نوازل الحج
د. عبدالله بن حمد السكاكر
قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم قبل أن يُحرِموا؛ أما حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويلات)) فهذا قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفات. وأنتم تعرفون أن الحاج في عرفات، إما أن يكون متمتِّعًا فيكون قد أحرم مرتين؛ أحرم بالعمرة ثم تحلل، ثم أحرم بالحج، وإما أن يكون مفرِدًا أو قارنًا ويكون قد أحرم منذ أيام، وأهل العلم يقولون إنه "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة". فلو قلنا بأن المباح هو الإزار فقط وما كان في حكمه، فمعنى ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخَّر البيان حتى أحرم المتمتِّع مرتين، وأحرم المفرِد والقارن منذ أيام؛ ولكن يُحمَل حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في عرفات على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يرخص للناس: مَن شقَّ عليه أن يجد ما يلبسه، أو يتَّزر به أن يلبس السراويل؛ لأن مَن عجز عن لبس الإزار جاز له أن يلبس السراويل. فهذا هو الذي يظهر لي رجحانه بهذا التعليل. هذا هو السبب الأول من الخلاف في هذه المسألة، وهو الخلاف في ما يلبسه المحرِم على أسفل بدنه: هل هو محدود أو مطلق؟
السبب الثاني من أسباب الخلاف في المسألة: هو اختلاف أهل العلم المعاصرين في هذا الإزار الذي نتكلم عنه، المخيط في جوانبه والذي عقد بتكة في أعلاه. اختلافهم هل هو مما يشبه المباح؛ فنقول مباح أو يشبه المحرَّم؛ فنقول محرَّم؟ فالذين قالوا إنه مباح قالوا يشبه المباحات. والذين قالوا إنه محرَّم قالوا إنه يشبه المحرَّم والممنوع، وهو السراويل. والحقيقة أن هذا السؤال قد صغته لكم كما هو في كثير من البحوث، التي بحثها طلاب العلم في هذا الزمان، فإنهم يقارنون هذا الإزار أو هذا اللباس الذي يسمى النقبة، يقارنونه بالإزار أو السراويل؛ فمن شبَّهه بالإزار أو قال إنه لا يزال يسمى إزارًا، قال إنه مباح. ومَن قال إنه يشبه السراويل، قال إنه محرَّم.
والذي يظهر لي أن هذا السؤال يجب أن يصاغ بطريقة أُخرى. فإننا رجحنا في المسألة السابقة أن المحرَّم محدود، وهو السراويل وما في حكمها، والمباح مطلق، ولهذا من يقول إنه مباح لا يحتاج أن يقيم الدليل على أنه إزار، أو على أنه يسمى في اللغة إزارًا؛ سُمي إزارًا أو لم يُسمَّ إزارًا، المهم أن لا يشبه الممنوع. ولهذا ينبغي أن نصوغ هذا السؤال بصيغة أُخرى فنقول: هذا الإزار الذي يسمى لغةً بالنقبة، هل يشبه الممنوع وهو السراويل، أو لا يشبهها؟ فإن أشبهها فهو ممنوع، وإن لم يشبهها فإنه مباح؛ سُمِّي إزارًا أو لم يُسمَّ، كان شبيهًا بالإزار أو ليس بشبيه؛ لأن المباح مطلق. والذي يظهر لي - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن هذا اللباس لا يشبه السراويلات، التي منعها النبي - صلى الله عليه وسلم - فإننا لو تأملنا في جميع الألبسة، التي منعها النبي - صلى الله عليه وسلم - كالبرانس والقُمُص والسراويلات والجُبَّة؛ لوجدنا أنها كلها تجتمع في صفة واحدة: هي أنها فُصِّلَتْ على قَدْرِ الأعضاء، وحينما تتأمل هذا الإزار تجد وتلاحظ أنه ليس من هذا القبيل.
