نوازل الحج
د. عبدالله بن حمد السكاكر
نأتي الآن إلى المسألة التي بين أيدينا وهي: حكم مَن عجز عن المبيت الواجب بمزدلفة؟
حصل في بعض السنوات أن بعض الحجاج ما وصل إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وانتهاء وقت الوقوف بمزدلفة تمامًا.
فأولاً على ما رجحناه في حُكْم المبيت بمزدلفة، وأنه واجب وليس بركن؛ فإننا نقول إن حجه صحيح؛ لأن الراجح من أقوال أهل العلم أن المبيت بمزدلفة ليلة العيد واجبٌ من واجبات الحج، والواجب إذا تركه الحاج، فإن حجه صحيح، ومسألة ماذا يترتب على ذلك نبحثها الآن، المهم أن نعرف أن الحاج الذي يفوته الوقوف بمزدلفة، ويعجز عنه أن حجه صحيح.
نأتي بعد ذلك إلى حكم المسألة التي بين أيدينا في جزئها الثاني: إذا كان الحج صحيحًا، فماذا يلزمه؟ الكلام عمن عجز عن المبيت بمزدلفة، لا عمن ترك المبيت بمزدلفة مختارًا. يعني إنسان خرج من عرفات، وذهب إلى منى مباشرةً، وجلس فيها بدون عذر، هذا ما نتكلم عنه، هذا ترك الواجب مختارًا، ويلزمه ما يلزم مَن ترك الواجب مختارًا مِن الإثم ووجوب التوبة، والجبران عند مَن يقول به. نحن نتكلم عما يحصل لبعض الحجاج في هذه الأزمنة، وهي أنه ربما عجز عن الوصول إلى مزدلفة حتى يفوت وقتها أحيانًا؛ كأن يكون في سيارة مثلاً وفي الطريق يتوقف السير، ما يستطيع أن يذهب لأن أهله معه في السيارة، وإذا جلس انتهى وقت الوقوف بمزدلفة قبل أن يصل إليها، إذًا هذا عاجز عن الوقوف بها، وتركه الوقوف بها عُذْرُه العجز. فماذا يلزم هذا العاجزَ؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن مَن أُحصِر عن الواجب فإن عليه دمًا. من أحصر يعني مُنع، حيل بينه وبين الواجب؛ مثل مَن حيل بينه وبين الوقوف بمزدلفة، أن عليه دمًا؛ يعني يجبره بدم، وجبران الدم مبني على أثر ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وهو قوله - رضي الله عنه -: "مَن ترك نسكًا من غير الفريضة؛ فليهرق دمًا". هذا قولٌ في هذه المسألة.
القول الثاني في هذه المسألة: وهو الذي أفتى به سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد العثيمين - رحمهما الله تعالى - أفتيا به الحجاج الذين عجزوا عن المبيت بمزدلفة، وأنه لا يلزمهم شيء، فما دام أنهم تركوا المبيت عجزًا؛ فإنه لا يلزمهم شيء.
ما حُجة مَن قال بهذا القول؟
استدلوا بدليلين:
الأول: حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي - رضي الله تعالى عنه - وقد رواه الخمسة، وهو حديث صحيح، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((الحج عرفة؛ فمن جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جَمْع؛ فقد تم حجه))، هذا هو الشاهد، فمَن وقف ولو للحظة قبل طلوع الفجر بعرفات؛ فقد تم حجه. ومن المعروف أن مَن وقف في هذا الوقت لن يقف في مزدلفة؛ يعني في آخر لحظة من الليل، فإنه عند جمهور أهل العلم قد انتهى؛ لأن وقت المبيت الواجب عندهم ينتهي بطلوع الفجر. فمن وقف في آخر لحظة في عرفة وهو طلوع الفجر، فإنه بالتأكيد لن يستطيع أن يقف بمزدلفة. والنبي - صلى الله عليه وسلم – يقول: ((فقد تم حجه))، وهذا دَلالته أن مَن وقف بآخر لحظة من "وقت الوقوف بعرفة" بعرفة، ففاته الوقوف بمزدلفة، وفواته ذلك بعذر؛ لأنه ما وقف بعرفة إلا في آخر وقتها؛ فقد تم حجه، وما على مَن تم حجه من شيء. هذا هو الحُجة الأولى لمن قال بهذا القول.
