الموضوع: نوازل الحج
عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 09-12-2019, 04:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نوازل الحج

نوازل الحج




د. عبدالله بن حمد السكاكر





بعد ذلك نرجع إلى حكم هذه المسألة، وهي حكم استعمال المنظفات المعطرة؟ فنقول المنظفات المعطرة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: منظفات معطرة بروائح طيبة؛ ولكن هذه الروائح ليست مما يتخذه الناس طِيبًا؛ مثل: الصابون بنكهة الليمون، أو التفاح، أو السفرجل، أو النعناع مثلاً، هذه كلها روائح طيبة؛ لكن هل الإنسان يذهب إلى دكان العُطُور، ويقول أُريد عطرًا برائحة التفاح، أو طيبًا برائحة الليمون، هذا ليس مما يتخذه الناس طيبًا، فالمنظفات التي تكون رائحتها من الروائح الطيبة الزكية، ولكنها ليست مما يتخذ طيبًا - كما قلت لكم في الفواكه والنعناع والليمون ونحو ذلك، أو حتى بعض الروائح المصنعة، المهم أنها ليست مما يتخذه الناس طيبًا - فهذه لا بأس باستعمالها، فقد قلنا قبل قليل أن المحرِم ليس ممنوعًا من الروائح الطيبة، التي لا تعد من العُطُور، ولا من الطيب؛ إنما هو ممنوع فقط من الطيب والعطور التي وردت في السنة، أو ما في حكمها؛ أما الروائح الطيبة التي لا تسمى طيبًا، فإنه غير ممنوع منها، وبالتالي فإننا نقول: لا بأس باستعمال الشامبو أو الصابون المعطر بالليمون، أو التفاح، أو بالفواكه، أو بالرائحة الأصلية مثلاً، أو ببعض الروائح المركبة، المهم أنها ليست من العطور، نقول هذا لا بأس به.


القسم الثاني: الصابون أو المنظفات المعطرة بروائح عطرية، مما يتخذه الناس طيبًا وعطرًا. هناك صابون برائحة الورد، و عند محل العطور دهن الورد هذا من أغلى العطور. إذًا معنى هذا أن هذا الصابون قد عُطِّر بما يتخذه الناس طيبًا، أو تجد صابونًا معطرًا برائحة العود، أو برائحة الياسمين، أو برائحة المسك، هذه كلها عطور يذهب الإنسان إلى محل العطور ويقول له: أعطني عودًا، أعطني بخورًا، أعطني مسكًا، أعطني عنبرًا، أعطني وردًا، هذه كلها عطور، فالمنظفات التي عطرت بهذا النوع من الروائح الطيبة، إذا قلنا إن المحرِم ممنوع من الطيب، وإن الطيب حُرِّم على المحرِم؛ لأنه من دواعي النكاح؛ فأي فرقٍ بين أن الإنسان يأخذ شيئًا من دهن الورد ويضعه في إزاره أو في لحيته، وبين أن يأخذ صابونًا أو منظفًا من المنظفات برائحة الورد فيغسل يديه، ثم يظل هذا الورد يعبق من يديه لمدة ساعة أو ساعتين أو أكثر؟! هل الأنف يُفرِّق بين الطيب الذي اشتري من بائع المسك، وبين الطيب الذي جاء عن طريق المنظف أو الصابون؟!