وبناء على ذلك نقول - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - إن هذا الإزار يجوز لبسُه؛ لأنه ليس مما نصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على تحريمه ولا يُشبِهه، وقد كانت عائشة - رضي الله تعالى عنها - تذهب إلى الحج وإلى العمرة، فكان غلمانها إذا أرادوا أن يَحمِلوا هودجها على البعير أو ينزلوه، ربما بدا منهم شيء من عوراتهم؛ فأمرتهم عائشة - رضي الله عنها - أن يلبسوا تحت الإزار شيئًا يقال له التُّبَّان. والتبان هذا - باختصار شديد - هو الإزار المنتشر في هذا الزمن، إلا أنه قصير إلى حدود أنصاف الفخذين - يعني هو مثل السراويل القصيرة إلى نصف الفخذ؛ لكنه لا أكمام له وإنما له تكة في أعلاه - فكانت عائشة - رضي الله عنها - تأمر غلمانها بأن يلبسوا هذا التُّبان تحت أُزُرِهم؛ ليستر عوراتهم. فالذي يظهر لي - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن الممنوع هو السراويل وما في حكمها، وأن هذا الإزار لا يشبه السراويل، وبتالي فإنه يجوز لبسه، سواء سمي إزارًا أو لم يُسمَّ.
بعض الباحثين وبعض طلبة العلم يقول إن هذا خرج عن مُسمَّى الإزار، وإن كتب اللغة لا تسمي هذا إزارًا، ونحن نقول إن المباح مطلق، ولم يحدد بالإزار؛ فالمباح سواء كان إزارًا أو غير إزار المهم ألا يكون سراويل، ولا ما في معناها، هذا هو الذي ظهر لي رجحانه في هذه المسألة، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
النازلة الرابعة: لبس الكمامات حال الإحرام:
والكمامات هي ما يُوضع على الأنف والفم من قطن أو قماش أو نحو ذلك؛ ليمنع دخول الدخان والغبار والروائح الكريهة وغيرها، وقد انتشر استعماله في هذه الأزمنة في أوقات الحج؛ بسبب كثرة السيارات وعوادمها والغبار وغير ذلك؛ فأصبح كثير من الناس - خاصة رجال الأمن، الذين يكثر وجودهم في الشوارع - أصبحوا يلبسونها بكثرة، فما حُكْم لبس هذه الكمامات على الوجه؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال، ونبيِّن حُكْم لبس هذه الكمامات، لا بد أن نجيب على سؤالين:
السؤال الأول هو: هل الكمامات من جنس ما نُهي عنه من الألبسة في حال الإحرام؟ قد ذكرنا في المسألة السابقة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القمص والسراويلات والعمائم والبرانس، ونهى عن الجبة؛ كما في مجموع الأحاديث: حديث ابن عباس، وحديث يعلى، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وقلنا إن أهل العلم قالوا إن هذه الأحاديث بمجملها تدل على إن المحرَّم ممنوع ما فُصِّل على قَدْرِ الأعضاء. فهل الكمام الذي يوضع على الوجه من قماش أو نحوه، يأخذ حكم هذه الألبسة؛ مثل الفنيلة التي فُصِّلت على قدر الجسم واليدين، أو مثل السراويل الذي فُصِّل على قدر الرِّجْلين، أو مثل القميص، أو نحو ذلك؟
هذا الكمام لم يفصل على قدر الأعضاء، خاصة ما يكون منه على شكل قماش، فإن هذا إنما يوضع على الفم، ويُربط خلف العنق؛ فهذا لم يفصل على قدر أعضاء الوجه. وبالتالي فإننا نقول إن الكمامات ليست من الألبسة التي نصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على تحريمها، ولا من جنس هذه الألبسة التي نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تحريمها، هذا هو جواب السؤال الأول.