الدليل الثاني: قالوا إن كل ما عجز عنه المكلَّف من الواجبات ومن شرائط العبادات، فإنه يسقط؛ كما قرر هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، في أن ما عجز عنه المكلَّف من شرائط العبادات ومن واجباتها، فإنه يسقط. كما لو أن الإنسان مثلاً عجز عن ستر العورة، أو غير ذلك؛ كالسجود ونحوه، فإن من عجز عن شيء من الواجبات وشرائط العبادات، فإنه يسقط عنه بالعجز؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله - سبحانه وتعالى - لا يكلف الإنسان إلا وسعه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهذا القول هو اختيار الشيخين ابن باز والعثيمين - رحمهما الله تعالى - كما سبق، وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة، والعلم عند الله.
بقية مسألة ليس من النازلة التي نريد أن نتحدث عنها؛ لكن من المهم أن ننبه عليها؛ لأن الترجيح في المسألة السابقة قد يترتب علية إشكال، فقد ذكرت لكم قبل قليل في مسألة المقدار الواجب من الوقوف بمزدلفة أن قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - في هذه المسألة وجيهٌ، وأن الإنسان لو وقف في مزدلفة ربع ساعة أو نصف ساعة، أو مرَّ بها مرورًا؛ فإن هذا يجزئه على قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - وهو قول وجيه، له حظ من النظر. لكن قد يترتب على هذا أمر آخر، وهو أن يأتي إنسان مثلاً من عرفات، فيصل إلى مزدلفة الساعة التاسعة، ثم يقف فيها لمدة ساعة، ثم يركب سيارته ويذهب إلى جمرة العقبة ويرميها، فحتى لا نقع في هذا الإشكال؛ أردت أن أنبه على هذه المسألة التي أمامكم، وهي مسألة - حتى لو قلنا بقول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - ووقف الإنسان بمزدلفة مقدار الواجب، ثم دفع قبل منتصف الليل.
متى يبدأ وقت رمي جمرة العقبة؟
لا شك أن رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أكمل الأحوال، وهو صحيح بإجماع أهل العلم؛ لكن قبل هذا الوقت، متى يجوز له أن يرمي جمرة العقبة؟ متى يبدأ وقتها؟ لا أعلم أحدًا من أهل العلم قال يجوز أن ترمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل؛ حتى الإمام مالك - رحمه الله تعالى - الذي يقول إنه يجزئه أن يقف بمزدلفة بمقدار ما يصلي بها المغرب والعشاء ويتعشى، يقول لا يجوز له أن يرمي جمرة العقبة؛ حتى تطلع الشمس. وإنما اختلفوا فيما بين منتصف الليل إلى طلوع الشمس، فقال الشافعي وأحمد: إذا انتصف الليل جاز لمن بمزدلفة أن يدفع، وجاز له أن يرمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: لا يرميها حتى يطلع الفجر، وقال بعض أهل العلم: لا يرميها حتى تطلع الشمس. هذه ثلاثة أقوال في هذه المسألة، وهي بداية وقت رمي جمرة العقبة، مَن قال بأن وقت الرمي يبدأ بعد منتصف الليل هم الشافعي وأحمد ومَن قال بقولهم.
