نوازل الحج
د. عبدالله بن حمد السكاكر
الأمر الثالث بين يدي نازلتنا هو: هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقوفه بعرفة. النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث جابر- رضي الله عنه - في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم – "أنه لما طلعت الشمس من اليوم التاسع أَمَرَ أن تُضرَب له قبةٌ بنَمِرَة، ثم ركب من مِنى حتى أتى نمرة - ونمرة هذه كانت قرية تقع تقريبًا إلى الجهة الشمالية الغربية من عرفات، تقريبًا قبلة المسجد الآن مسجد نمرة المعروف، وهي خارج عرفة - فلما وصل إليها نزل - صلى الله عليه وسلم - حتى زالت الشمس، فلما زالت الشمس ركب راحلته حتى أتى الوادي - الذي هو بطن عُرَنَة، وبطن عرنة أيضًا خارج عرفات - فنزل - صلى الله عليه وسلم -وخطب الناس خطبةً عظيمة، وصلى بهم الظهر والعصر جَمْعًا وقَصْرًا، ثم ركب راحلته - صلى الله عليه وسلم - وأتى الموقف ووقف عند الجبل المعروف بجبل (إيلال)، أو المعروف الآن بجبل الرحمة، ولم يَرْقَه - صلى الله عليه وسلم - أو يصعده؛ وإنما وقف أسفل الجبل، واستقبل القبلة ورفع يديه يتضرع ويدعو الله - سبحانه وتعالى - حتى غربت الشمس، فلما سقط قرص الشمس وذهبت الصفرة دفع - صلى الله عليه وسلم - مِن عرفات إلى مزدلفة". هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا شك أن هذا هو أكمل الهدي وخير الهدي، وأن الإنسان إذا حرص على أن يقتفي آثار محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه على خير عظيم، وأن هذه هي أكمل الأحوال. فأكمل الأحول أن يفعل الإنسان كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يقف نهارًا، ويمكث حتى تغرب الشمس، ثم بعد ذلك ينصرف إلى مزدلفة ولا ينصرف حتى تغرب الشمس.
بعد هذه المقدمات، نرجع إلى نازلتنا، وهي مَن وقف نهارًا، فما حكم بقائه إلى أن تغرب الشمس بعرفات، بحيث إنه لا ينصرف من عرفات حتى تغرب الشمس؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: هو قول جماهير أهل العلم؛ كما يقول الموفق بن قدامة - رحمه الله تعالى – وغيره، فقد قال بهذا القول أبو حنيفة، والشافعي في إحدى الروايتين، والإمام أحمد، وجَمْعٌ من الأئمة والعلماء قديمًا وحديثًا، قالوا: مَن وقف نهارًا يجب عليه أن يبقى بعرفات؛ حتى تغرب عليه الشمس، فإن خرج من عرفات قبل أن تغرب الشمس ولم يرجع إليها؛ فإنه آثم لأنه ترك واجبًا. وهل يجب عليه دم أو لا يجب؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، بناء على اختلافهم فيمن ترك واجبًا: هل عليه دم أم عليه التوبة فقط؟ إذًا قول جماهير أهل العلم أن من وقف بعرفات نهارًا يجب عليه أن يبقى فيها حتى تغرب عليه الشمس.
القول الثاني: هو الرواية الثانية عن الإمام الشافعي، وهي المذهب عند الشافعية، واختارها الإمام النووي - رحمه الله تعالى - وهذا القول هو قول ابن حزم الظاهري، قال هؤلاء: إن من وقف نهارًا فإن البقاء إلى غروب الشمس سُنة في حقه. إن بقي حتى تغرب الشمس فقد أتى بهذه السُّنة واقتدى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن تركها فليس عليه شيء؛ لأنه إنما ترك سُنة من السنن. نرجع إلى قول جماهير أهل العلم، الذين قالوا إن هذا واجب من واجبات الحج، فنذكر أدلتهم واحدًا واحدًا.
استدل هؤلاء بعدد من الأدلة.
الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعرفة نهارًا، واستمر واقفًا فيها حتى غربت الشمس، ولم يدفع حتى غربت الشمس، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول في حجه: ((لتأخذوا عني مناسككم))، فهذا أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يقتدي الناس به في مناسك الحج، فنحن مأمورون بالاقتداء به، والأمر للوجوب؛ إذًا البقاء حتى تغرب الشمس واجب؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم - ولأمره بالاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - هذا هو الدليل الأول؛ ولكن هذا الدليل يمكن مناقشته فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في كل أفعال الحج يقول: ((لتأخذوا عني مناسككم؛ فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا))، ومع هذا فإني لا أعلم أحدًا من أهل العلم يقول بأن كل ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجه أنه واجب؛ مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم – فعله، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وإذًا فمجرد هذا الدليل لا يكفي لإيجاب الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس، فالذين قالوا إنه واجب بهذا الدليل لم يقولوا بأن المبيت بمنى ليلة التاسع واجب، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات فيها، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)). ولم يقولوا بأن الدعاء عند الجمرات واجب، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا عند الجمرة الأولى والثانية، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)). إذًا مجرد هذا الدليل بمفرده لا ينتج الوجوب؛ بإجماع عمل الأئمة بخلاف هذا الدليل؛ إذا هذا الدليل لا يستقيم.
الدليل الثاني: من أدلة أصحاب هذا القول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعرفة نهارًا، واستمر بها حتى غربت الشمس، وذلك منه - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لهدي المشركين. فإن المشركين - عدا قريشًا - كانوا في الجاهلية يقفون بعرفات، وكان هديهم أنه إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال؛ مثل العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا من عرفة إلى مزدلفة، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخالف هديُه هديَهم، فبقي - صلى الله عليه وسلم - حتى غربت الشمس، ولا شك أن من أعظم مقاصد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبطل عقائد الجاهلية وما كان عليه أهل الجاهلية في ذلك الزمان، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يخالف الجاهلية في أفعال كثيرة، كما خالفهم - صلى الله عليه وسلم - في الوقوف بعرفة، فإن قريشًا ما كانت تقف بعرفة، ويقولون نحن الحمس - يعني المتحمسون لدينهم - فكانوا يقفون بمزدلفة، وبقية الكفار يقفون بعرفات، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفاض من حيث أفاض الناس ووقف بعرفة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - خالفهم بمزدلفة؛ فإن المشركين في مزدلفة كانوا يقفون فيها حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس دفعوا إلى منى، وكانوا يقولون: "أَشْرِقْ ثَبِير كي ما نغير"؛ ثبير: جبل مُطلٌّ على مزدلفة، فكانوا إذا رأوا الشمس في أعلى الجبل دفعوا من مزدلفة إلى منى، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفع حين أسفر جدًّا قبل أن تطلع الشمس، وخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما مر بوادي مُحَسِّر؛ فإن المشركين كانوا إذا أتوا إلى وادي محسر، يقفون ويتفاخرون بشجعانهم وكرمائهم وشعرائهم إلى آخر ذلك، فأمر الله - سبحانه وتعالى - نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - في الحج وأمر المؤمنين أن يذكروه كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرًا، فلما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وادي محسر أسرع؛ مخالفةً للمشركين. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في بقائه في عرفات حتى غربت الشمس قَصَدَ مخالفة المشركين, ومخالفةُ المشركين واجبة؛ فعلى مَن وقف نهارًا أن يبقى حتى تغرب الشمس؛ مخالفةً للمشركين.
ولكن حتى هذا الدليل لا ينتج الوجوب في نظري؛ فقد ذكرت لكم آنفًا أن المشركين يبقون بمزدلفة حتى تطلع الشمس، ثم يدفعون منها إلى منى، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفع قبل أن تطلع الشمس، ولم يقل أحد من أهل العلم أن الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس واجبٌ؛ بل قالوا يُسنُّ للإنسان أن يدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس؛ لكنه ليس بواجب، مع أن هذا مخالف لهدي المشركين، وأيضًا الإسراع في وادي محسر، ما أعرف أحدًا من أهل العلم قال إن الإسراع في وادي محسر واجب؛ لكنه سُنة من السنن، لكنه في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يكون متعيِّنًا من أجل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان من مقاصد حجه أن يهدم ما كان عليه المشركون من عقائد فاسدة؛ لكن بالنسة للأمة من بعده، بعد أن انهدمت عقائد المشركين، فإن هذا الأمر لا يصل إلى درجة الوجوب، وإذًا الاستدلال بهذا الدليل في نظري أنه لا ينتج الوجوب.
