عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 18-12-2019, 08:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس تطبيقية في فقه النوازل

دروس تطبيقية في فقه النوازل
أ.د. محمد بن حسين الجيزاني

الدرس الرابع: في مادة النوازل الفقهية
عنوان الدرس: حكم زواج المسيار:
أولاً: تصوير المسألة.
زواج المسيار هو: عقد زواج تتنازل فيه المرأة عن السكن والنفقة والقَسْم أو بعض منها، وترضى بأن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت شاء من ليل أو نهار.
وقد انتشر هذا النوع من الزواج في السنوات الأخيرة في فئة المتزوجين من الرجال، وفئة المطلقات أو الأرامل أو العوانس من النساء.
وينتشر بكثرة بين النساء العاملات، والطبيبات على وجه الخصوص.
وينتشر أيضاً فيما إذا كان الزوجان من طبقتين متفاوتتين، إما في المكانة الاجتماعية أو الانتماء إلى جنسية واحدة أو في القدرة المالية أو غير ذلك.
ومن أهم الأسباب والدوافع التي أدت إلى وقوعه وانتشاره ما يأتي:
1. رغبة الرجال في المتعة.
2. عنوسة المرأة أو طلاقها أو حاجتها إلى الأطفال.
3. عدم رغبة الرجال في تحمل المسؤولية أو عدم قدرتهم على ذلك.
4. غلاء المهور وارتفاع تكاليف المعيشة.
5. رغبة الرجل في التغيير.
6. رفض الزوجة الأولى فكرة التعدد.
7. طمع الرجل في مال زوجة المسيار.
والفقهاء يذكرون نوعاً فيه بعض المشابهة لزواج المسيار، وهو الزواج بالليليات أو بالنهاريات، وهو الزواج من امرأة تعمل خارج منزلها بالليل وتأوي إلى منزلها في النهار أو العكس.
إلا أن المرأة في زواج المسيار لا تأوي إلى منزل زوجها.
وقد ارتبط زواج المسيار في الغالب بأنواع أخرى من الزواج:
1. كونه سريا (زواج شرعي لكنه غير معلن).
2. كونه عرفيا (زواج شرعي لكنه بدون أوراق رسمية).
3. حصوله من جهة الرجل على سبيل التجربة (مع نية الطلاق).
وبالنظر إلى الواقع الحاضر نجد أن لزواج المسيار بعضا من المصالح وبعضا من المفاسد.
فمن أبرز المصالح التي اقترنت به:
â—„ تقليل العنوسة.
â—„ تحصيل الولد بالنسبة لبعض النساء.
â—„ تحصين الرجل والمرأة بطريق غير محرم.
ومن أبرز المفاسد التي اقترنت به:
â—„ إهانة المرأة والاستهانة بشأن عقد الزواج.
â—„ مشكلة أطفال المسيار وضعف رابطة الأبوة.
â—„ فقدان المودة والسكن بين الزوجين.
ثانياً: خلاف العلماء في زواج المسيار وسببه.
ذهب بعض المعاصرين إلى بطلان هذا الزواج، والبعض الآخر قال بصحته، وبعض هؤلاء المصححين ذهب إلى صحته مع الكراهة؛ لكونه لا يحقق مقصود الشارع وحكمته من تشريع النكاح، وهو السكن والاستقرار.
ولو اختل في زواج المسيار شيء من أركان النكاح لوقع من العلماء الإجماع على بطلانه؛ فإنه متى اختل في عقد النكاح ركن من أركانه فإن العلماء مجمعون على بطلانه.
ومن هنا يتضح أن أهل العلم إنما اختلفوا في صحة زواج المسيار لا لاختلال ركن من أركانه، وإنما لأنه ـ مع كونه مستوفي الأركان ـ عقد وقع فيه إخلال بأمر ما.
وذلك أن بعض أهل العلم يعتبر اختلال هذا الأمر مؤثرا وقادحا في صحة الزواج، وهؤلاء حكموا ببطلانه، إلا أن البعض الآخر يرى أن اختلال هذا الأمر لا تأثير له، وهؤلاء حكموا بصحته.
ثالثاً: مآخذ المسألة.
معقد الاستدلال للحكم بصحة زواج المسيار أو الحكم ببطلانه إنما هو النظر إلى القاعدة الكلية، وهي: أن هذه الشريعة مبنية على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، والبناء عليها والانطلاق منها.