وهؤلاء استدلوا بأدلةٍ من أظهرها وأقواها ما رواه أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أرسل أم سلمة بليلٍ، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم أفاضت إلى البيت وصلَّت الصبح في مكة"، فأم سلمة - رضي الله تعالى عنها - رخَّص لها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تدفع بليلٍ، فذهبت ورمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم ذهبت من جمرة العقبة إلى المسجد الحرام، وأفاضت وصلت الفجر هناك؛ فهذا نص صريح أنها رمت قبل الفجر. ومن أدلة أصحاب هذا القول ما في صحيح البخاري وغيره من حديث عبدالله مولى أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها -: "أنها وقفت بمزدلفة، ثم أخذت تصلي، ثم قالت لمولاها: "يا بني هل غاب القمر؟"، قال: لا، فرجعتْ فصلَّت، ثم قالت: "هل غاب القمر؟"، قال: نعم، فأمرتْ أن يرتحلوا، فارتحلوا حتى أتوا منى، ثم رموا جمرة العقبة، قال مولاها: فرجعنا إلى منزلها - يعني بمنى - ثم صلَّت الصبح فقلتُ: يا هَنْتَاهْ لقد غلَّسنا - يعني صلينا الفجر بغلس - فقالت: "يا بني قد أَذِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – للظُّعُن".
والظعن جمع ظعينة، وهي: المرأة التي تركب على البعير، فالشاهد في هذا أن سياق الدليل يدل على أنها رمت قبل طلوع الفجر؛ لأنها رمت ثم رجعت إلى منزلها، ثم صلت الفجر بغلس. هذا حُجة مَن قال إنه يجوز الرمي بعد منتصف الليل، إذا جاز الدفع جاز الرمي. وأما الذين قالوا إنه لا يجوز الرمي إلا بعد طلوع الفجر فقد احتجوا بحديث أسماء نفسه! وقالوا إن حديث أسماء ظاهرُه أنها ما رمت حتى طلع الفجر. والذي يظهر لي - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - أن أسماء رمت قبل طلوع الفجر؛ لأنها رمت ثم ذهبت إلى منزلها فصلَّت، فقال مولاها: "يا هَنْتَاهْ لقد غلسنا". فبعد رميها ذهبت إلى بيتها ثم صلت الفجر.
فالذي يظهر لي - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن حديث أسماء يدل على أن الرمي قبل طلوع الفجر. أما الذين قالوا إن الرمي لا يجوز إلا بعد صلاة الفجر وبعد طلوع الشمس، فاستدلوا بما رواه أهل السنن عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "قدَّمنا رسولُ الله - صلى لله عله وسلم - ليلة جَمْع أُغيلمة بني عبدالمطلب، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَلْطَحُ أفخاذنا ويقول: ((أُبَيْنِيَّ لا ترموا حتى تطلع الشمس))؛ أبيني: بمعني أي أبنائي، وهذا نوع من الملاطفة لهم منه - صلى الله عليه وسلم - لا ترموا حتى تطلع الشمس، والحديث صحيح. وهذا قد يُشْكِل فعلاً، كيف تقولون يرمي بعد منتصف الليل.
والنبي - صلى الله عليه وسلم – يقول لهؤلاء: ((لا ترموا حتى تطلع الشمس))؟! لكن أقول لكم إن حديث ابن عباس يدل على عدم الرمي حتى تطلع الشمس، وحديث أسماء يدل على الرمي قبل طلوع الفجر في الدَّلالة الصحيحة، وحديث عائشة دلالته أكيدة، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أم سلمة أن تدفع فدفعت، قالت عائشة: "فرمت جمرة العقبة قبل الفجر". فهذا فيه ((لا ترموا حتى تطلع الشمس))، وهذا فيه "أن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - رمت قبل الفجر"؛ فهذه متعارضة، وأحسن ما يقال في الجمع بينها هو ما قاله الشِّنْقِيطِيُّ - رحمه الله تعالى - أن حديث أسماء وحديث عائشة في قصة أم سلمة يُحمَل على الجواز، وحديث ابن عباس يُحمَل على الاستحباب. والذي يظهر - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو قول الشافعي وأحمد في هذه المسألة، وهو أنه إذا انتصف الليل فقد جاز رمي جمرة العقبة.
تنبيه يسير قبل أن نختم هذا، وهو أن الأحاديث كثيرة في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخَّص لضعفة أهله وللنساء وللظُّعُن من آخر الليل، فأقول إن هذه الرخصة التي ثبتت لهؤلاء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - تَثْبُتُ لأكثر الناس؛ أو لكل الناس مع هذه الأعداد الهائلة؛ فإنهم يستحقون مثل هذه الرخصة، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.