الدليل الثالث: من أدلة الجمهور على أن مَن وقف نهارًا يجب عليه أن يبقى في عرفات حتى تغرب الشمس: أنه قد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه - صلى الله عليه وسلم –"، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين وقف بعرفات، أيهما أيسر على المسلمين؟ أن يدفع من عرفات قبل غروب الشمس؛ حتى يصلوا إلى مزدلفة بنهار ووقت إسفار، أم أن يبقى في عرفات حتى تغرب الشمس.
ثم يدفعون بليل إلى أن يصلوا مزدلفة؟ وأنتم تعرفون في ذلك الوقت كان الناس ينتقلون على الإبل وعلى الحُمُر، وعلى أرجُلهم، والمسافة بين عرفات ومزدلفة تحتاج إلى وقت، فقد يمضي عامة الليل قبل أن يصل الإنسان إلى مزدلفة؛ بل إن الناس في ذلك الزمن كان الواحد منهم ربما خرج من عرفات، ولم يصل إلى مزدلفة ويتيه عنها، ولهذا كان الخلفاء وأُمراء الحج يوقدون نارًا في المشعر الحرام في مكان مرتفع يسمى (المِيقدة) من أجل ألا يضل الحجاج يمينًا أو شمالا. إذًا أيهما أيسر على المسلمين الذين حجُّوا مع محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفات إلى مزدلفة نهارًا، أو ليلاً؟ لا شك أن الأيسر لهم - في نظرنا - هو أن يدفع نهارًا؛ حتى يصلوا إلى مزدلفة في وقت إسفار. قالوا فلما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر الأيسر، وأخذ بالأمر الأشق؛ دل على أن الأمر الأيسر لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا.
وفي نظري أيضًا أن هذا الدليل لا يستقيم، ولا ينتج الوجوب؛ فإن ثمة أكثر من احتمال لعلها هي التي حملت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على اختيار الآخر؛ بل قد يكون بقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن غربت الشمس هو الأرفق بالمسلمين. كيف يكون هذا؟ نقول قد يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ترك الأيسر، وهو الدفع نهارًا، إلى الأشق وهو الدفع ليلاً؛ إلا ليهدم عقيدة من عقائد المشركين، وأنتم تعرفون أن من أعظم مقاصد حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - هدمَ عقائد المشركين، وإذا لم يهدمها النبي - صلى الله عليه وسلم - فمَن يهدمها؟! إذًا كان من المقاصد العظيمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت أن يهدم هذه العقيدة؛ فبقي لأنه لو لم يفعل ذلك ما انهدمت، فهذا يحتمل أنه هو الذي جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يختار هذا الأمر على الأيسر. أيضًا هناك احتمال آخر هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بقي حتى غربت الشمس؛ ليعلم الناس أن الوقوف بعرفة يصح ليلاً ويستمر حتى الليل، خاصة إذا عَلِمنا أن الليلة في الإسلام تَتْبَع اليوم الذي بعدها، وإذًا الأصل أن يوم عرفة ينتهي بغروب الشمس.
الأصل في الإسلام أن اليوم ينتهي بغروب الشمس، فإذا غربت الشمس دخل يوم جديد، فمعنى ذلك أن الوقوف في الليل يحتاج إلى دليل من النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يعرف الناس أن ليلة العيد تابعة ليوم عرفة؛ وليست تابعة ليوم العيد. إذًا هذه مصلحة، و إذًا كون النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر الأمة، ويشرع لهم أن هذه الليلة، وإن كانت في الأصل تابعة لليوم الذي بعدها، إلا أنها في هذا اليوم تابعة لليوم الذي قبلها، هذا أرفق بالأُمة؛ لأن وقت الوقوف سيطول، وإذًا هناك أكثر من احتمال كلها يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ترك الأيسر على أُمته؛ إلا لمصالح عظيمة، هي أعظم من الرفق بهم في هذا الجانب، وإذًا فهذا الاستدلال - في نظري - لا يستقيم للقول بوجوب البقاء حتى تغرب الشمس.