إن القول بأن هذه المنظفات أنها ليست مما يتخذ طيبًا، وبالتالي يجوز اتخاذها، لا شك أن هذه - والعلم عند الله - ظاهرية بعيدة، فإن الحكمة التي من أجلها مُنِع الطيب موجودة فيما أخذته من الطيب فوضعته في لحيتك أو في إزارك، أو في هذا الصابون أو المنظف أو الشامبو الذي تضعه في شعرك أو في بدنك، فيظل جسمك ينتعش ويعبق، وكلما مررت من عند أُناس شمُّوا رائحة الطيب، أنت أحيانًا يمر بك إنسان فتَشُم منه رائحة الطيب، ما تدري هذا الإنسان هل تطيب بالمسك أو بالعنبر أو بالورد أو بالعود، أو أنه استعمل صابونًا أو منظفًا أو شامبو معطرًا؟ أحدٌ منكم يفرق؟! ما يفرق, إذًا هل نقول إن الطيب يَحرُم على المحرِم، والمنظفات هذه تجوز للمحرِم؛ لأن الإنسان ما يذهب إلى محل العطور، ويقول أعطني صابونًا؟! نقول لا، ليس بشرط أن يكون الإنسان يتعطر بالصابون، لكن ما في الصابون هذا يتخذه الناس عطرًا. ولا شك أن هذا يحصل فيه ما يحصل في الطيب من النشوة والرغبة في النكاح، وتَذكُّر الحياة الزوجية، والمرأة ونحو ذلك. والمحرِم ممنوع من ذلك، ولهذا أقول - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - إن المحرِم ممنوع من هذه المنظفات بهذه الروائح، وهذا القول هو الذي رجحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - وأنا أنقل لكم الآن نصَّ كلام الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - فإنه قال في إحدى خطبه: "فلا يجوز للمحرِم أن يدَّهن بالطيب ويتبخر به، ويضعه في أكله أو شرابه، أو يتنظف بصابون فيه طيب يُعدُّ للتطيب"، إذًا هو يقول إذا كان الطيب الذي في الصابون يعد بمفرده للتطيب؛ فإنه ممنوع منه، فهذا القول هو الذي اختاره الشيخ محمد، وهو الذي أراه راجحًا، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.


المجلس الثالث
هذا هو المجلس الثالث من هذه المجالس التي تنعقد؛ لبيان أحكام بعض النوازل المعاصرة في الحج.
النازلة السادسة: الطواف والسعي في الدورين الأول والسطح:
إن البيت الحرام - كما هو معلوم ومعروف - لم يكن يُرقى على سطحه أو من أدوار؛ إلا في هذا الزمن المتأخر، تقريبًا في البناية السعودية التي تمت في عهد الملك سعود في الثمانينيات الهجرية، فلما بني المسجد بهذه الطريقة حدثتْ هذه المسألة أو هذه النازلة، وعُرضت على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وبحثوها، وقد ذهبت هيئة كبار العلماء في هذه الدراسة وتلك الفتوى ،التي تمت بحدود سنة 1393ه- إلى جواز الطواف في الدور الأول أو في السطح، وكان هذا القرار بالأغلبية، مع تحفظ بعض الأعضاء، ومعارضة عضو واحد، وقد استدل مَن قال بجواز الطواف في الدور الأول أو في السطح بعدد من الأدلة، منها:


أولاً: أن الهواء تابع للأرض وللقرار - كما هو معروف عند الفقهاء - وأهل العلم يقولون لو أن الإنسان صلى إلى هواء الكعبة لصحَّت صلاته. لو كان الإنسان مثلاً فوق جبل أبي قُبَيْس، ثم استقبل الكعبة؛ فإنه لا يستقبل البناء، وإنما يستقبل الهواء، أو لو أن الكعبة مثلاً هدمت للبناء، فإن الإنسان إنما يستقبل هواءها، فالهواء تابع للقرار، فهواءُ المطاف وهواء المسعى تابعٌ لقراره ولأصله، ولهذا فالإنسان إذا طاف على الأرض، أو طاف في الدور الأول، أو طاف في السطح، فإنه يَصْدُق عليه أنه طاف في المسعى بين الصفا والمروة.


ومما احتجوا به على هذا الأمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه طاف وسعى على بعيره - صلى الله عليه وسلم - والطواف أو السعي على البعير، أو في الدور الثاني فوق البناء، الأمر فيهما سواء، فإن الإنسان سواء كان على البعير، أو على الدور الأول، أو الدور الثاني كله، قد ارتفع عن الأرض على شيء متصل بهذه الأرض، ثم إن من طاف في الدور الأول، أو سعى في الدور الأول أو في السطح، يصدق عليه أنه طاف أو سعى، طاف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة، و بناء على ذلك أفتى المجلس في جلسته تلك بأنه يجوز الطواف أو السعي في الدور الأول، أو في السطح، وقد تحفظ كما قلت لكم بعض الأعضاء، وعارض القرار شخص واحد، هو العلامة الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي، عليه رحمة الله تعالى.


