عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-12-2019, 04:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,881
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العشر من ذي الحجة كيف نعيشها؟

العشر من ذي الحجة كيف نعيشها؟
عبد الوهاب عمارة

أعمال تُعادِل الحج:

إليك أعمالاً تُعادِل الحجَّ في الأجرِ والثواب، وبها تُشارِك الحجيج مشاعِرَهم وشعائِرَهم، ومَن سبَقَ له الحج يستَرجِع ذكريات الحج ومشاعره.

الصوم:

لماذا تُرِيد الحجَّ؟ لأنَّ الحجَّ يَغفِر الذنوب، أليس كذلك؟ فلك هذا وأنت في بيتك، فغَيْر الحاج يَغفِر الله له الذُّنوب بصَوْمِ يومٍ واحد في سبيل الله، وإليك حديثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما روى أبو قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((...صِيامُ يوم عرفة أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السَّنة التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه، وصيام يوم عاشوراء أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السنة التي قبلَه))؛ رواه مسلم والترمذي وغيرهما.

إنَّ من أعظم درجات الحجِّ أنَّ الله - عز وجل - يَغفِر ذنوب الحجاج جميعًا، وأكثَرُ ما يعتق من الرِّقاب يوم عرفة، وإلى هذا أشارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الشريف؛ قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من يومٍ أكثر من أنْ يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنَّه لَيَدنُو ثم يُباهِى بهم الملائكةَ فيقول: ما أرادَ هؤلاء؟))؛ رواه مسلم وغيرُه.

فالحُجَّاج يُكفِّر الله - عز وجل - عنهم ذنوبهم يوم عرفه، وغير الحُجَّاج من الصائمين الطائعين يُكفِّر الله - عز وجل - ذنوبهم وهم في بلادهم على بُعدِ مِئات أو آلاف الأميال من مكَّة، وهذا من نعمة الله - عز وجل - على المسلمين جميعًا، فينبَغِي ألاَّ نغفل عن صِيام يوم عرفة خاصَّة، وصيام أيَّام العشر من ذي الحجة عامَّة، عدا يوم العيد.

ولا تنسَ فضلَ الصِّيام؛ فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبى سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن صامَ يَوْمًا في سبيل الله باعَد الله وجهَه عن النار سبعين خَرِيفًا))، هذا في أيِّ يومٍ، فكيف لو كان في يومٍ هو من أحبِّ أيَّام الدُّنيا على الإطلاق إلى الله - عز وجل - فالأجر مُضاعَف والثَّواب أكثَرُ؟!

وروى النسائي وأحمد عن حَفصَةَ قالت: أربَعٌ لم يكن يدعهنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: صِيام عاشُوراء، والعَشر، وثلاثة أيَّام من كلِّ شهرٍ، وركعتين قبل الغَدَاة؛ ضعَّفه الألباني، ويُؤخَذ بهذا في فضائل الأعمال.

صلاة الجماعة:

صلاة الجماعة بالنسبة للرجال في المسجد، والصلاة على أوَّل وقتِها بالنسبة للنِّساء، وهي من العِبادات التي ينبَغِي علينا أنْ نزيد الاهتِمامَ بها، ولننظُر ولنتدبَّر حديثَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: عن أبى هُرَيرَة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن غَدَا إلى المسجد أو راحَ أعدَّ الله له في الجنَّة نُزُلاً كلَّما غَدَا أو راحَ))؛ رواه البخاري ومسلم.

ولنستَشعِر هذه المعاني العظيمة التي يحتَوِيها هذا الحديثُ، ألَسنا نحسد الحجَّاج على وعْد الله لهم بالجنَّة؟! فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارة لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاء إلاَّ الجنَّة))؛ رواه البخاري ومسلم عن أبي هُرَيرة.

هذا رائعٌ، لكنْ لديك فرصةٌ وأنت في بلدك، فلا داعي لأنْ تَحزَن لأنَّك لا تستَطِيع أنْ تذهَبَ إلى الحجِّ لتحصل على هذا الثواب الضَّخم والأجر الكبير؛ لتحصل على الجنَّة، فكُلُّ ذهابٍ إلى المسجد وكلُّ إيَابٍ منه يُعَدُّ لك نُزُلك في الجنَّة، أرَأيتَ عظيمَ فضلِ الله علينا؟! والنُّزُل هو: ما يُعَدُّ للضَّيف من كرم الضِّيافة وأنت ضَيْفُ الله في بيته.