ننتقل بعد ذلك إلى القول الثاني في هذه المسألة، وهو: قول الشافعية في أصح القولين عندهم، وهو اختيار الإمام النووي، وابن حزم الظاهري: أن مَن وقف نهارًا؛ فالبقاء إلى الليل سُنة في حقه، فإن تركه فليس عليه شيء. والشافعية يقولون إن تركه فإنه يُسنُّ له أن يذبح شاة، يسن له ويُستحب استحبابًا؛ لكنه لا يجب عليه؛ لأنه إنما ترك سُنةً، وهؤلاء يستدلون بما رواه الخمسة بسند صحيح عن عروة بن مُضَرِّس الطائي - رضي الله عنه – قال: جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في صلاة الفجر بمزدلفة، فقلت: "يا رسول الله، أتعبتُ راحلتي، وأجهدت بدني، وما تركت جبلاً - وفي بعض الروايات حبلاً - إلا وقفت عليه، هل لي مِن حج؟"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجُّه وقضى تفثَه))، قال أصحاب هذا القول: يا مَن تقولون إن الوقوف واجب، وإن مَن تركه عليه دم، هذا الدم من أجل ماذا؟ هذا الدم دم جبران لما حصل في النسك من النقص؛ لأن هذا الحاج قد ترك واجبًا، فيجبر هذا النقص الذي حصل في حجه بترك هذا الواجب، يجبره بالدم. الجبران يكون للنقص، أليس كذلك؟ حسنًا؛ النبي - صلى الله عليه وسلم – يقول: ((فقد تم حجه))، كيف تقولون إنه ناقص، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((فقد تم حجه))؟! وهل الحج التام يحتاج إلى جبران؟ لا يحتاج إلى جبران.
ثم إنه قد ورد في بعض روايات حديث عروة بن مضرس الطائي - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقفا معنا حتى ندفع، وكان قد أفاض من عرفات ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه)). فإذا كانت هذه الرواية - وهي عند النسائي والإمام أحمد – محفوظةً، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((كان قد أفاض من عرفات ليلاً أو نهارًا - يعني وقف، ثم دفع ليلاً أو نهارًا - فقد تم حجه وقضى تفثه))، وليس بعد التمام نقص، وليس مع التمام نقص. وهذا الدليل لا أعرف أن جمهور أهل العلم أجابوا عنه بإجابة تُبطِل الاستدلالَ به. ولهذا الذي يظهر لي - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - هو القول الثاني في هذه المسألة، وأن مَن وقف بعرفة نهارًا يُسنُّ له أن يبقى فيها حتى تغرب الشمس؛ ولكن لو دفع منها قبل غروب الشمس، فهو إنما ترك سُنة من السنن، وليس عليه شيء، وحجه تام بنص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي مر معنا في حديث عروة بن مضرس الطائي - رضي الله عنه - وهذا القول تلاحظون أنه يعضده دليل قوي ثابت، حتى يقول الترمذي: حديثُ عروة بن مضرس حديثٌ صحيح، والحاكم - رحمه الله تعالى – يقول: هذا الحديث على شرط الأئمة كافة. إذًا هذا القول يعضده الدليل، واستدلالات الجمهور الذين قالوا بالوجوب - كما مر معنا - فإنها مُناقَشة. فهذا هو الراجح - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - وهذا هو المتوافق - بإذن الله عز وجل - مع حاجة المسلمين، وما يعانونه من مشقة وعسر وضيق؛ بسبب كثرة الأعداد، وتأخر وقت الانصراف. وأنتم تعرفون أنه قبل سنوات قريبة - وسنعرض لهذا - إن شاء الله - في نازلة قادمة - أن الناس لم يصلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس! لماذا؟ لأنهم ما انصرفوا إلا بعد غروب الشمس، فحينما ينصرف ثلاثة ملايين حاج في وقت واحد، مع طرق محدودة، مسافة سبعة كيلو مترات، فمتى سيصل آخر الحجاج؟ وسنعرض المسألة - إن شاء الله تعالى - في مجلس آخر. لم يصلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وبعض أهل العلم يقول إن الوقوف بمزدلفة ركن من أركان الحج، فكيف نجبر الناس على أن يقفوا حتى تغرب الشمس، مع أن الأدلة التي استدل بها مَن قال بهذا القول - كما تلاحظون – ضعيفة، ومَن قال بأن الوقوف والبقاء إلى غروب الشمس سُنة، أدلتهم قوية. هذا الذي يظهر لي في هذه المسألة، والعلم عند الله.