ثم إن هذا الأمر أصبح فيما بعد إجماعَ عملٍ من الأمة الإسلامية، فتلقاه الناس بالقبول، وأصبحوا يعملون به، ولا ينكره أحد من علمائهم ولا من طلاب العلم فيهم؛ فأصبح إجماع عمل بحمد الله - سبحانه وتعالى – وتوفيقه، ولا شك أن الأمة في هذا الزمن تحتاج إلى مثل هذه الحلول؛ حتى تتسع المشاعر - ومنها بيت الله الحرام - لعدد أكبر من المسلمين؛ حتى يؤدوا مناسكهم، والشعيرة العظيمة التي هي الركن الخامس من أركان الإسلام.


الحقيقة أن هذا الأمر أو هذه النازلة أصبحت - كما قلت لكم - إجماعَ عملٍ، وما كنتُ لأبحث هذه المسألة أو أعرض لها؛ فإن هذا إلى التشويش أقرب منه إلى بيان الحكم؛ فإن الناس لا يشكون فيه ولا يختلفون فيه، وإنما أردت أن أنتقل من هذه المسألة إلى المسألة التي تليها، وهي تابعة لها، ألا وهي: الطواف في المسعى. فما معنى الطواف في المسعى؟ أو ماذا نقصد بالطواف في المسعى؟


من المعروف أن الإنسان إذا أراد أن يطوف في الدور الأول أو في السطح، أن المطاف يكون متسعًا حتى يصل الإنسان إلى الناحية الشرقية من المطاف، فيقرب المسعى من المطاف، حتى يضيق المطاف جدًّا في الجهة الشرقية التي هي جهة المسعى من المطاف، إذا كان الإنسان يطوف في الدور الأول أو في السطح، فإنه إذا وصل إلى هذه الجهة، ضاق المطاف في الدور الأول أو في السطح، وقرب منه المسعى فضيق عليه، وأصبحت المسافة قليلة مع زحام الناس في رمضان أو في الحج أو نحو ذلك، يجد الناس حرجًا شديدًا في أن يدخلوا إلى المسعى، فيطوفوا جزءًا من الطواف داخل المسعى. فهذا محل حرج وكلفة ومشقة عند كثير من الناس: أنهم وهم يطوفون يضطرون إلى الدخول في المسعى، فهم يسألون ويقولون ما حُكْم أن يكون جزء من الطواف داخل المسعى؟ قبل أن أجيب على هذه المسألة، أو أذكر الحكم عليها، أحب أن أقدم بمسألة أخرى مهمة لها علاقة في الحكم على هذه المسألة، هذه المسألة: هي هل المسعى – ما بين الصفا والمروة - هل هو داخل المسجد الحرام، ويعتبر جزءًا من المسجد، أم أنه خارج المسجد؟