بل لك البُشرَي بفضلٍ عميمٍ من حديث رسول الرَّحمة - صلى الله عليه وسلم - عن أُمِّ حَبِيبة قالت: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن صلَّى اثنتَيْ عشرة رَكعة في يومٍ وليلةٍ بُنِي له بهنَّ بيتٌ في الجنَّة))؛ رواه مسلم.

وقد فسَّرَهم الترمذيُّ في حديثه عن أُمِّ حَبِيبة قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلَّى في يومٍ وليلةٍ ثنتي عشرة ركعة بُنِي له بيتٌ في الجنَّة: أربعًا قبلَ الظُّهر، وركعتَيْن بعدها، وركعتَيْن بعد المغرب، وركعتَيْن بعد العِشاء، وركعتَيْن قبلَ صلاة الفجر))، قال الترمذي: حسن صحيح.

الدعاء:

كلُّنا نلتَمِس ممَّن نُودِّعهم من الحجَّاج الدُّعاء عن الكعبة أو عند زمزم أو غيرها من النُّسُك؛ لأنَّ الدُّعاء عند الكعبة مُستجابٌ، وكذا عند الشُّرب من ماء زمزم، وعند السعي، وعند الوقوف بعرفة، وكذا عند كلِّ نسك، ولك هذا وأنت في بيتك، بل إنَّ الله هو الذي يَسأَلُك: ما حاجتك؟ ماذا تريد؟ بِمَ تدعو؟ ما الذي ينقصك؟ عن أبى هُرَيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يَنزِل الله إلى السَّماء الدُّنيا كلَّ ليلةٍ حين يمضى ثلث الليل الأوَّل فيقول: أنا الملك، أنا الملك، مَن ذا الذي يَدعُوني فأستَجِيب له؟ مَن ذا الذي يسألني فأُعطِيَه؟ مَن ذا الذي يستَغفِرني فأغفِرَ له؟ فلا يَزال كذلك حتى يُضيء الفجرُ)).

وفي روايةٍ لمسلم: ((إذا مَضَى شطرُ اللَّيل أو ثُلثاه يَنزِل الله -- تبارك وتعالى -- إلى السَّماء الدُّنيا فيَقول: هل من سائلٍ يُعطَى؟ هل مِن داع يُستَجاب له؟ هل من مُستَغفِر يُغفَر له؟ حتى ينفَجِر الصبح)).

ماذا يريدُ الإنسان أكثر من ذلك؟! الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يتودَّد إليك ويُرِيدك أنْ تسأَلَه حاجتَك، أليس لدَيْك ما تريد أنْ يقضيه الله لك؟! ألاَ تريد من ربِّك أنْ يَشفِي لك مريضًا، أو يُيسِّر لك امتِحانًا، أو يرد عنك ظالِمًا، أو يَرفَع عنك بلاءً نزَل بك، أو يردَّ إليك حقًّا سُلِب منك؟! ألستَ تُرِيد شيئًا من ربِّك؟ ألاَ تريد مالاً؟! ألاَ تريد زوجةً؟! ألاَ تريد أولادًا؟! ألاَ تريد صحةً؟!

الله - عز وجل - هو الذي يُرِيد قضاءَ حاجتك، ما عليك إلاَّ أنْ تسأل، ثم.. أليس عندَك ذنبٌ تُرِيد من الله أنْ يغفره لك؟! ومَن مِنَّا لم يقتَرِف ذنبًا، فكلُّ بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون، ألسنا نحسد الحجَّاج لمغفرة الله - عز وجل - لهم جميع ذنوبهم؟!

