
09-12-2019, 04:40 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,597
الدولة :
|
|
رد: نوازل الحج
نوازل الحج
د. عبدالله بن حمد السكاكر
بعد ذلك ننتقل إلى المقدمة الثانية، قبل الحديث عن مسألتنا التي بين أيدينا، هذه المقدمة هي:
ما حكم المبيت بمزدلفة ليلة العيد؟ فأقول إن أهل العلم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: فمن أهل العلم مَن قال إن المبيت بمزدلفة ليلة العيد ركنٌ من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به؛ فمن فاته فقد فاته الحج. ومن أهل العلم مَن قال إن المبيت بمزدلفة واجبٌ من واجبات الحج، وليس ركنًا، وهذا القول هو قول جماهير أهل العلم، بما فيهم الأئمة الأربعة. والقول الثالث من أقوال أهل العلم أن المبيت بمزدلفة ليلة العيد سُنةٌ. والذي لا ريب فيه ولا شك - والعلم عند الله - هو رجحان قول مَن قال إن المبيت بمزدلفة واجبٌ من واجبات الحج؛ يجب على الحاج لكنه لو فاته فإن حجه صحيح. والذين قالوا بأنه واجب من واجبات الحج استدلوا بعدد من الأدلة، لكن من أظهر هذه الأدلة قول الله - سبحانه وتعالى -: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198].
والمشعر الحرام - كما قلت لكم قبل قليل - هو اسم من أسماء مزدلفة، كما أن مما استدل به هؤلاء على وجوب المبيت بمزدلفة حديثَ عروة بن مضرس، الذي مر معنا في المجلس الماضي، وقد رواه الخمسة، وهو حديث صحيح، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعروة بن مضرس: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجُّه، وقضى تفثه))، فقيد النبي - صلى الله عليه وسلم - تمام الحج بالوقوف بمزدلفة؛ يعني قال: ((من صلى صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع))، ومن أدلتهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بجمع أو بات بمزدلفة، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)). هذا هو ما استدل به أصحاب هذا القول على أن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، كما أن مما استدل به أصحاب هذا القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخَّص للضعفة من آخر الليل...إلخ، والرخصة لا تكون إلا في مقابل الواجب؛ فإنه لا يقال رخص لهم في ترك السُّنة؛ وإنما يقال رخص لهم في ترك الواجب، أو جزء من الواجب.
أما مَن قال إن المبيت بمزدلفة ركنٌ في الحج، فإن هؤلاء أظهرُ دليلٍ لهم هو ما ورد في بعض روايات حديث عروة بن مضرس الطائي - رضي الله تعالى عنه - كما عند النسائي، فإنه ورد في رواية عند النسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((مَن أدرك الإمام والناس، وأفاض معنا فقد أدرك، ومن فاته الناس والإمام فلم يدرك))؛ يعني مَن أدرك الوقوف مع الإمام والناس، وأفاض معهم؛ فقد أدرك الحج، ومَن فاته الوقوف مع الناس، والإفاضة معهم؛ فقد فاته الحج. لكن هذه الرواية كما عليه أكثر أهل العلم أنها رواية غير محفوظة، لا تصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قرر ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - والشِّنْقِيطِي كما في "أضواء البيان". فهذه الرواية لا تصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما حديث عروة بن مضرس روايتُه المحفوظة هي الرواية التي كررناها مرارًا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجه وقضى تفثه))، أيضًا مما يدل على أن المبيت بمزدلفة ليس ركنًا في الحج حديثُ عبدالرحمن بن يعمر- رضي الله تعالى عنه - الذي رواه أصحاب السنن، والإمام أحمد بسند صحيح، أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((الحج عرفة؛ فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جَمْعٍ فقد أدرك - وفي بعض الروايات - فقد تم حجه))، في هذا الحديث يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن مَن أدرك الوقوف بعرفة، ولو لحظة قبل طلوع الفجر من ليلة مزدلفة؛ فقد تم حجُّه، وأدرك الحج، فالإنسان الذي لا يقف بعرفة إلا في آخر لحظة من ليلة مزدلفة، متى سيقف في مزدلفة؟ إذًا كان جمهور أهل العلم يقولون إن الوقوف قبل طلوع الفجر، فهذا بالتأكيد سيفوته الوقوف بمزدلفة، ولو كان إذا فاته الوقوف بمزدلفة لا يصح حجُّه لأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه قال: ((فقد تم حجه))، فهذه الأدلة بمجموعها تدل على أن المبيت بمزدلفة واجبٌ من واجبات الحج، يأثم الإنسان بتركه متعمدًا؛ ولكنه لا يبطل حجه؛ بل حجه صحيح، هذا هو أعدل الأقوال في مسألة حكم المبيت بمزدلفة. أما قول مَن يقول إنه سنة فهذا قول ضعيف، ومستنده ضعيف؛ فإنهم يقيسونه على المبيت بمنى ليلة التاسع، ولا شك أن هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابل النص.
