عبيده؟!!.

" تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم " (63)
" وَ " هم - مع هذه الإساءة العظيمة - " تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى " أي: أن لهم الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة.
فرد عليهم بقوله: " لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ " مقدمون إليها, ماكثون فيها, غير خارجين منها أبدا.
بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم, أنه ليس هو أول رسول كذب فقال تعالى: " تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ " رسلا يدعونهم إلى التوحيد.
" فَزَيَّنَ لَهُمُالشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ " فكذبوا الرسل, وزعموا أن ما هم عليه, هو الحق المنجي من كل مكروه, وأن ما دعت إليه الرسل, فهو بخلاف ذلك.
فلما زين لهم الشيطان أعمالهم.
صار " وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ " في الدنيا, فأطاعوه, واتبعوه, وتولوه.
" أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا " .
" وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " في الآخرة, حيث تولوا, عن ولاية الرحمن, ورضوا بولاية الشيطان, فاستحقوا لذلك, عذاب الهوان.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.09 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.04%)]