النازلة التاسعة: العجز عن المبيت بمزدلفة:
أعداد الحجيج في هذه السنوات تصل إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين، والسيارات الكبيرة والصغيرة تصل إلى الآلاف، و الطرق محدودة، ولهذا يظهر بعض المشاكل في خطة السير، فيتعرقل جزء كبير من الحجيج، وفي بعض السنوات تعرقل بعض الحجاج فلم يبلغُوا مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وهذه لا شك أنها نازلة، وكثير من الحجاج أقلقهم هذا الأمر، وسألوا عنه كثيرًا، ولذلك كان من المناسب أن نبحثها في هذا المجلس، خاصةً أن الأمر ليس نادرًا أو شاذًّا، فمع كثرة الحجيج وكثرة السيارات ربما هذا يحصل كل سَنة؛ لكنه في سنة واحدة ظهر واستفاض لوجود مشكلة كبيرة؛ لكن في بعض السنوات ربما يكون العدد أقل، ولهذا ما تظهر على السطح، فنريد أن نتحدث عن هذه النازلة.
وقبل أن نبحث الحكم فيمَن فاته الوقوف بمزدلفة بهذا السبب ونحوه، نقدم ببعض المقدمات المهمة في هذا الباب.
أول هذه المقدمات هي بيان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في مزدلفة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث جابر، وغيره من الأحاديث التي نقلتْ صفةَ حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما غربت الشمس من يوم عرفة، وسقط قرص الشمس وذهبت الصفرة، دفع - صلى الله عليه وسلم - من عرفات إلى مزدلفة، وكان يسير وعليه السكينة والوقار، ويقول: ((أيها الناس، السكينةَ السكينةَ؛ فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل))، وما زال - صلى الله عليه وسلم - في طريقه عليه السكينة؛ حتى بلغ جَمْعًا؛ يعني بلغ مزدلفة. ومزدلفة تُسمى مزدلفة، وتسمى جَمْعًا، وتسمى المَشعَر الحرام، هذه كلها أسماء لبقعة واحدة، ومنسك واحد من مناسك الحج، وهي المزدلفة، فلما بلغها النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبدأ بشيء قبل الصلاة.
حتى إن الأحمال ما أُنزلت من على ظهور الإبل، فأمر المؤذن فأذَّن ثم أقام ثم صلى - صلى الله عليه وسلم - بالناس صلاة المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيرَه، ثم أقيمت الصلاة وصلى بهم - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء ركعتين، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطجع أو رقد في تلك الليلة، ولما كان من آخر الليل أمَرَ ضعفةَ أهلِه - صلى الله عليه وسلم - فدفعوا إلى منى، وكان معهم عدد من الشباب من بني عبدالمطلب من أمثال ابن عباس ونحوه في السِّن، فدفعوا من آخر الليل إلى منى، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه بقي في مزدلفة، حتى إذا بزغ الفجر، قائل يقول إنه طلع الفجر، وقائل يقول إنه لم يطلع، أُذِّن لصلاة الفجر ثم أقيمت الصلاة ثم صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين صلاة الفجر في المزدلفة، فلما صلى صلاة الفجر ركب بعيره وأتى إلى المشعر الحرام.
والمشعر الحرام اسم لكل مزدلفة، واسم لجبل في مزدلفة يسمى جبل المشعر الحرام، هذا الجبل أزيل الآن وأقيم عليه المسجد المعروف الآن بمسجد المشعر الحرام، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى وقف عند المشعر الحرام، فقال: ((وقفتُ هاهنا، وجَمْع كلها موقف، وارفعوا عن بطن مُحَسِّر))، ثم استقبل القبلة - صلى الله عليه وسلم - فوحَّد الله، وهلَّله، وكبَّره، ورفع يديه يدعو ويتضرع - صلى الله عليه وسلم - حتى أسفر جدًّا؛ يعني قبيل شروق الشمس، ثم ركب ناقته ودفع إلى منى - عليه الصلاة والسلام - عليه السكينة والوقار. هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في مزدلفة، وكان المشركون لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون "أَشْرِقْ ثَبِير كي ما نغير"؛ ثبير جبل يطل على مزدلفة، هو أرفع الجبال، كانوا ما ينصرفون من مزدلفة حتى تطلع الشمس على هذا الجبل، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفع قبل طلوع الشمس، هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في مزدلفة، ولا شك أن خير الهدي وأكمل الهدي هو هدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
يتبع