المقدمة الثالثة: المقدار الواجب من المبيت في مزدلفة:
قلنا إن المبيت بمزدلفة واجب على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، فما هو المقدار الواجب من هذا المبيت؟ يعني كم يجزئ الإنسان من هذا المبيت؛ بحيث يقال له قد أتيت بالواجب؟ في مسألة الوقوف بعرفة من حديث عروة بن مضرس الطائي، ومن حديث عبدالرحمن بن يعمر، عرفنا أن الوقوف بعرفة يكفي فيه لو دقيقة واحدة، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا؛ أيُّ وقوفٍ بعرفة حتى ولو مرور، فإنه يكفي ويَصدُق على هذا الإنسان أنه وقف بعرفة، وأنه أدرك الحج. فالمبيت بمزدلفة الذي أمر الله - سبحانه وتعالى - به وأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عروة بن مضرس وغيره، ما هو المقدار الذي نقول إن الإنسان إذا أتى به فقد أتى بالواجب، وما زاد على ذلك فهو سُنة؟ لا شك أن أكمل الهدي وخيره هو هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن أكمل ما يفعله الحاج أنه إذا جاء إلى مزدلفة يصلي بها المغرب والعشاء، ويبيت بها ويصلى الفجر ويقف الموقف، ويدعو حتى يسفر جدًّا، ثم يدفع منها، هذا لا شك أنه هو الكمال بالنسبة لهذه الشعيرة. لكن ما نريد أن نتحدث عنه هو المقدار الواجب، الذي إذا أتى به الإنسان فقد بَرِئَتْ ذمتُه، وخرج من العهدة، وإذا لم يأتِ به أَثِمَ لتفريطه وتركه واجبًا من واجبات الحج. وعلى الخلاف فيما يترتب عليه بعد ذلك. فما هو هذا المقدار؟
اختلف أهل العلم في المقدار الواجب من المبيت بمزدلفة على أقوال:
القول الأول: فذهب الإمام مالك - رحمه الله تعالى - إلى أنه يكفي الحاجَّ أن يقف بمزدلفة بمقدار ما يصلي المغرب والعشاء ويتعشى، فإذا وقف بمزدلفة هذا المقدار؛ فإنه قد أتى بالواجب. يعني إذا قلنا مثلاً صلاة المغرب والعشاء تحتاج إلى ربع ساعة، والعشاء يحتاج مثلاً إلى ربع ساعة، فمعنى ذلك أن الإمام مالك - رحمه الله تعالى - يقول إنه إذا وقف بمزدلفة مقدار نصف ساعة، فإنه يجزئه ذلك ولو دفع بعد ذلك، فلو وصلتَ إلى مزدلفة الساعة التاسعة مساءً، ثم بقيتَ فيها نصف ساعة ثم انصرفت؛ فإنك عند الإمام مالك تكون قد أتيت بالواجب. وما زاد على ذلك فهو تطوع وهو سُنة؛ بل إن من المالكية من قال يكفي من الوقوف بمقدار ما يُنزل الإنسانُ رَحْلَه. هذا هو القول الأول في هذه المسألة.