ومعلوم أن هذه القاعدة تدور عليها الأحكام الشرعية قاطبة، وبها تجتمع مقاصد الشريعة كافة.
ومن أهم المآخذ التي استند إليها المصححون لزواج المسيار:
أنه يحقق لكل من الزوجين كثيرا من المصالح الخاصة بهما، كما أن تسويغ هذا النوع من الزواج يحقق مصالح عامة للمجتمع الإسلامي، ويدرأ عنه شيئاً من المفاسد؛ حيث يفتح الباب لعلاقة شرعية منضبطة، ويوصد الباب أو يضيقه على تلك العلاقات المشبوهة والاتصالات المحرمة الواقعة بين الجنسين.
وإنما تتجلى وتعرف هذه المصالح وتلك المفاسد بالنظر إلى الأوضاع المتفشية في هذا الزمان من الامتداد الهائل والتأثير العظيم للقنوات الفضائية والمواقع المتعددة على الشبكة العالمية والصحف والمجلات السيارة، كل ذلك أدى إلى إثارة الغرائز وإشاعة الفتن وتيسير شأن الفواحش والدعوة إلى الرذيلة.
إضافة إلى واقع المسلمين وأحوالهم ـ مما هو مشاهد ومعلوم ـ من ضعف أواصر الأخوة بينهم وقلة التعاون والتآزر، وافتقاد أكثرهم إلى التكافل والتواصي على الخير.
ومن أهم المآخذ التي استند إليها المانعون لزواج المسيار:
أنه عقد يفضي في المآل بالنسبة للزوجين إلى حصول قدر كبير من المفاسد الخاصة بهما.
إضافة إلى أن هذا العقد يفضي إلى مفاسد أخرى عامة، فمن ذلك: الاستهانة بشأن عقد النكاح والاستخفاف به، وهذا قد يؤدي بكثير من الناس إلى التلاعب والاستهزاء بأحكام الشريعة وقيودها.
رابعاً: الرأي المختار.
يظهر لي أن الحكم على زواج المسيار بالصحة أو البطلان واقعة تحتاج إلى فقه خاص، تراعى فيه الظروف المحيطة بالواقعة والأحوال المقترنة بها، وهذا يختلف من مكان إلى آخر ومن وقت لآخر، ومن شخص لآخر، ومن حال لأخرى.
وبناء على ذلك فلا يصلح أن يُعطى زواج المسيار حكما واحدا مطردا لا يتغير، وإنما حكمه يختلف ويتغير بحسب تنزيله وتطبيقه على الواقع. والله أعلم.
وهذا الاختيار مبني على: الملاحظة الدقيقة لتحقيق مقاصد الشريعة من عقد النكاح، مع مراعاة أحوال الناس وحاجاتهم، وتقدير ظروف الحياة وطبيعتها في هذا العصر؛ فإن هذا الدين قد جاء لتحقيق المصالح وتكثيرها، وبنفي المفاسد وتقليلها.
الدرس الخامس: في مادة التكييف الفقهي
عنوان الدرس: غسيل الكلى وأثره على الصيام:
لا يستطيع الإنسان العيش من دون كلى، والبدائل المتوفرة لمرضى الفشل الكلوي المزمن ثلاثة:
‌أ- زراعة الكلية.
‌ب- الغسيل الدموي، وهو ضخ الدم من الجسم إلى جهاز الكلية الصناعية ثم إعادته إلى الجسم بعد إزالة السموم منه، وهذه العملية تستلزم إعطاء أدوية متعددة، وهي تستغرق (3-4) ساعات، وتكون ثلاث مرات أسبوعيا.
‌ج- الغسيل البريتوني، وفيها يحصل إدخال وإخراج السائل إلى تجويف البطن وليس في المعدة، وذلك من خلال أنبوب صغير في البطن بجانب السرة، وهذا السائل مكون من الماء النقي والأملاح والمعادن مع إضافة السكر بنسب متفاوتة، وتتراوح كميته (1-3) لتر حسب حجم الجسم، وتتكرر هذه العملية (4-5) مرات يوميا، وهذه هي الطريقة اليدوية.
وأما الطريقة الآلية فتعتمد على استخدام جهاز يقوم بوضع السائل النقي وسحب السائل المحمل بالسموم لمدة تتراح (7-9) ساعات أثناء النوم فقط مع بقاء المريض في السرير.