المسعى إلى بدايات الثمانينيات الهجرية كان خارج المسجد الحرام تمامًا، ولو أن بعضكم اطلع على بعض الصور القديمة للمسعى بين الصفا والمروة، لوجد أن الناس يسعون بين الصفا والمروة وعلى جنباتهم من اليمين والشمال الدكاكين المشرعة على المسعى، فكان المسعى مستقلاًّ وخارج المسجد الحرام تمامًا، ولهذا كان العلماء في كتب الفقه قديمًا يقولون إن المسعى خارج المسجد الحرام، ولا تتحرج المرأة إذا كانت حائضًا أن تجلس فيه؛ بسبب أنه خارج المسجد الحرام؛ لكن حينما قامت الدولة السعودية - وفقها الله لكل خير - في الثمانينيات الهجرية ببناء المسجد الحرام وتوسعته، أصبح المسجد كما تشاهدونه الآن بحيث أنه ألصق المسعى بالمسجد الحرام، وأصبح البناء واحدًا كما نشاهده الآن، هذا بحدود الثمانينيات الهجرية، فأصبح المسعى ملاصقًا، وجداره مع المسجد جدارًا واحدًا، وأبوابه مشرعة على المسجد الحرام، بعد ذلك وتقريبًا بعد الأربعمائة هجرية قامت الدولة السعودية في عهد الملك فهد - رحمه الله تعالى - بتوسعة أخرى للمسجد الحرام، فأضيف من الجهة الجنوبية الغربية أضيفت البناية والتوسعة المعروفة الآن بتوسعة الملك فهد، وفي المقابل في الجهة الشرقية أزيلت البنايات، وكان هناك شارع وجسر، فأزيل هذا الجسر وأزيلت البنايات التي في الجهة الشرقية، مما يكون خلف المسعى، فأزيلت هذه كلها، ثم وضعت ساحات و(بُلِّطَتْ) بإشكال دائرية متوافقة مع اتجاه القبلة، ووضعت عليها السياجات والجدران، وأدخلت في المسجد الحرام، وأصبح الناس يصلون خلف المسعى كما يشاهده كل أحد، ولهذا فمما يظهر لي أنه لا إشكال فيه أن المسعى الآن ما بين الصفا والمروة، أنه جزء من المسجد الحرام، فلا معنى لما كان يقوله الفقهاء قديمًا من أن المسعى خارج المسجد؛ فإن المسعى أُدخل في المسجد، ثم أدخل ما وراء المسعى في المسجد، فالمسعى كان ملصقًا بالمسجد، والآن يكاد يكون وسط المسجد أو قريبًا من ذلك، فالآن لا معنى لأن نقول إن المسعى خارج المسجد الحرام؛كما هو موجود في كثير من كتب الفقه، هذا كان في الزمن السابق؛ أما الآن فهو جزء من المسجد.


نرجع الآن إلى بيان حكم المسألة، وهي حكم الطواف في المسعى؟ بمعنى أن الطائف - كما مر علينا - في الدور الأول أو في السطح، يطوف جزءًا من طوافه داخل المسعى، فأقول إن جماعة من أهل العلم وطلابه قد تحرجوا في هذا الأمر، ورأوا أن الإنسان لا يجوز أن يطوف داخل المسعى، وعللوا ذلك بأن المسعى خارج المسجد الحرام، و رخص بعضهم من أمثال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمة الله عليه - والشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله تعالى - في أن الإنسان إذا اضطر اضطرارًا، وزحمه الناس وأخرجوه إلى المسعى، أنه يصح طوافه إن شاء الله. وبعض أهل لم يرخص ولا في حال ازدحام، وقال إنه إذا طاف جزءًا من الطواف داخل المسعى؛ فإن طوافه لا يصح. هذا هو قول عدد ليس بالقليل من أهل العلم وطلابه في هذا الزمن، وكما قلت لكم لم أطلع على تعليل لمن قال بهذا القول؛ إلا أنه قال إن المسعى خارج الحرم، وقد مر معنا قبل قليل أن المسعى كان خارج المسجد الحرام في الزمن السابق؛ أما الآن فأصبح داخل المسجد الحرام، وبالتالي فإن هذا التعليل لا يستقيم، والذي أراه - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو أن طواف جزء من الطواف داخل المسعى أنه جائز، سواء كان هناك ضرورة بحيث أن الإنسان زحمه الناس، أو حتى لو لم يكن هناك ضرورة؛ فإن الإنسان إذا كان في السطح أو كان في الدور الأول، وكان يطوف فإذا جاء إلى جهة المسعى، لو أنه دخل من أحد أبوابه وخرج من الآخر بحيث إنه يكمل جزءًا من الطواف داخل المسعى، أن طوافه صحيح؛ وذلك لأنه لا يخرج عن كونه طاف بالبيت الحرام؛ فخروجه في هذا الجزء إلى جهة المسعى هل يخرجه عن أن يكون طاف بالكعبة، أو طاف بالبيت الحرام؟ هو لم يخرج من المسجد، هو داخل المسجد ويطوف على الكعبة المشرفة، وعلى بيت الله الحرام؛ فهو يسمى طائفًا. وما ذكره بعض أهل العلم من تعليل بأن المسعى خارج المسجد، قلنا عن هذا التعليل إنه لا يستقيم الآن بعد التوسعة الأولى والتوسعة الثانية، والذي أراه راجحًا أنه إذا طاف الطائف جزءًا من طوافه داخل المسعى، فإن طوافه صحيح ولا إشكال فيه؛ زحمه الناس أو لم يزحموه. هذا هو الذي ظهر لي رجحانه، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.