القول الثاني: وهو الذي ذهب إليه الشافعي، والإمام أحمد، وجماعة من أهل العلم، قالوا إن المقدار الواجب لمن وقف قبل منتصف الليل أن يقف حتى منتصف الليل، ومَن وقف بعد منتصف الليل فإنه يجزئه أيُّ وقوف، فإذا أردنا أن ننصف الليل إلى نصفين، فإنا نحسب المسافة الزمنية من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ وليس كما يتبادر للأذهان أنه من غروب الشمس إلى طلوعها. الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فإننا إذا قلنا هذا المقدار ثماني ساعات مثلاً، فالمنتصف هو أربع ساعات من غروب الشمس، فعند الشافعي وأحمد - عليهما رحمة الله - يجب من الوقوف بمزدلفة إذا وقف الإنسان قبل منتصف الليل، أن يبقى فيها حتى ينتصف الليل، وإن وقف بعد منتصف الليل أجزأه أيُّ وقوف. هذا هو قول الشافعي، وأحمد، وجماعة من أهل العلم.
القول الثالث: قول أبي حنيفة - عليه رحمة الله تعالى - والإمام أبو حنيفة يختلف عن الأئمة الثلاثة، فإنه يرى أن الوقوف بمزدلفة من بعد طلوع الفجر، فمن وقف أول الليل فإنه يجب عليه أن يبقى - عند الإمام أبي حنيفة - حتى يطلع الفجر؛ لأن الوقوف عنده من بعد طلوع الفجر. هذه هي أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
أما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - الذي يقول يجب الوقوف إلى طلوع الفجر، وإن الوقوف المشروع بعد الصلاة، فإنه يستدل على ذلك بحديث عروة بن مضرس الطائي - رضي الله عنه - وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار؛ فقد تم حجه وقضى تفثه)). هذا هو مستند الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في أن الوقوف بعد صلاة الفجر؛ ولكن الحقيقة أن هذا الحديث ليس على ظاهره في أن الوقوف الواجب بعد صلاة الفجر، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - ومن حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث عائشة - رضي الله عنهم - أنه - صلى الله عليه وسلم - قدَّم ضعفةَ أهله بليلٍ للدفع إلى منى، ولا يمكن أن يرخص لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ترك الواجب، فهذه الأدلة تدل على أن هؤلاء الضعفة مِن النساء ومَن يرافقهم، أنهم أتوا بجزء من الواجب، ثم رخص لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في باقيه، وفي الدفع إلى منى، فهذا دليل على أن الوقوف يجب قبل طلوع الفجر، لا كما يقول أبو حنيفة - رحمة الله تعالى عليه - إن الوقوف الواجب بعد صلاة الفجر، هذا هو قول أبي حنيفة - رحمة الله تعالى عليه - في هذه المسألة.
أما قول الأئمة الشافعي وأحمد في أن المقدار الواجب إلى منتصف الليل، فإذا انتصف الليل فإن الباقي سُنة ولا يجب، فإنهم يستدلون على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في أحاديث كثيرة، أَذِنَ للضعفة من أهله أن يدفعوا بليلٍ؛ كما في حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ لهم أن يدفعُوا بليلٍ، فقالوا إذا رخص للضعفة ومَن يرافقهم؛ فهذا دليل على أنه قد أُتي بالواجب، فإذا انتصف الليل وذهب أول الليل وأتى آخره، جاز للضعفة أن يدفعُوا، وهذا دليل على أن الواجب قد أُتي به، وما عدا ذلك فإنه ليس بواجب، فنقول إن هذا المقدار هو الواجب إلى منتصف الليل، وما زاد على ذلك فهو غير واجب، ولهذا الشافعي وأحمد - عليهما رحمة الله - يرخصان بعد منتصف الليل للضعفة وللأقوياء جميعًا، فمَن بقي إلى منتصف الليل فقد أتى بالواجب، وما بقي فهو سُنة في حقه.