وبهذا يتبين لنا أن عملية الغسيل من العلاج الذي لابد منه أثناء الصوم فهي ضرورية للمريض، ويصعب إجراؤها في الليل بصورة مستمرة، ومتى ثبت أن إجراء عملية الغسيل ضروري في نهار رمضان ثبت أن المريض من الناحية الشرعية معذور في كل الأحكام الشرعية المترتبة على إجراء عملية الغسيل، وهي:
â—„ جواز الفطر أو استحبابه أو وجوبه.
â—„ وتعلق القضاء بذمته أو الفدية.
ولمعرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالصوم، المترتبة على عملية غسيل الكلى لابد
للفقيه أن يتصور أولاً: عملية الغسيل ويتعرف على كيفيتها في الواقع، وهذا التصور إنما يؤخذ من الأطباء ومن يعمل معهم في هذا المجال.
وعلى الفقيه ثانياً: أن يجيب على الأسئلة التالية حتى يبني قوله بصحة الصوم أو فساده على اعتبارات واضحة متفقة فيما بينها، وإليك هذه الأسئلة:
1. هل المقصود بالصوم معنى معقول أو هو عبادة غير معقولة المعنى؟
وبيان ذلك: أن مفسدات الصوم المنطوق بها ثلاثة: الأكل والشرب والجماع فهل يتعين الاقتصار على المنطوق به أو يمكن إلحاق أشياء مسكوت عنها وقياسها على هذا المنطوق؟
2. ثم ما هو المعنى الجامع المؤثر في هذا الإلحاق؟
3. وهل هذا المعنى الجامع متحقق في غسيل الكلى أو لا؟
4. وهل العبرة في إفساد الصوم بما يدخل إلى الجسم فقط أو بما يدخل إليه ويخرج منه (كالقيء والحجامة) ؟
5. وهل يؤثر في ذلك كونه يدخل إلى الجسم من منفذ معتاد أو غير معتاد؟
6. وهل خروج الدم من الجسم ثم دخوله إليه يعد بذاته مفطرا أو يعد مفطرا لأنه يدخل معه شيء من الدواء؟
7. وهل يؤثر في إفساد الصوم حصول ذلك على وجه التداوي أو المؤثر إنما هو حصول ذلك على وجه التغذية؟
8. وهل يؤثر في ذلك وقوعه على وجه الاختيار دون اضطرار أو الأمر في ذلك سواء، فلا فرق فيه بين الاختيار والاضطرار؟
9. وهل الحجامة تفسد الصوم؟ وهل يصح قياس عملية غسيل الكلى على الحجامة بجامع أن كلا منهما فيه إخراج للدم من الجسم؟
10. هل المريض الذي تجرى له عملية الغسيل يلزم أثناء العملية أو قبلها أو بعدها بتناول شيء من الأدوية وبعض من الأطعمة؟
والجواب على ذلك إنما يؤخذ من الطبيب، ثم إن الفقيه يبني حكمه على قول الطبيب.
فإذا كان الجواب نعم فيحكم إذ ذاك بفساد الصوم، لكن لا لأجل عملية الغسيل ذاتها، وإنما لأجل ما يصحب عملية الغسيل ويترتب عليها من أشياء تفسد الصوم وتبطله، وذلكم هو تناول شيء من الأدوية أو الأطعمة.
ومعنى ذلك: أن صوم المريض الذي أجريت له عملية الغسيل صوم فاسد، ولا يلزمه صوم ذلك اليوم أو الإمساك في بقيته، وإنما الواجب عليه إما القضاء إن كان قادرا على الصوم، أو ينتقل إلى الفدية إن كان عاجزا عن الصوم.
11. ومتى ثبت أن هذا المريض لا يمكنه الصوم لأجل هذه المفطرات التي يضطر إلى تناولها فينظر في مرض الفشل الكلوي: هل يعد من الأمراض المزمنة التي لا يرجى البرء منها؟
والجواب على هذا السؤال أمر يقرره الأطباء.
فمتى قرر الأطباء أن هذا المرض من الأمراض المزمنة؛ لأن صاحبه مضطر بصورة دائمة إلى الإفطار في نهار رمضان بتناول شيء من الأدوية والأطعمة؛ فإن مريض الفشل الكلوي بهذا التقرير غير مطيق للصوم أبد الدهر.
وبهذا النظر فلا مجال لديه للقضاء، وإنما ينتقل إلى الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم من رمضان، كما قال سبحانه: ..{َمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة 184].

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.58 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.83%)]