نأتي إلى سؤال آخر يتعلق بهذه المسألة، فإذا لم تكن من المخيط فهل يجوز لبسها؟ لا بد أن نجيب على السؤال الثاني، الذي يقول: هل المُحرِم ممنوع من تغطية وجهه؟ أنتم تعرفون أن المُحرِم ممنوع من تغطية رأسه، وتغطية الرأس لا يشترط فيها أن يكون ما يوضع على الرأس مما يلبس عادةً؛ فإذا غطى الإنسان رأسه بطاقية أو عمامة أو برنس، أو نحو ذلك؛ فإن ذلك كله ممنوع، فهل المحرِم ممنوع من تغطية وجهه أيضًا؟ لأننا إذا قلنا أن المحرِم ممنوع من تغطية وجهه، فالكمام تغطية وجه؛ فإنه يكون حينئذ ممنوعًا من لبس الكمامات؟ للجواب على هذا السؤال أقول روى الجماعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلاً كان واقفًا بعرفات، فوقع عن راحلته فمات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تُحنطوه ولا تُخمروا رأسه)) - ما العلة؟
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فإنه يُبعث يوم القيامة ملبِّيًا))، إذًا العلة فيما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وما نهى عنه في حقِّ هذا المحرِم الذي مات، هو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، إذًا هو وإن مات، إلا أنه لا يزال باقيًا على إحرامه. فالنبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((ولا تخمروا رأسه))، ومعنى لا تخمروا رأسه: أي لا تغطوه، ومنه الخمار لغطاء الرأس، ((ولا تخمروا رأسه)) هذه رواية الجماعة. لكن ورد في رواية عند مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((ولا تخمروا رأسه ولا وجهه)). وهذه الرواية - أيها الإخوة - هي التي من خلال ثبوتها وعدمه، يمكن أن نجيب على هذا السؤال. فنقول: هل يجوز للمحرِم أن يغطي وجهه أو لا؟ هذه الزيادة التي رواها مسلم في صحيحه، اختلف أهل العلم فيها؛ فذهب جماعة من أهل العلم؛ كالإمام البيهقي والحاكم وابن حجر، وجماعة من أهل العلم، إلى أن هذه الزيادة غيرُ محفوظةٍ وأنها شاذة؛ حتى وإن وردت في صحيح الإمام مسلم؛ فإن مَن رواها من الثقات خالفوا مَن هو أوثق منهم، وبالتالي فإنها شاذة معلولة، لا تصح، ولا يصلح الاحتجاج بها. وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن هذه الرواية التي وردت في صحيح مسلم زيادةٌ مقبولة محفوظة، وأظن أن ممن قال بذلك الإمامَ النووي - رحمه الله تعالى - كما في شرحه لصحيح مسلم؛ فإنه ما أنكر هذه الرواية أو هذه الزيادة.
وممن أيضًا قال إنها محفوظة وصححها الشيخ الألباني؛ فإنه حكم عليها بالصحة. فهذه الزيادة هي مدار الخلاف، فإذا رجحنا ما ذهب إليه البيهقي والحاكم وابن حجر، من أنها شاذة غير محفوظة؛ فإننا نقول إن الحديث الصحيح هو ((ولا تخمروا رأسه))، ويبقى الوجه على الأصل؛ فيكون مما يُباح ويجوز تغطيته. وإذا رجحنا ما ذهب إليه النووي - رحمه الله تعالى - والألباني - عليه رحمة الله - فإننا نقول لا يجوز تغطية الوجه. وبناء على ذلك اختلف أهل العلم في تغطية الوجه؛ فذهب أبو حنيفة ومالك - عليهما رحمة الله - إلى أن المحرِم ممنوع من تغطية وجهه، وهو قول ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