النازلة السابعة: المبيت بعرفه ليلة عرفة:

فأولاً قبل أن نبحث هذه المسألة، من المشهور والمعروف والمتفق عليه بين مَن نقل صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي -صلى الله علية وسلم - بات ليلة التاسع بمِنى، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ إلى مِنى من مكة يوم التروية يوم الثامن، وبات تلك الليلة بمنى، ولم يخرج من منى إلى عرفات إلا بعد أن طلعت الشمس يوم عرفة، فهذا هو هدي النبي - صلى الله علية وسلم - ولهذا فإن جماهير أهل العلم على أن المبيت ليلة التاسع أن السُّنة فيه أن يبيته الإنسان بمنى؛ لكن في هذه الأزمنه أنتم تعرفون أن الحجاج يصل عددهم أحيانًا إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين، والحملات أحيانًا تكون عبارة عن سلسلة من السيارات الكبيرة والأتوبيسات، حتى إن بعض الحملات ربما يصل عددها إلى ثلاثين أو أربعين (باصًا).


فأصبح هؤلاء الحجاج والقائمون على العناية بأمورهم وترتيب أحوالهم، إذا طبَّقوا هذه السُّنة، وهي المبيت ليلة التاسع بمنى والانصراف أو الدفع من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس من يوم عرفة، يجدون مشقة وعسرًا شديدًا، وربما بعض الحملات - وقد مررت بشيء من ذلك - ربما ما يصلون إلى عرفات إلا بحدود الساعة الثانية أو الثالثة، أو حتى الرابعة ظهرًا أو بعد الظهر، فما يصل الحجاج إلى عرفات إلا وهم في حالة لا تخفى على أمثالكم من التعب والإجهاد والمشقة، ثم يصل إلى عرفات فإذا جاء وقت الدعاء والتضرع، الذي هو أعظم المواقف، التي يقول فيها النبي - صلى الله عله وسلم -: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة))، إذا جاء هذا الوقت وإذا بهذا الحاج في قمة الإنهاك والتعب والمشقة، وإذا هو يبحث عن الراحة، ولو أنه جاهد نفسه ودعا؛ فإنه لا يكون في حالة من الإقبال على الله - سبحانه وتعالى - واستحضار التضرع والخشوع، والإنابة إلى الله - عز وجل - والطمع فيما عنده؛ فمن أجل ذلك بدأت بعض الحملات يسألون عن مسألة لو أننا في اليوم الثامن انصرفنا عصرًا أو بعد العشاء إلى عرفات، وبتنا فيها، هل في ذلك حرج؟


