عرض مشاركة واحدة
  #258  
قديم 13-12-2019, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,001
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (258)
تفسير السعدى
سورة إبراهيم
من الأية(41) الى الأية(52)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة إبراهيم



" ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار " (42)
هذا وعيد شديد للظالمين, وتسلية للمظلومين.
يقول تعالى: " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ " حيث أمهلهم وأدر عليهم الأرزاق, وتركهم يتقلبون في البلاد, آمنين مطمئنين.
فليس في هذا, ما يدل على حسن حالهم, فإن الله يملي للظالم ويمهله, ليزداد إثما, حتى إذا أخذه, لم يفلته " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " .
والظلم - ههنا - يشمل الظلم فيما بين العبد وربه, وظلمه لعباد الله.
" إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ " أي: لا تطرف من شدة ما ترى, من الأهوال وما أزعجها من القلاقل.


" مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء " (43)

" مُهْطِعِينَ " أي: مسرعين إلى إجابة الداعي حين يدعوهم إلى الحضور بين يدي الله الحساب, لا امتناع لهم ولا محيص, ولا ملجأ.
" مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ " أي: رافعيها قد غلت أيديهم إلى الأذقان, فارتفعت لذلك, رءوسهم.
" لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُم ْ هَوَاءٌ " أي: أفئدتهم فارغة من قلوبهم, قد صعدت إلى الحناجر, لكنها مملوءة من كل هم وغم, وحزن وقلق.


" وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال " (44)
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ " أي: صف لهم تلك الحال, وحذرهم من الأعمال الموجبة للعذاب, الذي حين يأتي في شدائده وقلاقله.
" فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا " بالكفر والتكذيب, وأنواع المعاصي, نادمين على ما فعلوا, سائلين للرجعة في غير وقتها.
" رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ " أي: ردنا إلى الدنيا, فإنا قد أبصرنا.
" نُجِبْ دَعْوَتَكَ " والله يدعو إلى دار السلام " وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ " وهذا كله, لأمل التخلص من العذاب الأليم, وإلا فهم كذبة في هذا الوعد " فلو ردوا, لعادوا لما نهوا عنه " .
ولهذا يوبخون ويقال لهم: " أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ " عن الدنيا, وانتقال إلى الآخرة, فها, قد تبين لكم حنثكم.
في إقسامكم, وكذبكم فيما تدعون.
وليس عملكم قاصرا في الدنيا من أجل الآيات البينات.
بل " وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ " من أنواع العقوبات؟ وكيف أحل الله بهم العقوبات, حين كذبوا بالآيات البينات, وضربنا لكم الأمثال الواضحة التي لا تدع أدنى شك في القلب إلا أزالته.
فلم تنفع فيكم تلك الآيات, بل أعرضتم, ودمتم على باطلكم, حتى صار ما صار: ووصلتم إلى هذا اليوم الذي لا ينفع فيه اعتذار, من اعتذر بباطل.


" وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " (46)
" وَقَدْ مَكَرُوا " أي: المكذبون للرسل " مَكْرُهُمْ " الذي وصلت إليه إرادتهم, وقدروا عليه.
" وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ " أي: هو محيط به علما وقدرة, وقد عاد مكرهم عليهم " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " " وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ " أي: ولقد كان مكر الكفار المكذبين للرسل, بالحق, وبمن جاء به - من عظمه - لتزول الجبال الراسيات بسببه, عن أماكنها.
أي: " مكروا مكرا كبارا " لا يقادر قدره ولكن الله رد كيدهم في نحورهم.
ويدخل في هذا, كل من مكر من المخالفين للرسل, لينصر باطلا, أو يبطل حقا.
والقصد أن مكرهم, لم يغن عنهم شيئا, ولم يضروا الله شيئا, وإنما ضروا أنفسهم.


" فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام " (47)
يقول تعالى: " فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ " بنجاتهم, ونجاة أتباعهم وسعادتهم, وإهلاك أعدائهم وخذلانهم في الدنيا, وعقابهم في الآخرة.
فهذا لا بد من وقوعه, لأنه وعد به الصادق قولا, على ألسنة أصدق خلقه, وهم: الرسل, وهذا أعلى ما يكون من الأخبار.
خصوصا, وهو مطابق للحكمة الإلهية, والسنن الربانية, وللعقول الصحيحة.
و " إِنَّ اللَّهَ " لا يعجزه شيء, فإنه " عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ " .


" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار " (48)
أي: إذا أراد أن ينتقم من أحد, فإنه لا يفوته ولا يعجزه, وذلك في يوم القيامة.
" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ " تبدل غير السماوات.
وهذا التبديل, تبديل صفات, لا تبديل ذات, فإن الأرض يوم القيامة تسوي وتمد كمد الأديم, ويلقى ما على ظهرها من جبل ومعلم, فتصير قاعا صفصفا, لا ترى فيها عوجا ولا أمتا.
وتكون السماء, كالمهل, من شدة أهوال ذلك اليوم, ثم يطويها الله تعالى بيمينه.
" وَبَرَزُوا " أي: الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم, ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء.
" لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ " أي: المنفرد بعظمته وأسمائه وصفاته, وأفعاله العظيمة, وقهره لكل العوالم فكلها تحت تصرفه وتدبيره, فلا يتحرك منها متحرك, ولا يسكن ساكن إلا بإذنه.


" وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد "(49)

" وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ " أي: الذين وصفهم الإجرام, وكثرة الذنوب.
" يَوْمَئِذٍ " في ذلك اليوم " مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ " أي: يسلسل كل أهل عمل من المجرمين, بسلاسل من نار, فيقادون إلى العذاب, في أذل صورة وأشنعها, وأبشعها.


" سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار " (50)
" سَرَابِيلُهُمْ " أي: ثيابهم " مِنْ قَطِرَانٍ " وذلك لشدة اشتعال النار فيهم وحرارتها, ونتن ريحها.
" وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ " التي هي أشرف ما في أبدانهم " النَّارَ " أي: تحيط بها, وتصلاها من كل جانب, وغير الوجوه من باب أولى وأحرى.
وليس هذا ظلما من الله, وإنما هو جزاء لما قدموا وكسبوا, ولهذا قال تعالى: " لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ " من خير وشر, بالعدل والقسط, " إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " كقوله تعالى: " اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ " .
ويحتمل أن معناه: سريع المحاسبة, فيحاسب الخلق في ساعة واحدة كما يرزقهم ويدبرهم بأنواع التدابير, في لحظة واحدة, لا يشغله شأن عن شأن, وليس ذلك بعسير عليه.


" هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب " (52)
فلما بين البيان المبين في هذا القرآن, قال في مدحه: " هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ " أي: يتبلغون به, ويتزودون إلى الوصول إلى أعلى المقامات وأفضل الكرامات, لما اشتمل عليه من الأصول والفروع, وجميع العلوم التي يحتاجها العباد.
" وَلِيُنْذَرُوا بِهِ " لما فيه من الترهيب من أعمال الشر, وما أعد الله لأهلها من العقاب.
" وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ " حيث صرف فيه من الأدلة والبراهين, على ألوهيته ووحدانيته, ما صار ذلك حق اليقين.
" وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ " أي: العقول الكاملة, ما ينفعهم, فيفعلونه وما يضرهم, فيتركونه, وبذلك صاروا أولي الألباب والبصائر.
إذ بالقرآن, ازدادت معارفهم وآراؤهم, وتنورت أفكارهم, لما أخذوه غضا طريا, فإنه لا يدعو إلا إلى أعلى الأخلاق والأعمال وأفضلها.
ولا يستدل على ذلك إلا بأقوى الأدلة وأبينها.
وهذه القاعدة إذا تدرب بها العبد الذكي, لم يزل في صعود ورقي على الدوام في كل خصلة حميدة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.08%)]