أما القول الأول، وهو قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - وهو أن الواجب من المبيت بمزدلفة بمقدار ما يصلي الحاج المغرب والعشاء ويتعشى، أو قول بعض أصحابه إنه يكفي بمقدار ما ينزل الإنسان رحله، فإن حُجة هؤلاء هي ظاهر الآية، فإن الله - سبحانه وتعالى – يقول: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } [البقرة: 198]، فإذا وقف الإنسان بمزدلفة، وصلى المغرب والعشاء وذكر الله؛ فقد وقف عند المشعر الحرام. وأنتم تعرفون أن الصلاة من أعظم الذكر، كما قال الله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الجمعة: 9]؛ يعني اسعوا إلى الصلاة، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [التغابن: 9]، قال الضحاك - رحمه الله -: "ذكر الله: الصلوات الخمس". فإذا أتى بهذا فقد أتى بالمأمور به في كتاب الله - سبحانه وتعالى - وما زاد على ذلك فإنه مستحب وكمال؛ ولكنه غير واجب. وما استدل به الشافعية والحنابلة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عروة بن مضرس: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه))، فإن هذا كما يقول الموفق بن قدامة - رحمه الله تعالى - بإجماع أهل العلم، إن الحاج لو أنه وقف حتى طلع الفجر، ولم يُصلِّ الفجر بمزدلفة، ولم يذكر الله - سبحانه وتعالى - في مزدلفة، ودفع قبل ذلك أن وقوفه صحيح، وإذا كان المأمور به صريحًا في الحديث ليس بواجب، فلازِمُه غير واجب من باب أولى.
والذي يظهر - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - في هذه المسألة، هو وجاهة ما ذهب إليه الإمام مالك - رحمه الله تعالى - في هذه المسألة، وأن هذا هو المقدار الواجب من المبيت، وما ورد من أدلة في هذا الباب؛ كقول النبي - صلى الله علبه وسلم - كما في حديث عروة بن مضرس: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع))، أو أنه أذن للضعفة آخر الليل، أو بليل..إلخ. فإن هذه كلها تدل على أن المبيت بمزدلفة منه قَدْرٌ واجب، ومنه قدر كمال واستحباب. فالواجب هو ما أُمر به في كتاب الله - سبحانه وتعالى - وما زاد على ذلك يكون كمالاً، ولا شك أن هذا القول له وجاهته؛ إلا أن قول أكثر أهل العلم في هذه المسألة له أدلة قوية، وهو محل اعتبار؛ ولكن بالنظر إلى أحوال الناس في هذه الأزمنة، فالازدحام الشديد، وكثرة الحجاج، وكثرة السيارات، وكثير من الناس ربما يأتي إلى مزدلفة فيدخل من طرف ويخرج من الطرف الآخر ما يستطيع أن ينزل بها، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - راعى الضعفاء مِن أهله ومَن كان معهم، وأن الناس في مثل هذه الأزمنة في حاجه شديدة، ولا تقوم الأدلة قيامًا وجيهًا؛ بحيث لا يتوجه عليها مناقشة، بأنه يجب المبيت إلى طلوع الفجر، أو إلى آخر الليل، أو إلى منتصف الليل. فالذي يظهر - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - أن قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - في هذه المسألة، له وجاهة، وله حظ من النظر. الأَوْلى بالإنسان ألا يتعرض لخلاف أهل العلم، ويدخل بمسألة هل أتى بالواجب أو لم يأتِ به، ويحتاط لنفسه، لكن لو أن الإنسان حصل له مثل ما يحصل كثيرًا في أيامنا هذه، من أنه دخل متأخرًا في مزدلفة، وما استطاع أن يبقى فيها بعد امتلاء مواقفها وساحاتها ونحو ذلك، أننا نقول: مجرد دخوله إلى مزدلفة من طريق وخروجه من الطريق الآخر، وبقائه فيها مدة من الزمن أنه يَصدُق عليه أنه أتى بما أوجبه الله - سبحانه وتعالى – عليه، وأن هذا القدر يكفي في رفع الإثم عنه؛ ولكن كما قلت قبل ذلك الأكمل ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|