فأقول لا أعلم أحدًا من أهل العلم قال إن المبيت بمنى ليلة التاسع واجب, فهم يقولون إن المبيت بمنى ليلة التاسع سُنة، وبالتالي فإن الذين يتركون هذا المبيت يتركون سُنة بحمد الله تعالى، على أن بعض الناس يقول إنا ذهبنا نطلب الخير، ونطلب ما عند الله - سبحانه وتعالى - ونقتفي آثار محمد - صلى الله عليه وسلم - فأقول وأنت على خير؛ ولكن إذا تعارضت سنة مع مجموعة من السنن، فلا شك أن الإتيان بمجموعة من السُّنن أولى من الإتيان بسنة واحدة، وإذا تعارضت سُنَّتان إحداهما آكد من الأُخرى؛ فإن ترجيح السُّنة الآكد من الفقه، فإذا كان الحاج إذا أتى ليلة عرفه وبات فيها، ثم قام الصبح وإذا هو بكامل الراحة، وحضور القلب والإقبال على الله - سبحانه وتعالى - فإنه إذا جاء وقت الدعاء - الذي هو من أعظم المواقف؛ فإن من أعظم المواقف هو موقف عرفة، ولهذا ما رُئي الشيطان أذل ولا أحقر منه في يوم عرفة؛ لما يرى من تنزل الرحمة من الله - سبحانه وتعالى - والتجاوز عن الذنوب العظام - فإن استغلال مثل هذه الساعات في حالة يكون الإنسان فيها في قمة النشاط والحيوية، والإقبال على الله - سبحانه وتعالى - لا شك أنها من أعظم وآكد سنن الحج، ولهذا الذي يظهر لي - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - أنه إذا تعارض الأمران، فإن الأولى للإنسان أن يترك المبيت بمنى ليلة التاسع؛ من أجل أن يحصل الإقبال والدعاء والتضرع والإخبات إلى الله - سبحانه وتعالى - في يوم عرفة، وإذا كان الإنسان مثلاً يحج بسيارته، ويمكنه أن يجمع الأمرين جميعًا؛ فلا شك أن هذا نور على نور، وخير الهدي هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لا يخفى على أحد؛ لكن مَن ذهب وأخذ بما ذكرناه؛ فإنه لا شك أنه لا يحرج عليه بأنه إنما ترك سُنة، وقد يكون هذا أفضل له، وهو الفقه بالنسبة له إذا كان سيحصِّل شيئًا أعظم مما تركه. هذه هي النازلة السابعة من نوازل الحج.


النازلة الثامنة: الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس لمن وقف نهارًا:

قبل أن نبحث حكم هذه النازلة، أحب أن أُنبه على أمور:
الأمر الأول: حُكْم حجِّ مَن وقف بعرفة نهارًا فقط؟ لو أن إنسانًا وقف بعرفة بعد الظهر أو بعد العصر، ثم انصرف إلى مزدلفة ولم يبقَ إلى غروب الشمس، ولم يرجع في الليل، فما حكم حجه؟ حكم حجه كما يقول الموفق بن قدامة - رحمه الله تعالى - أنه صحيح في قول جماعة العلماء، ولم يخالف من أهل العلم أحدٌ في صحة الحج؛ إلا الإمام مالك - رحمه الله تعالى - وقد قال ابن عبدالبر - وهو مالكي أيضًا - قال: "إنه لم يتابع مالكًا في هذا القول أحدٌ"؛ يعني أن مالكًا - رحمه الله تعالى - انفرد بهذا القول، ولا شك أن قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - في هذه المسألة شاذ؛ لأنه قول مخالف لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عروة بن مُضَرِّس عند الخمسة بسند صحيح، لما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في صلاة الفجر بمزدلفة قال: "يا رسول الله، قدمت من جبلي طيئ، أتعبت راحلتي، وأنهكت بدني، وما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفه ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجُّه وقضى تفثَه))، فهذا نص صريح من النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن مَن وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجُّه. وإذًا فقول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - في هذه المسألة قول شاذ، عليه رحمة الله تعالى.


الأمر الثاني الذي أُريد أن أبحثه قبل أن نصل إلى مسألتنا هو: حكم حج مَن وقف بعرفة ليلاً فقط؟ إنسان لم يصلْ إلى عرفات إلا بعد العشاء أو في منتصف الليل، ثم وقف فيها ساعة، ثم انصرف إلى مزدلفة، فما حكم حجه؟ حجه صحيح، يقول الموفق بن قدامة - رحمه الله تعالى -: "لا أعلم في صحته خلافًا"، فهذا الحج حجٌّ صحيح، ولو لم يقف إلا في الليل؛ لحديث عروة ابن مضرس - رضي الله تعالى عنه - الذي مر معنا قبل قليل، وفيه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا)).
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.33 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.10%)]