إنَّنا في الواقع نمتَلِك هذه الفرصة كلَّ ليلة، فالله - عز وجل - يسأل: "مَن يستَغفِرُني فأَغفرَ له؟ "، فما عليك إلاَّ أنْ تستَيقِظ لتَسأَل ربَّك وتستَغفِره دون أنْ تَدفَع المال الكثيرَ، وتتكبَّد الجهد الكبير في ذهابك للحج، وليس معنى هذا أنْ يَتكاسَل الناسُ عن الحج؛ فالحجُّ عبادةٌ من أعظم العبادات في الإسلام، لكنِّي أقول لعُموم المسلمين الذين لم يتيسَّر لهم فرصةُ الحج لأيِّ ظرفٍ من الظُّروف: إنَّ الله - عز وجل - أعطاكُم بَدائِلَ للحجِّ، وفي نفس وقت الحج، وعليها من الأجر ما قد يَصِلُ إلى مثل أجرِ الحج، بل ربما زاد عليه إذا كانت النيَّة خالصةً والاشتِياق للمغفرة وللعمل الصالح حقيقيًّا، فاسجُدْ لله في جَوْفِ الليل واقترب؛ ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) [العلق: 19].

روى مسلم عن أبى هُرَيرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أقرَبُ ما يَكون العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثِرُوا الدُّعاء))، فاقتَرِبْ وسَلْه حاجتَك، وارفَع إليه مظلمَتك و"فضفض" إلى ربِّك؛ فهو يحب مِن عبده أنْ يَسأَله حاجتَه؛ عن أبى هُرَيرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن لم يَسأَل الله يَغضَب عليه))، وفي لفظ: ((مَن لم يدعُ الله غضب الله عليه))؛ رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه والحاكم وصحَّحه ووافَقَه الذهبي وحسَّنه الألباني.

لاَ تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً *** وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لاَ تُحْجَبُ

اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ *** وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ

لأنَّ الدعاء هو محضُ العبادة؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النُّعمان بن بَشِيرٍ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((الدُّعاء هو العِبادة))، ثم قرَأ: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [غافر: 60]، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال الألباني: إسناده صحيح، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم والذهبي، ورواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

الذِّكر:

فمن مقاصد الحجِّ الذِّكر، ويتَّضح ذلك من قول الله - تبارك وتعالى-: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ) [الحج: 28].

وقوله - عز وجل -: ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) [البقرة: 198].

( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) [البقرة: 200].

( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) [البقرة: 203].

روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيَّامٍ أعظَم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهنَّ من هذه الأيَّام العشر، فأكثِرُوا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد))؛ قال الحافظ العراقي: هذا حديثٌ رجاله مُخرَّج لهم في الصحيح، وقال ابن حجرٍ العسقلاني في "الأمالي المطلقة": هذا حديث حسن، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح، وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح.

وللتكبير بالذات قيمةٌ عالية جدًّا في هذه الأيام، وذكَر البخاري في باب فضل العمل في أيام التشريق: وقال ابن عباسٍ: ( واذكُرُوا اللهَ في أيَّامٍ معلومات) أيَّام العشر، والأيَّام المعدودات أيَّام التشريق، وكان ابنُ عمر وأبو هُرَيرة يَخرُجان إلى السوق في أيَّام العشر يُكبِّران، ويُكبِّر الناس بتَكبِيرهما، وكبَّر محمد بن عليٍّ خَلفَ النافِلَة".

وأعظَمُ الذِّكر قراءةُ القرآن الكريم.

أيُّها الأحباب، إنَّنا مأمورون بالتشبُّه بالحجَّاج في أعمالهم الظاهرة ومن باب أولي في مقاصد أعمالهم؛ عن أمِّ سلمة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا رأيتُم هلالَ ذي الحجَّة وأراد أحدُكم أنْ يُضحِّي، فليُمسِك عن شَعرِه وأظفاره))؛ مسلم.

نسأَلُ الله - تبارك وتعالى - الإخلاصَ في القول والعمل، والسرِّ والعلَن، ونسأَلُكم الدُّعاء.

( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [الصافات: 180 - 182].

والصَّلاة والسَّلام على مَن:

بَلَغَ العُلاَ بِكَمَالِهِ

كَشَفَ الدُّجَى بِجَمَالِهِ

عَظُمَتْ جَمِيعُ خِصَالِهِ

صَلُّوا عَلَيْهِ وَآلِهِ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.50%)]