وذهب جمهور أهل العلم - وهو ما رواه ابن أبي شيبة عن عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - وعن جابر، وعن جمع من فقهاء التابعين مثل: عطاء وطاوس ومجاهد والنخعي وغيرهم - ذهبوا إلى أن المحرِم يجوز له أن يغطي وجهه، وعثمان - رضي الله عنه - تُوفي له ولدٌ وهو محرِم، فغطى وجهه وكفنه، ولم يغطِّ رأسه. وأيضًا روى ابن أبي شيبة أن عثمان - رضي الله عنه - خمَّر وجهه بقطيفة وهو محرم. والذي يظهر لي - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - هو أن هذه الزيادة، وقد سألت بعض طلبة العلم المعاصرين المتخصصين في علم الحديث، فقال: إن هذه الزيادة الراجح فيها أنها شاذة غير محفوظة، وبالتالي لا تَثْبُتْ؛ فيبقى الوجه على الأصل، وحينئذٍ نقول إن المحرِم غير ممنوع من تغطية وجهه. إذا أجبنا على هذين السؤالين، فقلنا إن الكمام الذي يوضع على الوجه ليس من جنس المخيط، الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن المحرِم غير ممنوع من تغطية وجهه؛ فإننا نقول حينئذٍ إنه لا بأس على المحرِم أن يلبس الكمامات التي توضع على الأنف والفم؛ للوقاية من الغبار والدخان ونحو ذلك. وهذا هو القول الراجح - إن شاء الله تعالى - والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
النازلة الخامسة: استعمال المنظفات المعطرة للمحرِم:
أنواع الصابون الموجود في السوق والشامبوهات ونحوها، أكثرُها يكون معطَّرًا، حتى إنه يُكتب عليه صابون معطر: معطَّر بالورد، معطر بالياسمين، إلى آخره. فما الحكم بالنسبة للمحرِم؟ هل يجوز له أن يستعمل هذه المنظفات في رأسه أو في يديه أو في جسمه أو نحو ذلك، حال إحرامه؟ وقبل أن نتحدث عن حكم استعمال هذه المنظفات نريد أن نقدم لذلك بأمور:
أولها: أن المحرِم ممنوع من استعمال الطِّيب، وقد وردت في ذلك أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فمِن ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين، الذي مر معنا، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((ولا ثوبًا مَسَّه وَرْسٌ أو زعفران))؛ والزعفران نوع من أنواع الطِّيب يوضع مع الطيب والخلوق ونحو ذلك. ومن ذلك حديث يعلى بن أمية في الصحيحين، الذي مر معنا قبل قليل أيضًا، وفيه أن ذلك الأعرابي قال: "يا رسول الله، ما تقول في رجلٍ أحرم في جبة، وتَضَمَّخَ بطِيب؟"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أما الطِّيب فاغسله ثلاثًا)). ومن الأحاديث الدالة على أن المحرِم ممنوع من الطيب حديثُ ابن عباس في الصحيحين، في قصة الرجل الذي وَقَصَتْه راحلته وهو واقف بعرفات، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا))؛ فقوله ((ولا تحنطوه)): يعني لا تضعوا فيه الحنوط، والحنوط هو أخلاط من الطِّيب توضع على أجزاء الميت ومنافذه ونحو ذلك. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُجنَّب الحنوط.
وعلَّل ذلك - صلى الله عليه وسلم - بأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، فمن خلال هذه الأحاديث قال أهل العلم: إن المحرِم ممنوع من الطيب، وهذا كله بعد الإحرام؛ أما قبل الإحرام فإن من السُّنة - كما هو معروف - أن يتطيب الإنسان في بدنه، لا في ثوبه؛ فإن عائشة -رضي الله عنها – تقول: "كنتُ أطيِّب رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت"، وكانت تقول - رضي الله عنها -: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِ الطِّيبِ في مَفَارِقِ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِمٌ"؛ متفق عليه. يعني المسك الذي يذر، ترى لمعانه على مفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى شعر رأسه، فقبْل الإحرام يُسنُّ أن يتطيب الإنسان في بدنه، حتى لو بقي الطِّيب إلى ما بعد الإحرام؛ لكن الممنوع هو أن يتطيب الإنسان بعد الإحرام بطيب، سواء في بدنه أو في ثوبه؛ لمجموع هذه الأحاديث.
الأمر الثاني الذي ينبغي أن نشير إليه قبل أن نصل إلى مسألتنا، هو: هل المحرِم ممنوع حال إحرامه من كل رائحة طيبة؟ أو أنه ممنوع من الطِّيب الذي يتخذه الناس طِيبًا؟ الأصل أن المحرِم يباح له كل شيء، ولا يمنع إلا بما وردت الأدلة بمنعه منه، هذا هو الأصل. فالأدلة وردت بمنع المحرِم من أشياء معينة من الطيب، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثوب مسه الزعفران، وقال لمن تضمخ بطيب: ((اغسله ثلاثًا))، وقال في الميت المحرِم: ((ولا تُحنطوه))، وهذه كلها مما يتخذها الناس طِيبًا وعطرًا، فنتوقف عند النصوص ولا نتجاوزها، نقول إن المحرِم ممنوع من الطيب الذي يتخذه الناس طيبًا؛ وليس ممنوعًا من كل رائحة طيبة، لا يتخذها الناس طيبًا. فأنتم تعرفون مثلاً أن النعناع رائحته طيبة، والريحان رائحته طيبة، والفواكه رائحتها طبية، والأترج رائحته طيبة، أشياء كثيرة جدًّا لها راحة طيبة من المأكولات والمشروبات وغيرها، لها روائح طيبة، فالمحرِم ليس ممنوعًا من كل رائحة طيبة؛ إنما هو ممنوع بموجِب هذه الأحاديث من الطِّيب الذي يتخذه الناس طِيبًا. إذًا الآن عرفنا أن المحرِم ممنوع من الطيب؛ وليس ممنوعًا من الروائح الطيبة التي لا تعد طيبًا، ولا يتخذها الناس طيبًا.
الأمر الثالث الذي نريد أن نتحدث عنه، قبل أن نصل إلى المسألة التي نحن بصددها، هو: الحكمة من تحريم الطيب على المحرِم؟ ما الحكمة التي من أجلها حرَّم الشارعُ الطيبَ على المحرِم؟ الحكمة - والله سبحانه وتعالى أعلم - كما ذكر ذلك جَمْعٌ من أهل العلم، هي أن الطيب من دواعي النكاح، والمحرِم ممنوع من النكاح ودواعيه؛ فإن الله - سبحانه وتعالى – يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، قال أهل العلم: الرفث هو النكاح ومقدماته. كل ما يدعو إلى النكاح فإنه من الرفث، لو جلس اثنان يتكلمان في حال الإحرام في أمر النساء، قلنا قد رفثتما؛ الحديث في شأن النساء رفث، لو أن إنسانًا مسَّ زوجته حال الإحرام بشهوة، قلنا هذا من الرفث، لو قبَّلها قلنا هذا من الرفث، فالطيب من دواعي النكاح.
ولهذا نقول إنه من الرفث، ومما يدل على أن هذه هي الحكمة - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن المرأة تُمنع من المرور على الرجال إذا تطيبت؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ))؛ رواه مسلم. فالمرأة إذا تطيبت مُنعتْ من المرور أو القرب من الرجال؛ لأن هذا مما يدعو أو يفتن الرجال بها. فالطيب في حال الإحرام هو مما يدعو للنكاح، ويُذكِّر به، ويهيج الشهوة، ويجعل الإنسان أقرب إلى طلب المتعة واللذة والحياة الدنيا، والإنسان في حال الحج مأمور بالانقطاع عن كل ما يدعوه إلى الدنيا، وبالإقبال على الله - سبحانه وتعالى - ومن المعروف أن من أعظم دواعي الدنيا وشهواتها النساءَ، ومن أجل ذلك فإن الجِمَاع هو أعظم محظورات الإحرام، ولا يُبطل الحجَّ و العمرة محظورٌ من المحظورات إلا الجماع؛ لأن الجماع يخالف تمامًا حال العبودية التي ينبغي أن يكون عليها الحاج في أثناء التلبس بالنسك كما أن الإنسان في حال الصلاة إذا ضحك قلنا بطلتْ صلاته، لماذا؟ لأن الضحك ينافي ما ينبغي أن يكون عليه المصلي تمامًا. فالمصلي مأمور بأن يكون خاشعًا مُقبِلاً على الله - عز وجل - متصلاً به، فإذا ضحك قلنا إن هذا أبعد ما يكون عن هذه الحالة، فحينئذ تبطل صلاته، فالجماع في حال الحج هو من أعظم الشهوات، التي تجعل الحاج أبعد ما يكون عن حال المتلبس بالنسك، ومن أجل ذلك حُرِّم الجماع وحرِّمت دواعيه، ومن دواعيه الطيب.
يتبع